حول بعض الإشكالات الدولية للحكم الذاتي في الصحراء الغربية:

حجم الخط
0

حول بعض الإشكالات الدولية للحكم الذاتي في الصحراء الغربية:

لا بد من وضع كوابح تحول دون استعمال الحكم الذاتي كمجرد ذريعة لتحقيق تطلعات استقلاليةمن المهم أن نحتفظ بالمبادرة الدبلوماسية ونظل إيجابيين عبر التأكيد علي مغربية الصحراءحول بعض الإشكالات الدولية للحكم الذاتي في الصحراء الغربية:د. الحسان بوقنطار ـمن الواضح أن كل ما يرتبط بالجهوية يمثل من الناحية القانونية مسألة داخلية تعالج داخل المنظومة القانونية التي يمثل القانون الدستوري احد روافدها البارزة، فالقانون الدولي لا يتوفر علي قوانين عامة تضبط هيكلة الدولة. فالاستقلال الدستوري للدولة autonomie constituionnelle هو من الاختصاص القانوني الداخلي للدولة. لقد أكدت مجموعة من النصوص القانونية هذا التوجه. ففي رأيها الاستشاري الصادر في قضية الصحراء في تشرين الاول (أكتوبر) 1975 أشارت محكمة العدل الدولية إلي حق كل دولة في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. وكرست ذلك في حكمها الصادر في 27 حزيران (يونيو ) 1986 حول الأنشطة شبه العسكرية الأمريكية ضد نيكاراغوا.لكن إذا كان الإطار المعياري الدولي قد سار في هذا الاتجاه، فإن الجهوية بمفهومها السياسي وليس فقط الاداري لا يمكن أن تبقي بمنأي عن الانشغالات الدولية لعدة أسباب منها ما هو مرتبط بدرجة التداخل الكبير الذي يعرفه النظام الدولي، حيث تداعيات القرارات لا يمكن أن تبقي محلية، ومنها ما هو مرتبط بالانعكاسات المحتملة لمثل هذه الاختيارات ومدي الاستفادة منها في مختلف التجارب. وأخيرا قد يعزي الأمر إلي حالات وجدت الجماعة الدولية نفسها بشكل من الأشكال معنية بها ومدعوة إلي التفاعل معها لتسويتها ولضمان الآليات الضرورية للمساعدة علي تثبيت الحل المقترح في إطار الحكم الذاتي.لذلك نقترح في مستوي أول تحديد نوع من النمذجة للحالات الراهنة التي طرح فيها الحكم الذاتي بوصفه الحل الأكثر نجاعة لتسوية بعض النزاعات التي كانت تتصارع فيها مطالب تقرير المصير والمحافظة علي الوحدة الترابية، قبل أن نسلط الضوء علي القضايا التي يثيرها قرار اللجوء إلي هذا النوع من الضبط.أولا: تعدد وتنوع النماذجفيما يتعلق بتجربة الحكم الذاتي، لسنا أمام نموذج فريد ولا مرجعية وحيدة، بل هناك حالات متعددة تكونت وتطورت نتيجة مطالب ومسلسلات تم تدبيرها بآليات مختلفة. وهي في العمق تطرح كما لاحظ ذلك أحد الباحثين رغبة الدول في مواءمة السيادة للتكيف مع متطلبات وعقلانيات منافسة قد تأخذ طابعا تدبيريا كما قد تأخذ طابعا عرقيا متميزا. فهي في بعض الأحيان قد تشكل استجابة متقدمة للدفاع عن الأقليات. فعلاوة علي استعمال سلاح الحقوق والتمييز الايجابي، قد تضطر إلي استعمال هذا النمط من التدبير لإبراز الهوية والخصوصية لجماعة لتجنيبها مخاطر الانفصال.قد تكون الجهوية اختيارا واعيا لمواجهة متطلبات التنمية. ويتعلق الأمر أساسا بتصحيح الاختلالات الجهوية. ونلاحظ ذلك في الاختيارات التي تبناها الاتحاد الأوروبي، حيث انه أعطي فيما يتعلق بتدخلاته إزاء الأعضاء وخاصة المنظمة حديثا، الأولوية لتجسير الفجوة القائمة بين الجهات المتقدمة وتلك التي تعرف تأخرا ملحوظا. وقد مكن هذا الأسلوب من خلق نوع من التوازن الجهوي المتوخي ارتكازا علي الدعم المقدم في هذا الإطار.لقد التجأت المجموعة الدولية إلي أسلوب الحكم الذاتي كآلية لتدبير بعض الخلافات العرقية أو الترابية ذات النزعة الاستقلالية. وإذا حاولنا الغوص في ما يمكن تسميته بجيوبولتيك الحكم الذاتي ارتكازا علي معيار تدخل العنصر الأجنبي، فمن الممكن الحديث عن التشكيلات التالية:1 ـ تشكيلة داخلية محضة ضمنها يبدو تدخل العنصر الأجنبي ضعيفا. فهنا نحن أمام قرار داخلي استباقي الهدف منه هو السماح للخصوصيات بالتعبير عن نفسها في إطار دولة موحدة. وتقدم أوروبا نموذجا متنوعا وغنيا بالتجارب سواء في ما يتعلق بالدول البسيطة كاسبانيا وفرنسا التي تعرف نماذج متنوعة لأنظمة خاصة ببعض المناطق البعيدة عن فرنسا، كما هو الأمر بالنسبة لبولنزيا الفرنسية أو كاليدونيا الجديدة أو كورسيكا… أو دول ذات تركيبة فيدرالية كما هو الأمر بالنسبة لألمانيا أو المملكة المتحدة البريطانية التي تتكون من وحدات لها حتي بعض الاختصاصات الخارجية.2 ـ التشكيلة الثانية تكونت نتيجة لتطلع استقلالي تم قمعه بشراسة إلي حد ارتكاب جرائم ضد الانسانية، مما اضطر النظام الدولي إلي التدخل لإرجاع الأمور إلي نصابها بعد استعمال القوة المسلحة. الشيء الذي فرض أمام حالة فراغ السلطة إقرار نظام حكم ذاتي مؤقت في انتظار الحسم النهائي في كيفية تدبير الاقليم. وهي حالة كوسوفو التي وضعت تحت إدارة الأمم المتحدة، وما زال لم يتم الحسم بشكل نهائي في وضعيتها.3 ـ أما الحالة الثالثة، فهي التي تمثل تدبيرا لنزاع داخلي تقوده حركة مطالبة بالاستقلال تعبر عن حساسية ديموغرافية ودينية. وأمام هذا الوضع قد يتطلب الأمر اللجوء إلي وساطة دولية لتحقيق هدفين أساسيين وهما: دفع الطرفين إلي تقديم تنازلات متبادلة تركز علي حماية السيادة الوطنية، ثم المساهمة في الترتيبات المتعلقة بتأمين الحل المقترح. التجسيد الواضح لهذا النموذج هو حالة اقليم اتشي في اندونيسيا. هذا الاقليم الذي يسكنه حوالي ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة ويوجد في جزيرة سومطرة والذي عرف نزاعا مسلحا بفعل مطالب غام وهي حركة ظلت تحارب النظام المركزي منذ ثلاثين سنة. وقد أفضت الوساطة التي قام بها الرئيس الفلندي اتساري إلي حل يقوم علي منح الحكم الذاتي لهذه المنطقة بدل الاستقلال الانفرادي الذي كانت قد أعلنت عنه الحركة بشكل انفرادي في سنة 1976 . وقد تم توقيعه في 15 غشت 2005 . وهو يعطي صلاحيات واسعة للاقليم امتدت إلي المجالات التربوية والثقافية علاوة علي توزيع الثروة النفطية التي يزخر بها الاقليم. تقوم قوة تابعة للاتحاد الأوروبي وكذلك بعض الدول المجاورة بالسهر علي الاجراءات المتعلقة بتجريد الثوار المنتمين للاقليم من أسلحتهم. وتمثل هذه الحالة أحد النماذج الايجابية والبارزة التي دفعت فيها مجموعة من العوامل الموضوعية الطرفين المتنازعين إلي تقديم تنازلات متبادلة لإقرار هذا النوع من الحل.4 ـ التشكيلة الرابعة وهي التي يقترح فيها الحكم الذاتي لتجاوز وضعية أكثر تعقيدا لأنها تتضمن مجموعة من المعطيات التي تبدو متناقضة وهي المتعلقة بالقضية التي تهمنا، أي الصحراء المغربية.فعلي مستوي المبادئ المرتبطة بالقانون الدولي هناك صراع بين مبدأ تقرير المصير ومبدأ استكمال الوحدة الترابية. ودون الرجوع إلي النقاشات الفقهية الكلاسيكية، من الواضح أن مبدأ تقرير المصير لا ينبغي أن يفهم علي أساس أنه يفضي آليا إلي الاستقلال. بل إن الاعتبارات المتعلقة بنجاعة الاقليم والاستقرار الجيوسياسي، تدفع في اتجاه ما أمكن العمل علي الوحدة الترابية للدول. ثانيا: في الوقت الذي تمكن المغرب فيه من السيطرة علي الاقليم وإدارته وفقا لاتفاقية مدريد المؤرخة في 14 نونبر 1975 كما أطلق برنامجا تنمويا واستثماريا، فإن الطرف الآخر، مدعوما بالجزائر، أعلن عن ميلاد دولة سماها بالجمهورية الصحراوية الديمقراطية الشعبية، والتي تمكنت من الحصول علي اعتراف بعض الدول، لا سيما منها الافريقية والأمريكية اللاتينية. لكن أكثر من ذلك، فإن صعوبة قضية الصحراء تأتي من كون تدويلها هو ناتج بالدرجة الأولي عن وجود دولة جارة ليست فقط مناوئة بل إنها سخرت، منذ اندلاع الأزمة، دبلوماسيتها لمعاكسة الحقوق المشروعة للمغرب. وقد نجحت إلي حد ما في جعل القضية مطروحة في أروقة الأمم المتحدة بعدما تمكنت من إدخال صنيعتها في المنتظم الافريقي.انطلاقا من هذه الاعتبارات التي جعلت ملف الصحراء يعرف نوعا من الاشكال المضر بشعوب المنطقة، فإن مقترح الحكم الذاتي الذي يستعد المغرب لتقديمه، يأتي في هذه الظرفية كمخرج للمأزق الذي تتردي فيه القضية علي مستوي المعالجة الدولية. فهو يستجيب لتوجهين وهما اعتبار أنه في كل صراع دولي ليس هناك غالب واحد يمكن أن يأخذ كل شيء، مهما كانت شرعية حقوقه. فهناك قاعدة لا غالب ولا مغلوب. وثانيها أن هذا الحل يعتبر أن القضية يمكن أن تحل علي أساس أنه لا إلحاق ولا انفصال، بل هناك وضعية خاصة تسمح للسكان بتدبير شؤونهم اليومية دون الارتقاء إلي شخصية دولية منفصلة.وتبعا لذلك، فإن الأمر يتعلق بنظام خاص بالمناطق الصحراوية ينبغي أن ينال قبول المنتظم الدولي، ومن خلاله كافة الأطراف، اعتبارا إلي أن مجلس الأمن وهو يتحرك في إطار الفصل السادس، اعتبر أن الهدف الرئيسي هو الوصول إلي حل متفاوض عليه ومقبول من طرف كافة الأطراف. وثانيا إن الأمر في حالة قبوله يعني نظاما نهائيا. فبالنسبة للمغرب لا يمكن أن ينظر إليه كنظام انتقالي بل كحل نهائي يغلق هذا الملف. وبشكل عملي، وعلي خلاف ما كان ينص علي ذلك مشروع بيكر الثاني، فلن يكون هناك استفتاء يعد مرحلة انتقالية لتحديد الوضع النهائي للصحراء. صحيح قد يكون هناك استفتاء مسبق لقبول صيغة الحكم الذاتي، ولكن لا يمكن أن يتم بعد.ثانيا: اشكالات الحكم الذاتيمهما كانت نوعية الحكم الذاتي، فإن تدبيره لا يخلو من اشكالات قد تكون في قلب التفاوض في حالة الاتفاق علي المبدأ في حد ذاته. وهي تتطلب بالنسبة للدولة الأم وضع كوابح تحول دون استعمال الحكم الذاتي كمجرد ذريعة لتحقيق تطلعات استقلالية. وهي تدور حول ثلاث قضايا جوهرية: تتعلق الأولي بالحسم في السيادة وترتبط الثانية بتوزيع الاختصاصات وتتمثل الثالثة في كيفية تدبير موارد الاقليم نفسه.1 ـ اشكالية السيادةمن الواضح أنه في عالم اليوم المتسم بتعقد وتشعب الترابط والاعتماد المتبادل، فإن الحديث عن السيادة لا يعني ذلك المفهوم المطلق الذي كانت تتصف به في الماضي. فالدولة تواجه منذ سنوات منافسة عناصر أخري. وهي مدعوة إلي التكيف معها. لكن يبقي أن ما هو جوهري في السيادة هو وجود شخصية دولية وحيدة للدولة. بمعني أن التعبير السياسي عن هذه الشخصية لا يمكن أن يتم بواسطة كائنات اخري قد تتوفر عن نفس الخصائص المادية للدولة. ومن ثم، فإن السيادة في عالم اليوم يمكن ان تسمح للوحدات المتمتعة بالحكم الذاتي بالتعبير عن بعض خصائصها، لكن في ظل الاختيارات الرئيسة للدولة. فاليوم نلاحظ أن هناك بعض الاقاليم التي يمكن لها في اطار التعاون اللاممركز أن تتمتع بنوع من النشاط الخارجي، لكنه ينصبّ علي المجال السياسي الذي ينبغي ان يبقي من اختصاص سلطات الدولة. فقيام الوحدات ببعض الانشطة الخارجية لا يمس في شيء من سيادة الدولة. وربما كان الملك الراحل يشير إلي هذا المعني عندما اعتبر ان كل شيء قابل للتفاوض باستثناء العلم والطابع البريدي. فما هو أساسي في السيادة هو تمكين صاحبها من اكتساب حقوق والتزامات بمقتضي القانون الدولي. ففي الدولة وحدها تجتمع السيادة وما يسمي بالراهنية الدولية. فطالما ان كيانا ما لا يتوفر علي هذه الخاصية، لا يمكن اعتباره شخصا من اشخاص القانون الدولي، مهما كان حجم الصلاحيات التي يتمتع بها علي المستوي الخارجي. فبالنسبة لكثير من الفقهاء، فإن هذا المعيار هو الذي يسمح لنا بالتمييز بين شخص القانون الدولي واشخاص آخرين ينتمون بالاساس للقانون الداخلي.لذلك فما هو جوهوي في التفاوض حول نظام الحكم الذاتي بالنسبة للصحراء هو المحافظة علي المتطلبات التي تجعل المغرب يظل هو فقط المؤهل للتعبير الخارجي عن الشخصية الدولية في العلاقات مع محيطه الخارجي.وتتوضح هذه المسألة أكثر بربطها مع موضوع توزيع الاختصاصات.2 ـ توزيع الاختصاصات أو مبدأ الاحتياطيةفي قلب تجربة الحكم الذاتي هناك تخلي الدولة الام عن بعض صلاحياتها لصالح وحدة ترابية. وفي حالة الصحراء، فإن الامر يتعلق باختصاصات مهمة تمكن سكان المنطقة من تدبير شؤونها علي أسس ديمقراطية و ارتكازا علي القرب. في مثل هذه التشكيلة نجد أنفسنا أمام ثلاثة مستويات من الاختصاصات: المستوي الأول يغطي الاختصاصات الخالصة أو المانعة بالنسبة للدولة الام وتأتي في مقدمتها تلك المتعلقة بمظاهر السيادة كالدفاع والامن والسياسة الخارجية والشؤون الدينية وحفظ النظام العام الخ… أما المستوي الثاني فيعبر عن الاختصاصات الخاصة بالجماعة المتمتعة بالحكم الذاتي وهي تتمحور حول كل ما يتعلق بسياسة القرب التي هي من المتطلبات الجوهرية للحكم الذاتي كما هو الامر بالنسبة للادارة المحلية والتعليم والصحة والرياضة والفلاحة… وهناك مستوي ثالث معقد وهو المستوي المرتبط بالاختصاصات المقتسمة. فهذا المستوي غالبا ما يطرح مشكلة الاختصاص. وإعمال هذا المبدأ برز بشكل واضح مع التطور الذي عرفته المجموعة الاوروبية. فقد تضمنته المادة 3 من اتفاقية ماستريخت لتدبير الخلافات التي قد تقوم بين الدول التي تخلت عن بعض اختصاصاتها و المفوضية الاوربية التي تتولي عمليا تسيير الاتحاد ضمن الاختصاصات التي تخلت عنها الدول لصالحه. وفي الحالة التي تهمنا، إذا كان الحكم الذاتي ينبغي ان يعطي اختصاصات واسعة للجهة المتمتعة به، فإن ذلك لا ينبغي ان يتم في اطار الغموض لصالح الحكم المحلي. بل كل ما لم يسلم بشكل صريح إلي الحكم المحلي يبقي من اختصاص السلطة الام، لأننا سنكون امام وضع دقيق يتطلب نوعا من الحذر. فالاختصاصات التي تسلم إلي الحكم المحلي لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تؤول وكأنها يمكن ان تفضي إلي نوع من الاستقلال. فمبدأ الاحتياطية في النازلة التي أمامنا ينبغي ان يفسر دائما لصالح الدولة الام لأن الهدف منه هو تسهيل ايجاد حل نهائي لا ينبغي ان يمس بالوحدة الترابية للدولة.3 ـ تدبير الثرواتمن القضايا الاساسية التي تستأثر بالنقاش والتفاوض حول الحكم الذاتي هناك مسألة تدبير الثروات. ومن الواضح انه في اغلب الحالات تتطلع الجهة المتمتعة بالحكم الذاتي إلي تدبير ثرواتها. ولا ريب في أن كيفية استغلال و الاستفادة من الثروات الموجودة فوق الاقليم تبقي من القضايا الشائكة. وقد لاحظنا كيف ان خصوم المغرب في اوروبا حاولوا عرقلة اتفاقية الصيد الاخيرة، بدعوي ان المغرب ليس مؤهلا من حيث القانون الدولي للاستفادة من المداخيل الناتجة عن الصيد في المناطق الداخلة في الصحراء باعتبارها منطقة متنازعا عليها. فهنا ايضا لسنا امام سيناريوهات فجة. فسياسة القرب التي ترومها كل سياسة جهوية تقوم بالاساس علي تحقيق التنمية الاقتصادية و السماح للسكان بالتمتع بخيراتهم. ومن ثم، فإن التفاوض حول كيفية تمويل هذا النوع من الحكم، وتدبير الخيرات الموجودة فوق الاقليم ينبغي ان يتم التعامل معه من خلال مبدأين اساسيين وهما مبدأ التضامن ومبدأ توزيع الثروات. فالجهوية في جوهرها هي إنماء لمبدأ التضامن بين مختلف الوحدات الترابية. وهو المعطي الذي يعطي للدولة حيزا مهما من الاختصاصات فيما يتعلق بتمويل الحكم الذاتي وكذلك في تحديد التوجهات الرئيسة ارتكازا علي السيادة الاقتصادية التي تبقي من خصائص الدولة. لكن هناك أيضا مبدأ توزيع الثروات. وهو الذي يتطلب في اطار سياسة القرب السماح للجماعة بالتصرف في ثرواتها وباستعمالها لصالح ساكنتها. ومن الواضح أنه في كثير من الاتفاقيات المتعلقة بالحكم الذاتي، فإن مسألة توزيع الثروات تعتبر من القضايا التي كانت موضع تفاوض وهي في غالب الاحيان يتم تذويبها إذا كان المبتغي الاساس هو تحقيق التنمية المستدامة لسكان الاقليم المتمتع بالحكم الذاتي في تمفصلاته مع اقتصاد الدولة الام ومع محيطه الاقليمي. خلاصاتالكيفية التي عالجت بها الجماعة الدولية الحالات التي اسلفنا ذكرها تبين بشكل واضح انه في وضع يتميز بالتعقد وبالتضارب بين مبادئ وحقائق، يبقي من الضروري السهر علي احترام الوحدة الترابية للدولة لما يمثله ذلك من ضمان لاستقرار العلاقات وتجنيب الشعوب مخاطر انزلاقات التجزئة والتشرذم.في هذا السياق فإن خيار الحكم الذاتي الذي ينتظر المنتظم الدولي محتواه التفصيلي يشكل فرصة ثمينة لإقرار السلم بشكل نهائي في المنطقة. فقبوله من حيث المبدأ يمكن أن يشكل اطارا ملائما لتجاوز الوضعية الحالية التي لا تخدم مصالح شعوب المنطقة.انه خيار قد يشكل بالنسبة للمغرب الانخراط في مقاربة جديدة للقضية الوطنية، فالمقترحات التي ستتبلور تنخرط ضمن مسلسل الاستشارة الواسع الذي أقره الملك مع الاحزاب والذي كان من حلقاته البارزة اعادة تفعيل المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية. فهو لا يلغي الاخر ويفضل الديمقراطية كأسلوب للتدبير، كما انه ينفتح علي المستقبل من خلال مد اليد إلي الاطراف الاخري للتفاعل معه بشكل ايجابي. في نفس السياق، وفي حالة قبـــول كــافة الاطراف بالانخراط ضمن صيرورته، فمن المؤكد ان ذلك يتطلب وقتا وإرادة صادقة للتطبيق لا سيما في المرحلة الانتقالية.لكن ورغم وجاهة الخيار المغربي واتساع ارادته لإيجاد حل نهائي للقضية، فهو يطرح سؤالين اساسيين: أولهما كيف سيتعامل معه مجلس الامن الذي نعرف جيدا طبيعة تركيبته؟ وثانيهما في حالة رفضه من طرف خصوم الوحدة الترابية إلي أين ستؤول الامور؟ من البديهي التذكير ان هذا المقترح لا يمكن ان يطبق بشكل انفرادي. ففي حالة رفضه من طرف الخصوم، فإن معني ذلك أن الملف سيدخل في متاهات جديدة. لكن بالنسبة لبلدنا من المهم أن نحتفظ بالمبادرة الدبلوماسية ونظل ايجابيين في اقتراح كل ما يساعد علي إقرار حل نهائي يكرس بشكل لا رجعة فيه مغربية الصحراء ويفتح آفاقا واسعة نحو تشييد المغرب العربي الذي يبقي حيويا بالنسبة لمستقبل المنطقة.ہ مداخلة قدمت للندوة الدولية التي نظمتها الجمعية المغربية للقانون الدستوري يومي 24 و25 اذار (مارس) 2006 في موضوع: الرهانات الدستورية والسياسة الجهوية: الآفاق المغربية والتجارب الأجنبية. ہ باحث وأكاديمي مغربي7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية