حول العسكر والديمقراطية .. رسالة مفتوحة بمناسبة مرور عام على الثورة المصرية

حجم الخط
0

د. عبد الحميد صيام سيادة المشير محمد حسين طنطاوي وأعضاء المجلس العسكري المحترمين.. نحن غلابى الشعب العربي ومهمشيه وأصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير السلمي نحو الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون ومحاربة الفساد والفاسدين نود في البداية أن نهنئكم بالذكرى الأول لثورة الشعب المصري العظيمة التي أطاحت بإمبراطورية الفساد والبلطجة والتوريث وأعادت شيئا من الكرامة الوطنية للشعب المصري العظيم.

نحن مشردي الشعوب العربية الذين تجرعوا مرارة الغربة والنفي والتشرد في بلاد ‘برة’ بحثا عن لقمة عيش وجرعة كرامة أوعلم ينتفع به، حيث ضاقت علينا بلادنا إما بسبب خنق الحريات أو إنسداد سبل العيش الكريم أو لوقوعها مرة تحت حكم ‘محتل أجنبي’ أو محتل من أبناء الوطن المرتبطين بالمحتل الأجنبي، نود أن نحتفل معكم ومع ملايين الشعب المصري والعربي بهذه المناسبة السعيدة والهامة.

لقد طرنا فرحا بسقوط الدكتاتور وزبانيته واحتفلنا بثورة مصر العظيمة في الشوارع والساحات في طول الدنيا وعرضها. لقد ثمنا مواقفكم الشجاعة عندما إنحزتم إلى جانب الشعب ورفضتم أن تحولوا ميدان التحرير إلى مذبحة، وطلبتم بحزم من عمر سليمان أن لا يغيرحرفا واحدا في رسالة الاستقالة ولا ننسى صورة العسكري المجهول واقفا خلف رئيس جهاز المخابرات يراقب بصمت للتأكد من أن سليمان سيقرأ الرسالة دون تحريف أو تزوير أو مفاجئات. نحن، يا سيادة المشير وبعد عام من انتصار الثورة، نود أن نعرب لكم عن قلقنا العميق وشكوكنا المبنية على الوقائع والحقائق التي تجلت في ممارساتكم بعد إستلامكم للسلطة، ونواياكم بالبقاء على كرسي الحكم إلى أجل غير مسمى.

نحن لا نفهم هذا التصالح بينكم وبين الإتجاهات الدينية الانتهازية التي لم تشارك في الثورة من بدايتها وعندما تأكدت أن الثورة قد تجاوزت خط اللاعودة قفزت، كعادتها لاستثمار الثورة لصالحها، وعندما دعا عمر سليمان إلى جلسة حوار وطني، كانوا أول الواصلين إلى قاعة الحوار وآخر المغادرين. لا نفهم سر هذا التحالف الذي ترك شباب الثورة الحقيقيين على الهامش لأنهم لم يتسطيعوا تنظيم أنفسهم في فترة قصيرة ومكـّن الانتهازيين من السيطرة على البرلمان بسهولة عجيبة إعتمادا على تنظيماتهم العريقة ودعم البترودولار.

وعندما خرجت الجماهير تنادي بتصحيح المسار تصدى لها رجالات الأمن بالحديد والنار وهتك أعراض حرائر مصر الشريفات المناضلات الصابرات المؤمنات.

نود يا سيادة المشير أن نعلن لكم بكل صراحة ووضوح أننا لا نثق بأن تكون مسألة حماية الديمقراطية تحت سيطرتكم تقررون مصيرها كيفما شئتم فالشعوب عادة لا تثق بوضع مهمة صعبة كهذه في أيدي العسكر لأن التجارب تؤكد لنا أن ألد أعداء الديمقراطية هم العسكر لأسباب معروفة أولها أن الديمقراطية تضع العسكر تحت القانون لا فوقه ثم تسحب قرار الحرب والسلم من العسكر وتضعه في أيدي القيادات المدنية المنتخبة وأخيرا لأن الديمقراطية تصر على إبعاد القوات المسلحة عن السياسة وتحصر مهمتهم في الدفاع عن الوطن.

تجارب العسكر مع الديمقراطيةسأسرد على سيادتكم العديد من الوقائع التي تثبت بالدليل الملموس أن العسكر غير مؤتمنين على الديمقراطية. فمن تشيلي إلى الجزائر ومن تركيا إلى السودان ومن الأرجنتين والبرازيل إلى الباكستان وسوريا ومن سيراليون إلى ليبيا- تؤكد التجربة العملية أن العسكر بمجرد السيطرة على الحكم فإنهم لا يتخلون عنه إلا بقيام إنقلاب آخر أو ثورة شعبية أو إنتفاضة دستورية يجد العسكر أنفسهم أمامها غير قادرين على التصدي لزخم معارضة بقائهم في السلطة فيتنازلون عنها صاغرين.

أتذكرون سيادتكم أروع إنجاز للديمقراطية في أمريكا اللاتينية عندما إنتخب شعب تشيلي القائد اليساري سلفادور ألندي بتاريخ 4 أيلول/ايلول 1970 فماذا عمل العسكر بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتاريخ 11 أيلول/سبتمبر 1973؟ قام الجنرال بينوشيه بتصفية ألندي بطريقة دموية وألغى الديمقراطية وظل في الحكم سبع عشرة سنة شرد فيها أكثر من ثلامائة ألف وسجن عشرات الألوف وقتل ألوفا أخرى خاصة من المثقفين والكتاب والشعراء ومن بينهم أعظم شاعر في أمريكا اللاتينية بابلو نيرودا الذي قضى بعد إثني عشر يوما من شدة الإحباط والقهر، والمغني العظيم فيكتور هارا الذي كان يشدو بأشعار نيرودا على طريقة سيد إمام وأحمد فؤاد نجم.

فكيف سنثق بالعسكر.

؟ وسأعطيكم مثالا آخر.

إنتخب الشعب الباكستاني رئيس حزب الشعب الباكستاني ومؤسسه ذو الفقار علي بوتو في كانون الأول/ديسمبر عام 1970 رئيسا للبلاد وبقي في المنصب لغاية 1973 ثم جرى تعديل على الدستور فأصبح رئيسا للوزراء لغاية 1977 إلى أن قام الجنرال ضياء الحق بانقلابه المشبوه وإيداعه السجن وتوجيه تهمة الخيانة العظمى له في محاكمة صورية ثم قام بإعدامه شنقا بتاريخ نيسان/ابريل 1979 رغم تدخلات الدنيا كلها.

بقي ضياء الحق في الحكم لغاية 1988 إلى أن سقطت به الطائرة فقضى في الحادث. الجنرال برويز مشرف كرر المشهد مع رئيس الوزراء المنتخب نواز شريف الذي وصل السلطة بالانتخاب فاسقطه العسكر بانقلاب عام 1999 وظل برويز في السلطة لغاية 2008 . فكيف لنا أن نصدق أن العسكر مؤتمنون على الديمقراطية؟

في منطقتنا العربية، إنقلب حافظ الأسد على قيادات حزب البعث المدنية يوسف زعين ونور الدين الأتاسي وصلاح جديد عام 1970 ولم يسلم السلطة إلى أن مات عام 2.000 فورثها لابنه بشار. وإنقلب عمر حسن البشير عام 1989 على حكومة الصادق المهدي المنتخبة ولم يسلم الحكم إلى الآن. وعسكر الجزائر ما زالوا يمسكون البلاد من خناقها منذ عام 1965 وعندما غير الشاذلي بن جديد الدستور عام 1989 وسمح بالتعددية السياسية وكادت جبهة الإنقاذ الإسلامي أن تنتصر في انتخابات ديسمبر 1991 ويناير 1992 قام الجيش بانقلابه الدموي الذي أغرق البلاد بالدم وخلف أكثر من مئتي ألف قتيل في السنوات العشرة اللاحقة.

وما أشبه الوضع في تركيا بالجزائر ولكن دون حمام الدم.

لقد قام الجيش بأربعة انقلابات ناجحة في الأعوام 1960 و 1971 و 1980 و 1997 عندما شعر بأن الحكومات المنتخبة لا تلبي طموحه.

وقد حاول نحو 80 ضابطا القيام بانقلاب على حكومة ر جب طيب أردوغان عام 2007 إلا أن أردوغان بحنكته وشعبيته العارمة أفشل الانقلاب ووضع 31 من المتآمرين في السجن بمن فيهم رئيس الأركان السابق. أما إنقلاب القذافي المشبوه فحدث ولا حرج وأنتم تعرفون أين وصلت البلاد تحت حكم ملازم أول يحمل شهادة الثانوية العامة فقط ورفــّع نفسه إلى مرتبة عقيد في ليلة واحدة ولم يغادر الحكم إلا بعد نجاح الثورة الليبية التي إلتقطت الشرارة من ثورتي جيرانها التوانسة والمصريين.

العسكر يا سيادة المشير عطلوا الحياة الديمقراطية في البرازيل من عام 1964 لغاية 1989 وفي الأرجنتين من عام 1955 عندما أطاح الجيش بحكومة بيرون المنتخبة ذات الشعبية العالية لغاية 1989 عندما انتخب كارلوس منعم السوري الأصل.

فالجنرالات عندما يحكمون لا يتخلون بسهولة عن الحكم إلا مكرهين وفي بعض الحالات تدخل المجتمع الدولي لطرد مغتصبي السلطة كما حدث مع الجنرال سيدراس في هايتي عندما أطاح بحكومة أرستيد المنتخبة وسنكوح في سيراليون عندما إنقلب على حكومة أحمد تيجان كبا المنتخبة. ونعوذ بالله من تكرار هكذا تجارب في مصر المحروسة. أكتفي بهذا القدر من التجارب السابقة لتعامل العسكر مع الديمقراطية لا عجزا عن إيراد أمثلة أخرى بل حتى لا أطيل عليكم لمعرفتي الأكيدة بانشغالكم في شؤون الحكم المعقدة لدولة يزيد سكانها عن خمسة وثمانين مليونا.

ولكل قاعدة إستثناء: سوار الذهب وعلي ولد محمد فال بما أن لكل قاعدة إستثناء يـثـبتها فهناك مثالان خارج هذا السياق أسوقهما للعبرة واحد من السودان والآخر من موريتانيا.

فبعد انتفاضة الشعب السوداني في نيسان/ابريل 1985 ضد حكم الطاغية النميري والتي انتهت بإبقائه في المنفى القسري، تقلد الجيش مقاليد الأمور وبحكم المرتبة العسكرية، تسلم المشير عبد الرحمن سوار الذهب الحكم (التشابه مع الحالة المصرية واضح تماما). وقد وعد أن يسلم الحكم لحكومة منتخبة خلال سنة.

وبقي في السلطة فعلا لغاية فوز حزب الأمة في الانتخابات الحرة التي جرت في أبريل (نيسان) 1986. وقد إلتزم بوعده ونفذ كلمته وقام بالتنازل المشرف لرئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي الذي بقي في السلطة إلى أن عاد الجيش مرة أخرى وانقلب على الديمقراطية عام 1989 بقيادة عمر حسن البشير والذي أطاح بالحكم الديمقراطي واستبدله بدكتاتوية بغيضة فرطت في البلاد وأهانت العباد وأشعلت الحروب الداخلية والخارجية وانتهى به الأمر أن يكون مطلوبا لمحكمة الجنايات الدولية ومع هذا ما زال متشبثا في السلطة إلى الآن.

أما المثل الثاني فهو قيام العسكر بالإطاحة بحكم الطاغية العسكري معاوية ولد طايع بعد 20 سنة في الحكم (1985-2005) أثناء رحلة إلى السعودية لحضور جنازة المرحوم فهد بن عبد العزيز.

تسلم السلطة بحكم الموقع العسكري العقيد علي ولد محمد فال والذي وعد بالبقاء في السلطة إلى أن يسلمها لحكومة منتخبة. وبالفعل بقي في السلطة من 3 آب/اغسطس 2005 لغاية 19 نيسان/ابريل 2007، يوم تسلم الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله مقاليد الحكم.

أتعرفون ماذا جرى لولد الشيخ عبد الله يا سيادة المشير؟ أطيح به في انقلاب عسكري في 6 آب/أغسطس 2008 على يد الجنرال محمد ولد عبد العزيز، بالضبط مثلما جرى للصادق المهدي في السودان. فهل ستسيرون على نفس طريق سوار الذهب وفال أم طريق بنوشيه وضياء الحق وعمر البشير؟

في عام 1952 قام الجيش المصري العظيم بثورة شاملة حماها الشعب بحدقات عيونه ونقلت مصر إلى عصر جديد من الاستقلالية والحرية والتصنيع ومجانية التعليم وتأميم القناة وبناء السد العالي والوقوف إلى جانب حركات التحرر في العالم وتأسيس حركة عدم الانحياز وقيام دولة الوحدة مع سوريا وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وغير ذلك من الإنجازات الكبرى، وفي عام 2011 قام الشعب المصري بثورة عظيمة وحضارية حماها الجيش من مذبحة محققة.

فهل يستمر في مهمته النبيلة ويستمع لنداءات الشعب ويتخلى عن الحكم بإرادته قبل أن يضطر شباب الثورة وشاباتها أن يتعاملوا مع المجلس العسكري بطريقة أخرى؟ ولكم سيادة المشير وأعضاء المجلس العسكري الموقر أجمل تحيات من أبناء الشعب العربي عموما وهو يحتفل معكم بهذه الذكرى الطيبة والسلام.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية