حول مفهوم المقاومة السلمية في العراق المحتل

حجم الخط
0

حول مفهوم المقاومة السلمية في العراق المحتل

هيفاء زنكنةحول مفهوم المقاومة السلمية في العراق المحتلفي واحدة من رسائلها التفصيلية، الصريحة، الي والدها، كتبت الانسة غرترود بيل ملخصة ما يمكن اعتباره جوهر السياسة الاستعمارية قديما وحديثا. وهو جوهر لم يتغير كثيرا في عنصريته واستغلاله واشاعته للدسائس والتفرقة البغيضة بين ابناء الشعب الواحد، مهما أطلقت عليه من تسميات ومصطلحات جديدة. فالاستعمار، بمعناه الاستغلالي لثروات الشعوب، وفرضه وضعا سياسيا دون غيره، ونظرته الفوقية المستهينة بأبناء البلد المحتل، هو ذاته القديم، الجديد. وهو الامبراطورية، وهو عولمة الشركات الاحتكارية وسيطرتها المتنامية. ويمكن اعتبار كلمات مس بيل، مستشارة الملك فيصل الاول وسكرتيرة المندوب السامي في العراق، في عشرينات القرن العشرين، هي الافضل تعبيرا عن طبيعة عملها الاستعماري وسياسة دولتها.حيث كتبت قائلة: من مزايا سياستنا في العراق، انهم حين يختلفون فيما بينهم يطلقون النار علي بعضهم البعض وليس علينا . في ظل هذه الصورة البغيضة التي ترسمها مس بيل عن ابناء البلد المحتل وانتشائها بنجاح السياسة الاستعمارية في التفرقة، ومن وراء ركام الالفاظ النابية ولهجة الاحتقار التي تستخدمها، في رسائل أخري، لوصف المتعاونين مع الاحتلال، وهي نفس اللهجة التي يستخدمها خليفتها الامريكي بول بريمر في وصف المتعاونين مع الاحتلال الانكلو ـ امريكي من اعضاء مجلس الحكم البائد، في مذكراته المنشورة أخيرا، تبرز صورة اخري عن مواقف ابناء البلد المحتل في مقاومة الاحتلال باساليب مختلفة وموقف السياسيين الذين تعاونوا مع السلطة الاستعمارية منها. الصورة الأخري، التقطها من تاريخنا الحديث، لانها قد تساعدنا علي فهم معني بعض المصطلحات الشائع استخدامها هذه الايام من قبل سياسيي الاحتلال، وأهمها هو مصطلح المقاومة السلمية للاحتلال لاجباره علي الرحيل. ويدل شيوع استخدام المصطلح وتكراره بكرة وأصيلا، من قبل سياسي الاحتلال علي ان التخلص من الاحتلال ومناهضته طلبا ملحا من مطالب الشعب ولايمكن التنازل عنه بأي شكل من الاشكال. ويأتي تبنيه لفظيا دليلا علي اشكالية التناقض الهائل ما بين الشعارات وتطبيقاتها علي ارض الواقع. هذه الاشكالية ليست جديدة. اذ انها الطرف الاساسي في معادلة الاحتلال والمتعاونين معه من جهة ومقاومي الاحتلال من الجهة الثانية. وقد عاشها اجدادنا في بداية القرن الماضي تحت الاحتلال البريطاني وما تلاه من حكومات مثلت سياسة المستعمر. فلمواجهة الحكومات العميلة ولدت المقاومة السياسية. وقد كتب عن بعض ملامحها الشعبية الاصيلة عالم الاجتماع الدكتور الراحل علي الوردي، في كتابه الرائع لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ـ الجزء السادس ـ عام 1920 الي 1924. يخبرنا علي الوردي: أن المعارضة الجديدة تختلف عن سابقتها بالاسلوب. ففي عهد المعارضة السابقة كان يكفي للمجتهدين ان يصدروا فتاويهم في تحريم أمر من أمور السياسة، وكانت تلك الفتاوي ذات تأثير كبير علي الناس لان المخالف لها كان ينال نبذا واحتقارا اجتماعيا بالاضافة الي ما ينتظره في الاخرة من عذاب مقيم، اما الان فقد صارت المعارضة تستعمل اسلوبا اخر مستمدا من طبيعة الدنيا وليس للاخرة فيه نصيب. وكمثال، اخذت المعارضة تستخدم النساء والصبيان للتأثير علي النواب. فقد كان المعارضون يأتون بالنساء الاعرابيات من ذوات الشخصية القوية، يجمعوهن من بعض المحلات كألبو شبل والدوريين ويرسلوهن الي بيوت الشيوخ من النواب فاذا دخلت احداهن علي الشيخ صرخت في وجهه علي الطريقة العشائرية : علي بختك يا ابو فلان، تبيعونا للصوجر، ألف وسفة عليكم . وكثيرا ما كانت هذه الطريقة تؤثر في الشيوخ لانها تمس اوتار قلوبهم البدوية. وكانت المس بيل قد كتبت عن الظاهرة نفسها قائلة بأن عجيل الياور قد جاء لرؤيتها. وقال لها : انت لاتدرين ماذا يجري في المدينة، فهناك امام بيتي يقف ليلا ونهارا شخص من اهل السوق. انه ليس كبيرا في السن بل صبيا رث الملابس. وفي كل مرة ادخل الي البيت او اخرج منه يتلقاني هذا الصبي فيمسك بيدي لتقبيلها، او يقبل عباءتي او طرف قبائي، ثم يبكي قائلا: ايها الشيخ، يا والدي، ارفض المعاهدة، لا تبيعنا الي الانكليز. انه لا يعرف فحوي المعاهدة. وقد استؤجر لكي يقف عند باب بيتي ويقول ما يقول. ثم يختم عجيل الياور كلامه بقوله: اذا كان امام بيتي واحد، فان هناك ثلاثة او اربعة امام بيت كل عضو من اعضاء المجلس .هذه أمثلة بسيطة علي المعارضة الشعبية للاحتلال البريطاني ومتعهديه في العشرينات وهو اسلوب يمكن ان يطلق عليه مصطلح المقاومة السلمية الحديث. فما هي أمثلة المقاومة السلمية التي أعلنت عنها الحكومات المؤقتة، حاليا، تنفيذا لوعود التخلص من الاحتلال ومرتزقته بالمقارنة مع معارضة عشرينات القرن الماضي؟ وهل نفذ سياسيو الاحتلال وعودهم الانتخابية لمن خاطر بحياته وانتخبهم؟ كلا. ان عباءة الفشل تغطي الجميع. ويمتد الفشل ليكرس الارهاب الطائفي والسياسي وانتهاكات حقوق الانسان في ظل حكومة منتهية الصلاحية، وتكالب علي مناصب بات واضحا بأن مالكها الفعلي هو أمريكي ـ بريطاني ومستخدمها المحلي عراقي. ويمتد الفشل ليظهر عجز الفائزين والخاسرين معا عن تشكيل حكومة تزيح عن كاهل الشعب بعض مصائبه. بل ويمتد الفشل ليبرعم بذور التفرقة الطائفية والعرقية والجنسوية بشكل لم يشهد له العراق مثيلا. ويوفر المبرر الاخلاقي لبقاء قوات الاحتلال في البلاد الي أبد الآبدين باعتبارها المنقذ والحامي الوحيد لاهل العراق من أنفسهم. من تخلفهم وقسوتهم. وهو ذات المبرر الاخلاقي الذي يرفعه سياسيو الاحتلال، المرة تلو المرة، ليطهروا انفسهم من الجرائم الشنيعة، المرتكبة تحت أنظارهم وهم صامتين. ولنعد الي مفهوم المقاومة السلمية المرفوع من قبلهم. فما الذي فعلوه، حتي الان، سلميا، لمطالبة قوات الاحتلال بمغادرة عراقنا المحتل؟ لاشيء. بل ان ما يجري هو توسلهم لقوات الاحتلال بتمديد البقاء وعدم الرحيل. ما الذي فعلوه في مجال رفع الحصانة والحماية عن القوات، المرتزقة، المتعاقدين، وكل المتعاملين مع الاحتلال عند ارتكابهم الجرائم، بضمنها جرائم القتل، والانتهاكات بحق اهلنا؟ لا شيء. الانتهاكات والجرائم مستمرة من قبل قوات الاحتلال والمتدربين علي ايديهم. ما الذي فعلوه من اجل توفيرالاساسيات لابناء الشعب ليستعيد قوته، ليحارب المحتل دفاعا عن كرامته؟ لا شيء. فالشعب المنهك المنشغل بالسعي ليلا نهارا من اجل لقمة العيش وتوفير الاساسيات لنفسه وعائلته هو المطلوب لديمومة الاحتلال. ما الذي فعلوه لتخفيف حضور المحتل واجهزته وقواته؟ لا شيء. ما يجري حاليا علي اراضينا هو بناء المزيد من السجون وتوزيعها بديمقراطية في جميع انحاء البلاد فضلا عن توسيع ما هو موجود منها لتتسع للمزيد من المعتقلين. ومقابل كل معتقل يطبل المحتل ووكلاؤه لاطلاق سراحه والاعلان عن عدم وجود ما يدينه بعد حجزه، في المعتقلات، مدة تزيد عن العامين احيانا، بلا تهمة او محاكمة، يتم اعتقال المزيد. ويتستر سياسيو الاحتلال علي ما يثبت، حصرا، ان احتلال العراق، قد تم التخطيط لاستمراره لعقود مقبلة وبمساعدتهم من خلال الصمت المحيط ببناء مجمع اكبر سفارة امريكية في العالم واكثرها تحصينا في بغداد. حيث تقوم شركة كويتية تدعي First Kuwaiti بتنفيذ عقد البناء البالغة قيمته 592 مليون دولار، مستخدمة اكثر من 900 عامل آسيوي يعملون حاليا لاكمال المجمع. والمعروف ان رأسمال الشركة الكويتية كان 35 مليون دينار قبل ثلاث سنوات فقط الا انه تجاوز، منذ احتلال العراق، خط المليار دولار. وفي العراق الذي لم ينفذ فيه اي مشروع بنائي بشكل يستهدف مصلحة الشعب وبمواصفات سليمة، منذ الاحتلال وحتي الآن، وخلافا للمشاريع الوهمية والفساد يتم بناء السفارة بسرعة مذهلة ووفق الجدول الزمني المحدد له حسب تقرير سلطة الاحتلال للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس لشهركانون الاولـ (ديسمبر) الماضي. مما يعيد الي الاذهان صورة الحماية الامريكية الكاملة لوزارة النفط عقب الاحتلال مباشرة وتجاهلها لكل ما عداها من متاحف ومكتبـــــات ومبان عامة اي كل ما يمثل تاريخنا وحضارتنا وهويتنا وبالتالي مستقبلنا. وستحتل السفارة مساحة 104 أفدنة علي ضفة نهر دجلة. في قلب بغداد. ستكون مزودة باحدث المعدات وبتحصينات هائلة، ويبلغ سمك بعض جدرانها 15 قدما. وسيتم اكمال البناء في العام المقبل. ليقيم فيها الف موظف ومستشار امريكي. ولن يصيبهم ما يصيب العراقيين من ازمات انقطاع التيار الكهربائي او تلوث مياه الشرب مع المجاري لان امداداتهم كلها ستكون منفصلة تماما عن بقية العاصمة. فما هو موقف سياسي الاحتلال من بناء أكبر سفارة امريكية في العالم واكثرها تحصينا في قلب عاصمتنا بغداد؟ هل أدان أحدهم تجذير قاعدة القتل الامريكي في بغداد ارواحنا واجسادنا؟ كلا. لقد اختاروا، جميعا، علي اختلاف طوائفهم وقومياتهم واجناسهم واحزابهم، التلفع بعباءة الصمت المطلق وأضافوه الي صمتهم ازاء الجرائم والانتهاكات والفساد والاستغلال الاقتصادي. لانهم يعرفون جيدا بانهم ان نطقوا احتجاجا او اعتراضا سينقطع حبل السرة الذي يربط مصالحهم بمصالح الاحتلال، ويمدهم بحياة مهما طالت ستبقي قصيرة بمفهوم الشعوب وكرامتها ونضالها ضد الاحتلال. 9

mostread1000000

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية