حول رحيل شيخ المؤرخين العرب الدكتور عبد العزيز الدوري: سعى لتشكيل مدرسة عربية لدراسة التاريخ تؤسس لوعي نقدي جديد

حجم الخط
0

سيف الدين الدوري ولد الدكتور عبد العزيز الدوري عام 1919 في قرية الدور (قضاء حاليا) 150 كم شمال بغداد بين سامراء وتكريت. وفي السنة الخامسة من عمره درس القرآن على يد الملا علي محمد ربيع، ثم انتقل الى بغداد للدراسة فيها. وبعد انهائه الدراسة الثانوية التحق بمدرسة الدراسات الشرقية والافريقية في لندن، وتخرج فيها حائزا شهادة البكالوريوس بمرتبة الشرف.

وفي سنة 1940 نال شهادة الدكتوراه نظرا لما عرف عنه من تميز ونبوغ في البحث.

عاد الدوري الى بغداد وعين أستاذا في التاريخ الاسلامي في دار المعلمين العليا 1943- 1948، وفي هذه الاثناء عهد اليه بتأسيس كلية الآداب والعلوم في بغداد وتولى عمادتها للفترة 1949- 1958 وكانت هذه الكلية نواة لجامعة بغداد التي اصبح الدوري فيها استاذا للتاريخ الاسلامي.

وفي عام 1963 اختير الدوري رئيسا لجامعة بغداد واستمر في هذا المنصب حتى انقلاب 17 تموز(يوليو) 1968 حيث استقال وسافر الى لبنان ومنها الى الاردن التي ظل مقيما فيها حتى وفاته حيث عمل استاذا في قسم التاريخ في الجامعة الاردنية، وكان عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية ـ مؤسسة آل البيت – وعضو المستشرقين الالمان. كما انه زائر في الجامعة الامريكية في بيروت، وقد نال درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة ‘مارتن لوثر’ الالمانية، كما حاز عضوية عدد من أشهر المؤسسات العلمية في العالم العربي. مؤلفات الدوري * العصر العباسي الأول ـ بغداد 1945 * دراسات في العصور العباسية المتأخرة ـ بغداد 1945 * تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري ـ بغداد 1948 * مقدمة في تاريخ صدور الاسلام ـ بغداد 1949 * النظم الاسلامية ـ بغداد 1950 * موجز تاريخ الحضارة العربية (بالاشتراك مع الاستاذ ناجي معروف) بغداد 1952 .* نشأة علم التاريخ عند العرب ـ بيروت 1960 * الجذور التاريخية للقومية العربية ـ بيروت 1960 * الجذور التاريخية للشعوبية ـ بيروت 1962 * مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ـ بيروت 1969 * التكوين التاريخي للامة العربية ـ بيروت 1984 وقد ترجمت بعض كتبه الى اللغة الانكليزية ومنها نشأة علم التاريخ عند العرب والتكوين التاريخي للامة العربية.

يعتبر الدكتور عبد العزيز الدوري، واحدا من أبرز المفكرين العرب الذين درسوا التاريخ وأعادوا كتابته، وعمل على ابراز معالم الحضارة العربية الاسلامية، وما حققته من تقدم جلب لابنائها الخير والسعادة، وللانسانية التقدم والازدهار. فهو يمثل مسيرة طويلة مع التاريخ والكتابة في التاريخ، باعتباره عاملا مهما في توضيح الهوية، وفي تحديد واقعها ومعتبرا اياها قضية أساسية بالنسبة للامة العربيةوالدكتور الدوري أول مؤرخ تناول التاريخ العربي من حيث كونه فكرة ومن حيث هو تاريخ اقتصادي، ثم دراسته للتنظيمات، في محاولة للوقوف على شخصية الامة، ثم دراسة الصيغة التي تعاملت بها الامة العربية عبر التاريخ مع الازمات التي واجهتها، وشكل تحاورها مع الآخرين، فهو يؤمن بضرورة اتخاذ النظرة الشاملة في دراسة التاريخ، بل انه دعا الى ذلك منذ زمن بعيد، وقد أكد ذلك في كتابه ‘مقدمة في تاريخ صدر الاسلام’ وكتاب ‘دراسات في العصور العباسية المتأخرة’ حاول فيهما أن يضع نوعا من النظرة الشاملة، على أن يبدأ من الجزيئات، وبعد دراستها ينتقل الى النظرة الشاملة.

يرى الدكتور الدوري أن النظرة الشاملة تتطلب الالتفات الى النواحي الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية، باعتبارها من واقع الحياة. ففي بداية حياته العملية والعلمية نشر الدوري كتابين متكاملين عن تاريخ العراق في العصر العباسي، الحقهما بثالث عن النظم الاسلامية، كانت وما تزال من الكتب المميزة، اذ توضحت في تلك الحقبة توجهاته العامة في تقدير اسهامات العرب في الحضارة الانسانية، وهي مزيج بين قومية عربية معتدلة وعناية خاصة بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية، كما يقول عنه الدكتور صالح احمد العلي الرئيس الاسبق للمجمع العلمي العراقي في بحث له عن الدكتور الدوري في مجلة ‘الجديد’ الفصلية وذلك في صيف 1997. وللدوري مشروع في مراحل الانجاز حول كتابة تاريخ الامة العربية يرسم فيه الخطوط الاساسية لهذا التاريخ وتطوراته حيث يعكس فهمه لهذا التاريخ. فالعرب الذين لهم هذا العمر الزمني من التاريخ الممتلىء بدور حضاري متميز، يقول الدوري، ‘لا بد أن يكونوا قد تركوا بصماتهم على التاريخ فكرة وموضــوعا’ فقد كانت اهتمامات الدوري قد انصبت في السنوات الاخيرة على دراسة الابعاد الفكرية والثقافية والحضارية للتاريخ العربي الاسلامي. فقد اقترح الدوري من خلالها مشروعا جديدا لتقسيم مراحل التاريخ العربي الاسلامي قديمه وحديثه ومعاصره، من خلال رغبة علمية لإعادة كتابة التاريخ.

فالمفهوم التقليدي للتاريخ كما يراه الدكتور عبد العزيز الدوري هو سجل فعاليات البشر ونشاطهم وحياتهم في مختلف نواحيها في الماضي. أما المفهوم الحالي، فهو كما يقول الدوري ‘ان هناك تاريخا قبل استعمال الكتابة يعود الى الآثار والبقايا التي خلفها الانسان.’تاريـــخ التاريـــخحاول الدكتور عبد العزيز الدوري إرساء أسس مدرسة عربية في دراسة تاريخ التاريخ على الأقل عند الأمة العربية، ثم الاتجاه بعد ذلك الى دراسة تاريخ العرب، وهو من وجهة نظره، سلسلة من حلقات متتابعة أو مجرى متصل يؤدي بعضه الى بعض، فالدراسات التاريخية عند الدوري لا تنطلق من مقولة ‘التاريخ للتاريخ’ وانما ‘التاريخ للامة يعزز وعيها لذاتها ويعمقه ويكشف لها هويتها ويسهم في فهمها لمسيرتها التي مضت’. يقول الدكتور الدوري ‘أن تاريخ التاريخ هو دراسة أحوال المؤرخين أو الرواة الذين دونوا لنا التاريخ. من حيث ما هي ميولهم؟ ما هي ثقافتهم؟ ما انتماءاتهم؟ وما مدى دقتهم؟ وما هي مصادر معلوماتهم؟ أي كل ما يتحرى مقدار الدقة بما يروون. ويرى الدكتور الدوري أنه من دون هذه العملية أي من دون تفحص وضع المؤرخين الذين كتبوا أو رووا لنا الأحداث من هذه النواحي كلها، لا نستطيع أن نكتب التاريخ.

ويؤكد الدوري أن هناك عوامل كثيرة تؤثر في كتابة التاريخ. ومن الممكن هنا كما يقول الدوري أن نتحدث عن الميول والانتماءات والجهة التي ينتمي اليها المؤرخ أو يقف معها. فالذي يكتب عن الأحداث في زمن الخلفاء الراشدين وهو مقيم في الكوفة مهما حاول فان كتابته ستختلف عن كتابة الآخر المقيم في المدينة المنورة. فموقع المؤرخ وميوله وانتماءاته ومدى فهمه واستيعابه للاحداث عوامل مؤثرة وبعضها سلبي.

ويرى الدكتور عبد العزيز الدوري في التاريخ أنه من الحقول التي اتخذت اداة في تكوين الوعي، كما كان عاملا اساسا في كتاباتنا وفي تفسير الماضي، وهناك من يشتغل في التاريخ لاغراض سياسية أو اقليمية أو طائفية، وقد تجده يشتغل لاغراض قبلية، فقد اصبح التاريخ اداة لمثل هذا الضرب من الصراعات الفكرية والسياسية حيث يختار البعض ما يناسبه ويوجهه في الاتجاه الذي يريد ترويجا لفكرة أو إثارة لمشكلات وقضايا. وان توظيف التاريخ ليس هو التاريخ.

ويضيف الدوري ‘هناك من يريد إعادة كتابة التاريخ ليصوغه على وفق فكرة أو أفكار مسبقة يريد الترويج لفترة بذاتها أو لاتجاه سياسي بعينه، وهناك من يريد إعادة كتابة التاريخ على أساس أن التاريخ تعرض لكثير من الأهواء والنزعات سواء نزعات داخلية أو نزعات ناشئة عن مؤثرات خارجية.

علـم التاريــــخيقول الدكتور عبد العزيز الدوري أن للعلم قوانين تنطلق من الثوابت ويعتمد على التجارب التي يمكن تكرارها باستمرار، وهذا ما لا يكون في التاريخ ومع التاريخ، فالتاريخ لا ينطلق من الثوابت، وانما ينطلق من المتغيرات، لأن أعمال الناس وتفكيرهم وحركتهم لا تخضع لقوانين محددة. والدوري يقول ‘أن هذا لا يعني أن التاريخ متسيب، فللتاريخ ضوابط منهجية يجب أن يؤخذ بها، فاذا لم يؤخذ بها لا تكون الكتابة، كتابة التاريخ، موضوعية أو دقيقة، أي أن هناك شيئاً اسمه – منهج البحث التاريخي- وله عناصر ثلاثة: الأول هو الذي ينطلق منه الكاتب، أي المنطلق الفكري. والثاني هو تقييم المصادر التي تقدم المادة التاريخية وتحليلها ونقدها. والعنصر الثالث هو اسلوب الكتابة التاريخية أو – منهج البحث التاريخي – أي وجود منهجية لها ضوابط هو ما نقصده عندما نقول أن التاريخ علم. ويضيف الدوري ‘أن علم التاريخ عند العرب كان وما يزال جزءا من التطور الثقافي العام لهذه الأمة من جانب، وللامم المتجاورة معها من جانب آخر.

التــاريــخ الاســلامــي عن ظهور الاسلام ونجاح دعوته وما أحدثه من تغيير شامل في حياة العرب والمسلمين يقول الدكتور عبد العزيز الدوري ‘بدأت نظرة جديدة للماضي وللتاريخ جسدها القرآن الكريم، باعتباره دستور الاسلام ومصدر اليقين العقيدي والعلمي والتاريخي، حتى جسد النص المقدس للمسلمين فكرة العودة الى أصل الخليقة وبدء الحياة، وكذلك فكرة التواصل بين النبوّات والرسالات السماوية، وفكرة تواليها وتكاملها بما يكشف عن خصوصية عربية لا نجدها عند أمة أخرى، وكذلك العودة الى الحساب القمري الذي هو تراث عربي عريق وجعله الأصل للتاريخ الاسلامي رسميا أيام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) الى ما شاء الله. لقد شكلت المرحلة الاسلامية في التاريخ العربي كما يقول الدوري ذروة شامخة عبرّت عن نفسها بذلك التناغم الرائع بين الوجود الميتافيزيقي والكون المادي الطبيعي الجغرافي واللغة العربية والوعي الانساني الجديد، الذي شع على البشرية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا كما يقول الدكتور علي حسين الجابري في بحث له عن الدكتور الدوري نشرته ايضا مجلة ‘الجديد’ الفصلية في صيف 1997، اذ يقول الجابري: ‘فقد وجدنا الدوري في تفسيره لخفايا التاريخ العربي وصيرورته يلامس فلسفة التاريخ ويغنيها، فقد لاحظ ان فلسفة التاريخ العربية الاسلامية توقفت مع حركة التاريخ بسقوط بغداد في الشرق وسقوط الاندلس في الغرب بنهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وما رافق ذلك من ركود فكري طبع الحياة العربية بطابع السكون واللافاعلية بسبب غياب قانون الفعل الحضاري العربي الجامع لثمار الوعي والطبيعة والمجتمع. وبسبب الهيمنة الاجنبية’. ويضيف الجابري’لكن الدوري يرى أن الحياة عادت من جديد في عصر اليقظة أولا ثم عصر النهضة ثانيا بفضل اتصال العرب بالفكر الحديث وتفاسيره التاريخية ولتحدياته، الا أن الدوري يقول إننا لم نتحرر بعد من التفسيرات الغربية الوافدة. لذلك فهو ـ أي الدوري – يدعو الى الابتعاد عن التفسيرات الغربية للتاريخ العربي وضرورة تحاشيها لمفارقتها للواقع العربي التاريخي، ولكونها تنتمي الى سياقات تاريخية خاصة بأممها. فلا يجوز تطبيق هذه التفسيرات على التاريخ العربي إلا لمن شاء أن يفسر تاريخنا لكي يتماشى معها وهو أمر مرفوض علميا’. ويقول الجابري (المصدر نفسه) ‘الا أن الدوري في رفضه لهذه التفسيرات لا يلغي صلاحيتها لسياقاتها التاريخية أو يشكك بمصداقية المفكرين الذين قالوا بها ليقول لنا أن في تاريخنا حاجة الى تفسير من داخله لا ينغلق على المنظور الشمولي للتاريخ، لكنه في الوقت نفسه لا يضحي بالخصوصية التاريخية والحضارة العربية’. كتــابـــــة التاريـــــــخ يقول الدكتور عبد العزيز الدوري ‘أن تاريخنا لم يكتب، بل ان أقساما منه كتبت وأقساما أخرى لم تكتب، رغم اننا لم نبدأ الا مؤخرا بالكتابة التاريخية، على وفق منهج حديث، واننا نريد كتابة التاريخ لأنه من حق كل جيل أن ينظر الى تاريخه، ويحاول كتابته بالشكل الذي يستطيع أن يعبّر عن فهمه للتاريخ. ولن يكون لنا فهم لتاريخنا إلا إذا استطعنا دراسته بصورة شاملة ومتكاملة، وهذا لم يحصل حتى الآن، رغم أن في التاريخ نواحي اتصال واستمرار لا تنقطع ونحن أحيانا ندرس التاريخ بشكل مجزأ دون أن ننتبه الى هذا الاستمرار’. ويضيف الدوري في بحثه في مجلة ‘المستقبل العربي’ الصادرة في بيروت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، (ص 24 ) ‘أن الرجوع الى الناحية التاريخية يراد به البحث عن الحاضر في الماضي لفهم الحاضر من الماضي’، فالتاريخ عند الدوري هو إنجاز إنساني لا يخضع لقوانين الضرورة الطبيعية وهو الذي تتضافر فيه جملة عوامل تجعل حركته صاعدة هابطة.

فلسـفة التاريـــــــخإن الآراء الفلسفية للدكتور عبد العزيز الدوري تجسدت في مؤلفاته الأولى منذ ما يقارب النصف قرن وما تلاها لا سيما تفسير التاريخ الذي بحث فيه نشأة علم التاريخ عند العرب الصادر في بيروت عام 1960. وكان الدوري في مقدمة المؤرخين والعلماء الذين ساهموا في رسم ملامح ومقدمات فلسفة التاريخ، منهم طه باقر وفيصل السامر وصالح أحمد العلي وجواد علي وآخرون. يقول عنه الدكتور علي حسين الجابري ـ المصدر نفسه – ‘اذا كانت الموضوعية والشمولية والتنبؤ هي سمات فلسفة التاريخ عامة فان الدكتور الدوري قد أدرك أهمية هذه الشروط التاريخية والجغرافية والبشرية في صياغة الحدث التاريخي، وهو يتتبع مسار الحقيقة التاريخية الجزئية التي هي نتاج العالم مقدمة الى فيلسوف التاريخ وهو يتتبع مسار الحقيقة التاريخية المعبرة عن المعرفة التاريخية لعصر من العصور ولمجتمع من المجتمعات’. ويضيف الجابري’ وبهذا يشترك الدوري المؤرخ والعالم والفيلسوف في صياغة النظرية التاريخية وإرساء دعائم الوعي النقدي للمفكر الذي يستكمل الخطوات في أفق أوسع وأرحب’. ويرى الدكتور عبد العزيز الدوري في كتابه ‘التكوين التاريخي’ أن الحاجة الى فلسفة للتاريخ هي حصيلة رباعية من الرؤية النقدية وتاريخ التاريخ والصيرورة التاريخية للمجتمع العربي والمنطقية التاريخية، تكون أساساً لقيام فلسفة عربية لتاريخ يكتب ذلك الاطار بلغة فلسفية دقيقة وبذلك تتوفر لنا فرضاياتنا الفلسفية والعلمية المشتقة من هذا التاريخ والتي تتمحور حول ثوابت حضارية وتاريخية لا يمكن تجاوزها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية