فراس ابو هلالأثارت تصريحات القيادي الإخواني عصام العريان حول عودة اليهود المصريين إلى بلادهم موجة لم تتوقف بعد من الردود والشروح والتفسيرات. ومع أن مجموع ما قاله العريان حول الموضوع هو مجرد كلمات في إشارة عابرة أثناء أحد البرامج التلفزيونية، ومع أنه جاء في إطار الحديث عن حقوق المصريين من غير المسلمين في الدستور الجديد، إلا أن هذه التصريحات وضعت في سياقات أكثر اتساعا، واتخذت الردود عليها مسارات متعددة: قضائية وسياسية وأيدولوجية.والحقيقة التي لابد أن تذكر ابتداء هي أن اليهود العرب عاشوا في بلادهم معززين مكرمين منذ نشوء الدولة الإسلامية العربية، ولم يعانوا ما تعرض له اليهود في أوروبا من تنكيل وتمييز واضطهاد، ولولا المشروع الاستعماري الصهيوني الذي أنتج دولة الاحتلال ‘الإسرائيلي’ لاستمر اليهود العرب بالعيش في بلادهم كما عاش أجدادهم من قبل. ولذلك، فإن حق اليهود العرب بالعودة إلى بلادهم من ناحية المبدأ ليس أمرا غريبا على الحضارة العربية الإسلامية، ولكن الغريب هو السياقات التي طرحت فيها دعوة الدكتور عصام العريان، والأخطاء القاتلة التي رافقت هذه الدعوة وتركتها في مهب الردود والانتقادات، وأحيانا: المزايدات!.إن الخطأ الأول الذي ارتكبه العريان هو الحديث في موضوع شائك مركب بهذه الطريقة المليئة بالتبسيط، إذ اكتفى بكلمات بسيطة عن حقوق المواطنة الكاملة للمسيحيين واليهود المصريين، مستدركا بالقول أنه يتمنى لو يعود يهود مصر ‘الإسرائيليين’ إلى بلادهم، وهو استدراك يمكن قبوله عند الحديث في موضوع سياسي بسيط، ولكنه مرفوض تماما عندما يتعلق الأمر بعلاقة مصر والعرب مع دولة الاحتلال. لقد كان يفترض بالدكتور العريان أن يسهب في شرح فكرته حتى تصل كاملة غير مجزوءة، بحيث لا تترك هذه التصريحات فريسة للتفسيرات الخاطئة والصحيحة والمتصيدة على حد سواء.فما هي رؤية العريان المتكاملة حول هذه العودة؟ وما هو مصير جنسية هؤلاء العائدين الإسرائيلية؟ وما هي الضوابط التي تضمن من خلالها مصر أمنها من هؤلاء القوم؟ ومن هي الفئات المعنية بالعودة إلى مصر؟ وإلى أين ستعود؟ وما هي طريقة التعامل القانونية مع ما تركوا من ممتلكات في مصر؟…. كل هذه التساؤلات والعشرات من الأسئلة الأخرى تطل برأسها حينما يتم الحديث في قضية سياسية- أمنية ـ اقتصادية مركبة، وهو ما افتقرت إليه تصريحات العريان، وجعلها محلا للتشكيك والأخذ والرد.صحيح أن الموضوع يقع في إطار الافتراضات البعيدة عن الواقع، ولكن طرحها إما أن يكون متكاملا، أو لا يكون من الأصل.أما الخطأ الثاني والأكثر سوءا في تصريحات العريان، فهو ذلك المتعلق بقوله أن يهود مصر طردوا من قبل عبد الناصر، وهو قول يضع العريان ـ دون أن يدري- في خانة تأييد الرواية الصهيونية لهجرة اليهود العرب إلى دولة الاحتلال، وهو موضوع شائك ومحل نقاش كبير، بين الرواية الصهيونية التي تدعي أن اليهود قد هجروا من بلادهم بالقوة، وبين الرواية العربية التي تقول أن اليهود لم يجبروا على الهجرة، بل إن الحركة الصهيونية هي من دفعتهم للخروج من بلادهم العربية من خلال الوعود البراقة بأرض السمن والعسل تارة، ومن خلال التآمر مع قيادات عربية مرتبطة بالاستعمار تارة أخرى، ومن خلال افتعال هجمات مدبرة ضد اليهود لدفعهم للهجرة إلى فلسطين المحتلة، حيث كان اليهود العرب مادة أساسية في بناء دولة الاحتلال على أنقاض المدن والقرى العربية المدمرة.لقد كان مؤسفا جدا أن ينزلق العريان في هذا المنزلق، ربما بحسن نية، أو ربما مدفوعا بإرث الخلاف التاريخي بين الإخوان وعبد الناصر، وهو أمر غير مبرر. فمهما تكن انتقاداتنا لتاريخ عبد الناصر، فإن هذا يجب أن لا ينعكس على القضايا القومية والوطنية التي توحد العرب جميعا ضد عدوهم المشترك متمثلا بدولة الاحتلال.وتزداد خطورة هذا الخطأ الذي وقع فيه الدكتور عصام العريان، مع متابعتنا للجهد الصهيوني المحموم، الذي تدعمه وزارة الخارحية ‘ الإسرائيلية ‘ بإثارة قضية ما يسمى بحقوق ‘ اللاجئ’ اليهودي، وهي قضية تسعى ‘إسرائيل’ من خلالها تحقيق مكاسب قانونية ومالية من خلال الزعم بأن حقوق ‘اللاجئين’ اليهود الذين أخرجوا من الدول العربية بالقوة ـ حسب رؤية الصهيونية – يجب أن تحل بشكل متواز مع أي تعويض يتلقاه اللاجئون الفلسطينيون. أما الخطأ الثالث الذي ارتكبه العريان في تصريحاته، فهو مرتبط بما سببه من عاصفة من الردود والاتهامات والمزايدات الموجهة للإخوان، الذين أصبحوا بعد هذه التصريحات مطالبين بالرد على كل التصريحات المضادة، ما كان منها محقا ووطنيا وحريصا، أو ما كان مزايدا متربصا مصطادا بالمياه العكرة. لقد وضع العريان نفسه وجماعته بل وحتى الرئيس مرسي في موضع صعب، وهو ما يدعو للتساؤل عن وقوع قائد سياسي صاحب خبرة طويلة في مثل هذا المطب، وخصوصا في هذه الفترة التي تعيش فيها مصر وضعا غير مسبوق من الاستقطاب والتشكيك والخصومة السياسية التي تتجاوز كل السقوف.وبعيدا عن المزاودين والمشككين، فإن من حق المصريين الوطنيين والعرب جميعا، على جـــماعة الإخوان وعلى الدكتور عصام العريان، أن يقوموا بتوضيح هذه التصريحات المثيرة، لا تبريرها!. ولن يكون هذا التوضيح شافيا، إلا من خلال التقدم بأطروحة شاملة لرؤية الإخوان حول موضوع عودة اليهود العرب إلى بلادهم الأصلية، تجيب على كل الأسئلة المتعلقة بالرواية التاريخية، وبالجوانب المستقبلية بكافة تفرعاتها: أمنيا وسياسيا واقتصاديا وقانونيا.’ كاتب فلسطينيqmdqpt