حول ردود الفعل الإسرائيلية علي فوز حماس

حجم الخط
0

حول ردود الفعل الإسرائيلية علي فوز حماس

أنطوان شلحتحول ردود الفعل الإسرائيلية علي فوز حماس فور الاستفاقة من الصدمة تمثّل رد الفعل الإسرائيلي الأولي علي نتائج انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، التي جرت في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2006 وأسفرت عن فوز حركة حماس بأكثرية مقاعد المجلس، في ندب حظّ المفاوضات العاثر، من جهة وفي التلويح بالعودة إلي وضعية انعدام الشريك ، من جهة أخري، وذلك في تجاهل تام مقصود لحقيقة أن تلك المفاوضات ما برحت في هذه الوضعية ولم تغادرها البتة، بقرار إسرائيلي محض، منذ أن جري صكّ هذا المصطلح بعد قمة كامب ديفيد في صيف 2000، من طرف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، الذي سلّم قيادة الدفّة علي طبق من ذهب إلي أرييل شارون.ووفق ما توضحه المقالات والتعليقات المتعددة، المضمومة في هذا العدد من أوراق إسرائيلية (ہہ)، فقد اجتهد قباطنة السياسة والأمن والجيش في إسرائيل في شرح الاتجاهات السياسية المتوقع لها أن تتعزّز، في ضوء نتائج الانتخابات السالفة، فضلاً عن الإجراءات العسكرية والاقتصادية وغيرها. مهما تكن هذه الاتجاهات فإن هناك تشديدا خاصا علي اثنين منها: الأول اتجاه الجمود في المفاوضات، والثاني اتجاه الخطوات الأحادية الجانب.وبطبيعة الحال ثمة جرعات كبيرة من المزاعم التي لا تمتّ بصلة إلي الواقع، في الكثير من الوقائع التي يعرضها بعض الكتّاب والمعلقين الإسرائيليين باعتبارها حقائق لا ينتطح حول صدقيتها عنزان ، كما يقول مثلنا العربي. وقد لا يحتاج القارئ إلي جهد خارق من أجل تخليص الحقائق الأصلية من نير المزاعم الأساسية، وبالتالي تحديد الفيصل بين الحقائق وتلك المزاعم في سبيل تشييد تفسير متجدّد للحقائق.من ذلك مثلاًُ، وعطفًا علي ما تقدّم، ما يمكن أن ينطبق علي موضوعي جمود المفاوضات والخطوات الأحادية الجانب. وهما، بالذات، اتجاهان مكرّسان أصلاً في الممارسة السياسية الإسرائيلية قبل الانتخابات الفلسطينية بكثير، وبقيا علي هذا النحو حتي بعد الرحيل المأساوي للرئيس ياسر عرفات وتوهّم البعض أن يأخذ معه الذريعة المناوبة لمقولة انعدام الشريك إيّاها.مع هذا فقد انطوت القراءات الإسرائيلية لنتائج الانتخابات الفلسطينية علي أمور أخري ينبغي الوقوف عندها:لعلّ الأمر الأول، الذي يطفو علي السطح، هو ذلك الاندهاش، المفرط في غيبيته واستفظاعه، من جرّاء فشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي ترتسم في عمق الذهنية السائدة بكونها أجهزة تقدير لا تغيب عنها شاردة ولا واردة، في التنبؤ بـ الانقلاب الكبير الذي أسفرت عنه تلك الانتخابات، إلي درجة شبّه فيها البعض ذلك الفشل بقصور تلك الأجهزة أو تقصيرها إبان حرب يوم الغفران في تشرين الاول (أكتوبر) 1973. وقد ذهبت مجموعة من الكتّاب إلي أن خطورة هذا الأمر ناجمة أكثر شيء عما يثيره ذلك القصور من تداعيات ليس أبسطها الريبية بالنسبة للتقديرات الاستخبارية المتعلقة بمواضيع أكثر بعدا وأشد تعقيدا، مثل ماهية الترسانة النووية الإيرانية. بينما قالت مجموعة أخري إن الدولة التي تري إلي كل شيء فقط عبر فوهة البندقية، كما إسرائيل، هي التي تضع تقارير أجهزة استخباراتها في مصاف التقديرات الوطنية ، التي تبني عليها بروج السياسة وبرامجها.وقد صدق أستاذ الإعلام يورام بيري الذي أكد أنه حان الوقت للتحرّر من المفهوم القائل إنه إذا كانت لدينا استخبارات جيدة، ففي مقدورنا أن نتغلب علي كل المشاكل الخارجية والأمنية . وخلص إلي أنه بدل أن نربّي الوهم/ الخداع الذاتي بأنه ينبغي أن تكون لنا استخبارات أفضل في سبيل التنبؤ بما يحصل لدي جيراننا، من المفضل أن نتبني سياسة جيدة من أجل أن تؤثر علي ما يحدث هناك.هنا يثور السؤال الصميمي، غير المرتبط أساسًا بفوز حماس أو عدمه: إلي أي مدي ترغب إسرائيل في أن تؤثر علي ما يحدث هناك لمصلحة التسوية السلمية، في منأي عن مصالحها السياسية الضيّقة؟ وهذا هو الأمر الثاني الذي لا بدّ من الوقوف عنده في هذه القراءات.يؤكد عامي إيلون، رئيس الشاباك الأسبق وأحد قادة حزب العمل حاليًا، أن الغاية الإستراتيجية المركزية لدولة إسرائيل لم تتغيّر بالرغم عن كل شيء (ويقصد بالرغم عن نتائج الانتخابات). وهذه الغاية هي، بحرفية قوله نريد الانفصال عن الفلسطينيين نحو واقع الدولة اليهودية ـ الديمقراطية ، وأوشك أن يستطرد بصورة أحادية الجانب أو خلافها، لا يهم .وهناك أكثر من سبب للاعتقاد بأن هذه الغاية هي في صلب الإجماع الإسرائيلي الصهيوني، حتي من قبل أن تظهر نتائج الانتخابات الفلسطينية. ويكاد هذا الإجماع يشكل أسّ البرامج الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية الكبيرة كافتها، المنطلق من القناعة بوجوب الانفصال ديمغرافيًا عن الفلسطينيين دون الحاجة إلي تحقيق حلّ عادل ودائم، أي دون الحاجة إلي الانسحاب إلي حدود العام 1967 ودون حق العودة ودون القدس. حتي يساريو حزب ميرتس ـ ياحد هم ضمن من يشملهم هذا الإجماع، حسبما يشفّ عن ذلك مقال رئيس الحزب، يوسي بيلين، المنشور هنا وكذلك برنامج الحزب الانتخابي.ومن نافل القول إن هذا الإجماع لا يأخذ في حسبانه قضية الشريك. ولنفترض جدلاً أنه يأخذها في اعتباره فمن هو هذا الشريك، الذي علي استعداد لتحمل قسط في تسوية علي هذه الشاكلة؟إذا بقينا في إطار الانتخابات الإسرائيلية، التي ستجري في 28 آذار (مارس) 2006، فمن المحتم أن نتطرق إلي أمر ثالث ليس أقل أهمية، تنمّ عنه هذه القراءات.إن غالبية ردود الفعل الإسرائيلية الرسمية علي فوز حماس تبدو متأثرة من مناخ الحملة الانتخابية التي تقودها مختلف الأحزاب، بناء علي أحداث السنوات الأخيرة ومستجدات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالأخص خطة الانفصال وما حملته من دلالات سياسية وحزبية. وفي ضوء ذلك يتوقع البعض أنه مع انقشاع غبار المعركة الانتخابية قد تخفّ كثيرا حدّة التصريحات الرسمية لتحلّ محلها دبلوماسية أخري، ربما تكون مغايرة بعض الشيء. ويسند هذا البعض توقّعه، ضمن أشياء أخري، بـ حرص قادة حماس علي التموضع في الوسط سياسيا ، كما أظهرت تصريحاتهم غداة الفوز، وكذلك بـ اضطرار حماس (آجلاً أم عاجلاً) إلي أن تأخذ في الحسبان موقف الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، لمجرّد كونهم يضخّون الأموال إلي السلطة الفلسطينية .جوهر ما يقوله هؤلاء هو أن صعود حماس قد ينطوي علي منفعة ما لإسرائيل، لكن يستحيل أو الأصح من السابق لأوانه تقييم أبعاد هذه المنفعة قبل انتهاء الانتخابات الإسرائيلية.بيد أن المنفعة التي قد تعود علي إسرائيل، ترتبا علي صعود حماس ، لا تبدو في بعض هذه القراءات منحصرة في الجانب السياسي الداخلي أو الثنائي الصرف، بل تتعدي ذلك إلي ما يتعلق بصورة إسرائيل وسياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية.وبمثل ما نظّر البعض علي هامش الصراع الأخير حول الكاريكاتير، لناحية إبراز دور إسرائيل الحضاري في الشرق المتخلف وفوائد هذا الدور بالنسبة لأوروبا والغرب عموما، يري كاتب ما أن الأصولية الإسلامية لا تخيف الإسرائيليين وحدهم فقط. وعلي هذا الأساس فإن فوز حماس هو برأيه فرصة مناسبة لتعزيز الائتلاف ضد المشروع النووي الإيراني، وهو كذلك فرصة مناسبة لاستكمال بناء الجدار الفاصل. فالضغط الدولي لن يقف في طريقنا بشأن هذا الموضوع. كما أن التأييد الدولي سيزداد أكثر في حال رسمنا الحدود وصفينا الاحتلال ، علي ما يؤكد هذا الكاتب.ويضيف: الاحتلال لم يفسدنا فقط، وإنما جعلنا معزولين أيضا. حتي الآن كان سهلاً (بالأساس من جهة الأوروبيين) رؤية الفلسطينيين ضحايا الاحتلال بوصفهم مندوبي الحرية وحقوق الإنسان. وحماس أوضحت أن هذه حركة تحرّر من صنف آخر تماما. لكن الجانب الآخر من العملة أننا سنكف عن كوننا شعبا محتلاً وقامعا. وسنجد أنفسنا عندها متحالفين بارتياح مع العالم الديمقراطي، ونخرج من منطقة الكولونيالية الرمادية. وإذا ما تعاظم التقاطب بين الأصولية الإسلامية والديمقراطية الغربية، فسنجد أنفسنا مندرجين جيدا في الجانب الأكثر نجاحا من المتراس. وعليه فإن ما يسعي إليه هؤلاء هو الإفادة من هذا الفوز لتعزيز سجالهم، بالأساس في المحافل الخارجية الدولية. وبكلمات أخري تجييش صعود حماس من أجل إكساب السياسة الإسرائيلية الراهنة، القائمة علي الفــــــصل واستخدام القوة والإجراءات الأحادية الجانب، مشروعية فائضة لدي تلك المحافـــــل، باعتبار أن ما حصل يشكّل معينا لهذا السعي في غمرة مناخ عالمي مؤات يسعفه أيضا ما يحدث في العراق وأفغانستان ولبنان وعلي جبهة الصراع مع النظام الحاكم في إيران.ہ كاتب من فلسطين(ہہ) تقديم العدد الجديد (32) من أوراق إسرائيلية الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية ـ مدار في رام الله، ويضم مختارات من القراءات الإسرائيلية في نتائج الانتخابات الفلسطينية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية