حول العلاقة بين العرب وإيران

حجم الخط
0

عبد العلي حامي الدينفي نهاية هذا الأسبوع تابعت نقاشا حادا على شاشة إحدى الفضائيات العربية حول إيران ودورها في المنطقة، وظهر من خلال النقاش أن هناك حاجة ماسة لتجاوز النظرة العصبية المبنية على اعتبارات مذهبية والتأسيس لمنظور جديد لهذه العلاقة يحضر فيها علم التاريخ والسياسة والعلاقات الدولية والاجتماع السياسي، وتحضر فيها أيضا لغة المصالح المشتركة..طبعا، بناء رؤية موحدة حول العلاقات العربية الإيرانية تعترضها مجموعة من الصعوبات الحقيقية، فلسنا بصدد طرف عربي واحد تتوفر فيه شروط التكامل والاندماج، بينما هناك بالمقابل دولة إيرانية واحدة تحكمها رؤية سياسية واحدة بغض النظر عن الاختلافات الموجودة بين الاتجاهات السياسية داخلها، وحتى بالنسبة لبعض التكتلات العربية مثل منظمة التعاون الخليجي فهي منقسمة على نفسها بخصوص كيفية التعاطي مع الموضوع الإيراني، مع اقتسام الشعور بالخوف وعدم الارتياح لسياسة إيران في المنطقة..الشعور بعدم الارتياح تحكمه عدة أسباب، بعضها منطقي وواقعي وبعضها تغذيه بعض الصور النمطية المستوحاة من الذاكرة التاريخية وما تحتفظ به من وقائع يتم استدعاؤها لتبرير الخوف وعدم الثقة في الخطاب السياسي الإيراني حتى ولو تحلى ـ في بعض الأحيان ـ بأقصى درجات المرونة والواقعية..وهو ما يجعل البعض يميل إلى القول بأن الخلافات الموجودة بين العرب وإيران هي خلافات سياسية توظف فيها المذهبيات وبعض الوقائع التاريخية بشكل فيه الكثير من الإسقاطات التعسفية.لكن سواء بالنسبة للمتحمسين لتطوير العلاقات العربية الإيرانية أو للمتشككين في إمكانية ذلك والداعين إلى التريث في هذا الباب فإن هناك اتفاقا كبيرا بين الأطراف العربية على مجموعة من النتائج الموضوعية، منها أن الموقف الإيراني من الموضوع العراقي يبرز النزعة التوسعية والهيمنية للجمهورية الإيرانية، وعدم الاعتداد بأية ضوابط أخلاقية لممارسة نوع من التمدد على حساب دولة العراق وسيادته ووحدة أراضيه، ولو بنوع من ‘التفاهم’ الضمني مع ‘الشيطان الأكبر’ الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية..كما أن الموقف الإيراني من الأزمة السورية يبقى محكوما باعتبارات مذهبية وسياسية قادرة على تجاوز العديد من القيم والمبادئ الفضلى التي طالما تغنت بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية..إن النزعة البراغماتية التي تؤطر السياسة الإيرانية في الموضوع العراقي والأفغاني والسوري ليست بحاجة إلى تبرير أخلاقي بالنسبة لدولة تعمل على خدمة مصالحها الاستراتيجية بالدرجة الأولى، ولكن الذي يستحق الدراسة هو الحالة العربية التي تبدو عاجزة عن وضع مشروع منافس لمشروع التمدد الإيراني في المنطقة..إن هناك تساؤلا مركزيا يفرض نفسه بالنسبة لكل ملاحظ موضوعي، وهو هل العلاقات ‘العربية’ الإيرانية تستند إلى أهداف استراتيجية؟ وهل يمكن القول بأن العرب في موقع يؤهلهم لتحديد أهدافهم الاستراتيجية بمعزل عن أي تبعية للقوى الكبرى في العالم؟ وهل يجري رسم هذه الأهداف لمصلحة العرب أم لمصلحة قوى أخرى؟ أو بمعنى آخر هل العلاقات ‘العربيةّ’ الإيرانية هي علاقات مستقلة أم تتدخل فيها أطراف أخرى؟ إذا تأملنا في الدول العربية المجاورة لإيران فإنها تبدو شبه عاجزة عن استيعاب ‘الأقليات’ الشيعية التي وجدت نفسها مرتهنة للولاء السياسي لدولة ‘المذهب’ القوية في غياب تجذر حقيقي لمفهوم المواطنية داخل هذه المجتمعات ولو بنسب متفاوتة، وإن كانت بعض الحقائق التاريخية تؤكد أن التشيع في إيران لم ينطلق إلا في القرن السادس عشر الميلادي على يد علماء عرب وعلى رأسهم نور الدين الكركي وهو عالم عربي من أصل لبناني من منطقة كرك، كما احتضنت الحوزة الدينية في النجف العراقي أهم المراجع الشيعية ولم ينتقل مركز الحوزة الدينية إلى ‘قم’ إلا في مراحل متأخرة جدا، بل إن أغلب المنتسبين إلى حزب الله في لبنان يقلدون المرجع الشيعي العراقي السيستاني ولا يقلدون المرجع الشيعي الإيراني علي خامنائي، كما تعرضت الكثير من الآراء الفقهية لشيعة إيران لانتقادات لاذعة من طرف الفقيه اللبناني الراحل محمد حسين فضل الله الذي أعلن نفسه مرجع تقليد وتبعه الكثير من الشيعة العرب…مشكلة الحالة العربية أنها تعاني من غياب الديموقراطية والتداول السلمي على السلطة بالشكل الذي يفرز أنظمة قادرة على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل عن إرادة الدول الكبرى من جهة، ومن جهة أخرى تقوم بتلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها وعلى رأسها الحق في العيش الكريم وحقها في المشاركة السياسية وفي صناعة القرار…وفي هذا السياق برزت الحالة التركية كحالة ناجحة في استيعاب الأقلية الشيعية (الجعفرية) من خلال حضور رئيس الدولة في احتفالات هذه الطائفة بيوم عاشوراء وإلقاء خطاب بالمناسبة، وهو ما يؤشر على درجة عالية من الحكمة والقدرة الاستيعابية، مما يسهم في عقلنة العنصر الشيعي في تركيا وتركيز الولاء عنده للدولة القطرية وليس لدولة المذهب، كما أن الطقوس الشيعية في تركيا بمناسبة يوم عاشوراء تتميز بالكثير من العقلانية بالمقارنة مع بعض التجارب العربية والإيرانية، فمقابل مشاهد اللطم والحزن وضرب الجسد وإيلامه وجرحه، يقوم الشيعة الأتراك بالتبرع بالدم لفائدة المرضى والمستشفيات….وعلى ذكر تركيا فإنه من اللافت للانتباه أن هناك تقييما إيجابيا لعودة الدور التركي في المنطقة العربية وخاصة بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي رغم وجود عناصر توتر تاريخية أكثر وضوحا بين الإمبراطورية العثمانية وبداية تشكل الدولة القومية العربية الحديثة، بينما يتم النظر إلى الدور الإيراني الداعم للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، والرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني بالكثير من الريبة والاحتياط ! العلاقات المغاربية الإيرانية تظل علاقات محدودة وتخضع لحدة أقل، بالنظر للبعد الجغرافي والبعد الديموغرافي للنسيج الاجتماعي المغاربي الذي يتميز بوحدة المذهب (السني المالكي)، لكن مع ذلك فإن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران الذي تم قبل حوالي ثلاث سنوات يظل قرارا غامضا وغير مفهوم بالنسبة للمراقبين، اللهم ما رشح من تسريبات موقع ويكيليكس من أن هذا القرار اتخذ استجابة لعاصمة دولة عربية قوية بالخليج العربي…حاجة العرب وإيران اليوم، لبناء نظرة جديدة محكومة بالتحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة العربية، ومسكونة بخدمة المصالح العليا للشعوب العربية والإسلامية وإيجاد موطئ قدم في نظام دولي لا مكان فيه للضعفاء… ‘ كاتب من المغربqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية