أسهم ‘خطاب ما بعد الكولونيالية’ بإعادة قراءة كثير من الأعمال الأدبية التي غالباً ما كان ينظر لها بمعزل عن المشروع الكولونيالي، وذلك نظراً لعدم تبلور نظرية، تبحث في فعل التّلازم بين اللغة، وعملية التّمثيل القائمة على التّضافر بين المعرفة والسّلطة. إذ تكمن أهمية مقاربات إدوارد سعيد، وغيره، في كونها لفتت الأنظار إلى ما يعتري أعمال كل من كونراد وشارلوت برونتي وجين أوستن وألبير كامي وكبلينغ وشكسبير وغيرهم من شبهات كولونيالية. وكي لا نذهب بعيداً في تطبيق المنظور ما بعد الكولونيالي جزافاً، فإنه ينبغي لنا أن نتوخى الحذر تجنباً للسّقوط في فخ التّعميم والقولبة التي قارعها خطاب ما بعد الكولونيالية، بيد أنه ينبغي التّنبه إلى أن كثيراً من الأعمال الأدبية في الغرب، تنطوي على شُبهات كولونيالية، وإن بدتْ أقرب إلى أنساق مُخاتلة، تكمن في اللاوعي الغربي، في حين أنّ هنالك أعمالاً تصدر عن وعي واضح، وصريح، ومع ذلك، فإن كلا التّوجهين، يصدران عن موقع واحد، هو الثّقافة الغربية.
غالباً ما تُقارب رواية ‘حول العالم في ثمانين يوماً’ للكاتب الفرنسي جول فيرن، أحد رواد أدب الخيال العلمي بوصفها رواية مغامرات، مما يحول دون إدراك ما يتخللها من إشكاليات التّمثيل للأنا (المستعمِر) والآخر (المستعمَر). فحبكة الرواية، تنهضُ على رهان بين رجل، يُدعى فيليس فوغ، وعدد من أصدقائه حول القيام برحلة حول العالم في ثمانين يوماً، ولكن في غمرة الأحداث، ربما تفوتنا مستويات من التّنميط والأفكار المسبقة لنماذج وشخصيات الرواية، ومنها ‘فيليس فوغ’ القادر على تحقيق المعجزات، نظراً لما يتمتع به من انضباط وشجاعة وذكاء؛ لذلك اختار جول فيرن أن يجعل من بطل روايته ‘رجلاً إنكليزياً’ وهذا يأتي منسجماً مع الصّورة السّائدة، والمعطى الُمنجز للتفوق، في حين أنّ خادمه ‘باسبارتو’ الفرنسي، يتسمُ بالمهارة والحيويّة والشّجاعة وخفة الظل، ناهيك عن أن كليهما: باسبارتو وفوغ، يتسمان بالإنسانية والنُبل، ولكن يكمن الفرق في المظهر الخارجي، وفلسفة كل منهما في التّعاطي مع الأحداث، ولا يخفى على القارئ هذا التّلازم بين شخصيتين، تمثلان قطبي الهيمنة الإمبريالية في القرن التاسع عشر، مع الإشارة إلى أن الرّواية تنتمي زمنياً إلى العهد الفيكتوري، وتحديداً في الرّبع الأخير من القرن التاسع عشر، وهي فترة اتسمت بسعي قطبي الإمبريالية (إنجلترا وفرنسا) لتقاسم العالم، في ظل التّطور الصّناعي الذي شهدته أوروبا، وحاجتها للمواد الخام والأسواق.
عند النّظر للمستوى الدلالي المباشر، فإن رحلة تستغرق ثمانين يوماً، تعني أنّ العالم باتَ صغيراً نتيجة تطور وسائل المواصلات في ذلك الزّمن، وهذا يأتي بالتّوازي مع الإعلاء من قيمة فعل المغامرة والتّحدي، وكذلك القدرة على التّعامل مع المتغيرات، ولكن هذه المضامين البريئة تحضر بالتّجاور مع مضمرات كولونيالية، لعل أهمها أنّ هذا العالم على اتساعه خاضع لهيمنة الأوروبي، فالرّحلة تنطلق من لندن، وتنتهي بها، في حين أنّ سائر، أو معظم المحطات التي شهدت أحداث الرواية عبارة عن مستعمرات، أو كانت مستعمرات سابقة للإمبراطورية البريطانية، وما رغبة فوغ بالحصول على تأشيرة، أو توقيع القنصل في كل منطقة، يمرّ بها، إلّا بهدف توفير سند قانوني يشهره أمام مراهنيه، وهكذا، فلا عجب أنْ يذكر الرّاوي بأنّ الحصول على التّأشيرة ليس شرطاً للعبور، أو الإقامة في تلك المناطق، كونها تخضع للتاج البريطاني (ص 22)، وهنا نقع على المعنى الُمضمر، والُمتمثل بإنكليزية العالم، أو هيمنة بريطانيا على العالم، فعند تتبع الرحلة التي تبدأ من لندن، ومن ثم مدينة السّويس، فمدينة عدن وصولاً إلى بومباي ومن ثم كالكوتا فسنغافورة، وهونغ كونغ نجد أن المسافر لا يحتاج إلى سند قانوني، كونه يعبر أراضي بريطانية، باستثناء يوكوهاما اليابانية، لننتقل فيما بعد إلى الولايات المتحدة الامريكية، والأخيرة، تعدّ مستعمرة سابقة لبريطانيا العظمى، مما يعني أن (80 ‘) من العالم يقع في فضاء الإنكليزي. هذا اللاوعي الكولونيالي الأولي، يمثل نقطة البداية، إلا أن هنالك الكثير مما يمكن أن نعثر عليه، إذا ما مضينا في تتبع الرّواية بمضمراتها الكولونيالية.
إن أشدّ ما يبرز في السّياق الكولونيالي مركزية التنميط والقولبة التي تؤطر شخصيات الرّواية، ففيليس فوغ وباسبارتو تمثيلان جليان للتّفوق بشقيه: الإنكليزي، والفرنسي، فأثناء عبور فوغ وباسبارتو الغابة للوصول إلى كالكوتا قدوماً من بومباي، يصادفان مجموعة من الكهنة الهنود الذين يقودون امرأة بهدف حرقها تحقيقاً لطقس وعادة (السّاتي) التي تقتضي بأن تُحرق المرأة الأرملة مع زوجها الُمتوفى، مما يدفع باسبارتو إلى نعت الهنود بالتّخلف، وهنا نرى أن الوصف كان للإنسان، لا للفعل. بيد أن حدّة الفعل الكولونيالي، تتصاعد حين يقرر فوغ وأصدقاؤه إنقاذ المرأة، ولاسيما أن لدى هذه المرأة تمثيلات ومواصفات تقارب المزاج الغربي، فعلى الرّغم من كونها فتاة هندية، غير أنها ابنة رجل ثري من بومباي، بالإضافة إلى أن بشرتها البيضاء، علاوة على تلقيها التّعليم في المدراس الإنكليزية، فهي تشبه الأوربيين (ص75)، ولذلك يجب إنقاذها، ولو كانت غير ذلك، فلا ضير أن تذهب للحرق. وهكذا فإن مضمراً كولونيالياً، يسكن اللاوعي الغربي، ومفاده بأن البشرة البيضاء والثّقافة الإنكليزية، مواصفات ينبغي توفرها كشرط للإنسانية وأحقيّة الوجود.
لاريب أنّ التفوق الأوربي، يتبدى حين يقوم فوغ وباسبارتو بإنقاذ الفتاة، التي تعادل موضوعياً الهند بصيغتها الأوروبية، وهذا يعني أنّ الأوروبي هو المخلص، والقادر على جلب الحضارة للأقوام المتخلفة، وهنا لا بدّ من التوقف لقراءة التّلازم بين الحضورين الإنكليزي والفرنسي على مستوى الشّخصيتين (فوغ وباسبارتو)، فالتّأمل بموقعهما السّردي، وحضورهما في النص على مستوى الحدث، يشي بحالةٍ من الندية، والتكافؤ بين الشّخصيتين، أو بين القوتين على مستوى التمثيل السّردي، وكذلك الدّلالي، فعلى الرّغم من أن فوغ هو السّيد، وباسبارتو الخادم، إلا أن كلا منهما يحتمل دوراً وظيفياً دلاليّاً، فالانضباط والتّصميم من شيم الإنكليز، في حين أن الذّكاء والشّجاعة والمهارة والفكاهة من نصيب الفرنسي، هذا الشّكل من التنميط يطال شخصيات أُخَر، ومنها شخصية الهندي المستغل الذي يبيع فوغ فيلاً بثمن خيالي، وكذلك الرجل الأمريكي الذي صادفه فوغ وأصدقاؤه في الولايات المتحدة (المستعمرة السابقة)، والتي تشهد انتخابات تتسم بالفوضى والضّرب والصّراخ، مما يعني عدم تحقق النموذج الدّيمقراطي، أو عدم قدرة المستعمرة المستقلة عن بريطانيا أن تمارس ديمقراطية حقيقية، لذلك يوجّه النقد لهذه المستعمرة السابقة على لسان باسبارتو، وتحديداً عندما يتعرض القطار للتأخر بسبب قطيع من الحُمر الوحشية، إذ يقول: ‘يا لها من بلاد يسمحون فيها لحيوانات كهذه أن تعترض طريقنا'(ص249)، وهنا نلمح مقصديّة واضحة، مفادها أن هذه المستعمرة تحولت إلى فوضى، كون الإنكليز لا يتحكمون بها. فالولايات المتحدة لم تنضج إلى الآن، فهي غير قادرة على خلق نموذج ديمقراطي، ولا حتى أن تدير البلاد كما ينبغي؛ لذلك توصف الولايات المتحدة بأنها أرض شاسعة فارغة، وكأن سكانها الأصليين غير حاضرين، أو مرئيين، وحتى إن حضروا فهم قتلة ولصوص وأغبياء، فالهنود الحمر لم يحسنوا قيادة القطار عند الاستيلاء على غرفة القيادة، بل إنّ الخوف من الهنود الحمر (الآخر) دفع باسبارتو لشراء مجموعة من الأسلحة التي استعملت لصدّ هجوم الهنود الحمر.
لابد من الإشارة إلى أنّ اللغة تبدو أكثر وضوحاً للتّعبير عن اللاوعي الكولونيالي، خاصة حينما تأتي على شكل حوارات بين الشّخصيات، أو تعليقات من قبل الرّاوي، إذ أن هنالك إصراراً على جعل أمريكا امتداداً أو جزءاً من الفضاء الإنكليزي، حيث توجد ملحوظة حول النمط المعماري في أمريكا، ومدى مشابهته للنمط الفيكتوري الإنكليزي، ولتأكيد ذلك، نستشهد بعبارة ترد على لسان فوغ، يؤكد فيها على التّرابط العضوي بين الإنكليز والامريكيين، أو التّفوق الإنكليزي، إذ يقول لرفاقه: ‘لا يستطيع الامريكيون أن يؤذونا لأننا إنكليز’ (ص 240)، ولكن ذلك، لم يمنع من أن يصطدم فوغ مع أحد الرجال الامريكيين الذي سرعان ما يوصف بشخص فظ، وخشن وغير متحضّر، ومع ذلك، فإن الامريكي في الوعي الغربي، ينتمي إلى مرجعية أوروبية، وإنْ كان بدرجةٍ أقل، فهذا الأمريكي يتحول إلى صديق في اللحظة التي يقرر بها أن يُقاتل إلى جانب فوغ لمواجهة الهجوم الذي يشنّه الهنود الحمر على القطار، وهنا ينزع فتيل المواجهة الإنكليزية الأمريكية، ليتأسس المحور الغربي المتحضر الذي يتكون من فوغ، والمحقق فيكس-كلاهما بريطانيان- وباسبارتو الفرنسي، والرّجل الامريكي، ويمكن أن نُضيف الفتاة الهندية، شبيهة الأوربيين، وذلك في مواجهة (الآخر) الهنود الحمر الذين تمكنوا من اختطاف باسبارتو، وعدد من المسافرين، ولكن فوغ، ومجموعة من الجيش الامريكي، يتمكنون من استرجاعهم، وهنا يتضح الثّالوث المتفوق الذي يتكون من الإنكليزي والفرنسي والامريكي ومساندتهم لبعضهم البعض.
مما لاشكّ فيه أن الملامح الكولونيالية اللاواعية، تنتشر في الُمتخيل الرّوائي، وإنْ كنّا غير قادرين على الجزم بأن فيرن ينطلق من رؤية كولونيالية سافرة، أو أنه يمتلك مقصديّة، تهدفُ إلى تعميق المشروع الكولونيالي، ولكن يمكن التّصريح بأن النزعة الكولونيالية ساكنة في العمق الغربي، فمنصات الكتابة، تقوم على تمثيلات اللاوعي الغربي، بأن الآخر همجي ومتخلف وأنّ القوة والحضارة والانضباط والذّكاء سمات تختصّ بالغربي فقط، بل إنّ العالم برمته يقع في فضاء الأوروبي (الإنكليزي تحديداً)، فالسّويس، وعدن، وبومباي، وكالكوتا، وسنغافورة، وهونغ كونغ، والولايات المتحدة أراضٍ إنكليزية بامتياز، فلا عجب أن يعلّق الراوي على تجوّل باسبارتو في هونغ كونغ، بأنه يسير في أرضٍ إنكليزية، وذلك كأمر مفروغ منه. وإذا ما تعمقنا أكثر بهذا المنظور، ولاسيما الإصرار على الحضور الإنكليزي في فضاء الآخر، نشير إلى وجود باسبارتو في مدينة ‘يوكوهاما’ اليابانية حيث يفضل أن يتوجه إلى الجانب الأوربي من المدينة، تلافياً للإحساس بالوحدة التي لم يتمكن من التخلص منها؛ لذلك يصف وجوده هناك ‘كمن يشعر بأنه في إفريقيا’ (ص209(.
ومما ينبغي ملاحظته، تلك العلاقة التي تجمع فوغ بالفتاة الهندية (عوده) حيث تصحبه في رحلته، ومن ثم تطلب الزواج منه عند العودة إلى لندن، فهل يعني ذلك أنّ الهند بصيغتها الأوروبية، ينبغي أن ترتبط بعلاقة عضوية بالمسيطر الإنكليزي؟ وهنا نحيل إلى التّمثيلات المهيمنة في المتون الغربية، وتتحدد بتأنيث الآخر، في حين أن المستعمِر (الغربي) هو تجسيد للذّكورة، والسّيطرة، كل ما سبق، يدفعنا إلى التّشكيك بحضور اللاوعي الكولونيالي، إلى تغليب الوعي الكولونيالي.
وفي تتويج نهائي لمنظومة التّفوق الأوربي، ينجح فوغ في مهمته، على الرّغم من العوائق والصّعوبات، فهو يتخلص من كل المشكلات، بهدوء، وحنكة، بل يبذل الكثير من المال لتحقيق غايته، إذ يشتري فيلاً وسفينة ويسهم في إنقاذ امرأة هندية من القتل، وينتصر على الهنود الحمر، وفي الختام، يتمكن من الاستيلاء على السّفينة التي يرفض ربانها الامريكي التّوجه إلى ‘ليفربول’ بعد أن يقوم فوغ بشرائها، بل يرشو البحارة، كي يضمن ولاءهم في مواجهة الرّبان، وهكذا يقود فوغ السّفينة بمهارة البحار، يتخطّى العواصف، والأخطار، ليتمكن في النهاية من الوصول إلى لندن حيث يُفاجأ بأنه قد قطع الرّحلة بـ (79) يوماً، وتعليل ذلك بأن الأرض تقسم إلى (360) درجة حسب خطوط الطول، فمن يسافر شرقاً باتجاه الشمس، سيجد أنّ الأيام تصبح أقصر بأربع دقائق في كل مرة، يعبر فيها إحدى الدّرجات الـ (360)، مما يعني أن الزّمن يتراجع ولو أنّ فوغ سافر إلى الغرب لقطع الرحلة بـ (81) يوماً (ص372) ، بمعني أن الزّمن يتقدم، فهل يمكن أن نؤول التوجه للشرق بالتّأخر، أو التّخلف، في حين أن التّوجه نحو الغرب يعني التّقدم…!؟
*حول العالم في ثمانين يوماً، جول فيرن، ترجمة صبري الفضل، مكتبة الأسرة، القاهرة، 1997.
‘ كاتب اردني