الأهداف الرئيسية للحرب في القطاع: تدمير قدرات حماس وخلق ظروف لإعادة المخطوفين، تصطدم ببعضها، بل وغير متزامنة في الجدول الزمني. بعد 7 تشرين الأول، خطط الجيش الإسرائيلي لمعركة من أربع مراحل.
المرحلة الثالثة التي يجري الحديث عنها، والتي يفترض أن يُقلص فيها حجم القوات في القطاع والانتقال إلى عمليات أكثر محدودية، كان يتوقع أن تبدأ خلال ثلاثة أشهر منذ اندلاع الحرب. يحدث الانتقال إليها بالتدريج الآن، ويتحدث الجيش عن أشهر كثيرة أخرى من القتال التي سنحتاج إليها في إطار الصيغة المقلصة، قبل استقرار الوضع في القطاع وإزالة تهديد حماس العسكري عقب تدمير جزء من منظومتها.
لكن هذا الجدول الزمني لا يتساوق مع الخطر الحقيقي المتزايد على حياة المخطوفين في القطاع. أمس، أعلنوا في “كيبوتس بئيري” عن موت المخطوفين ايتاي سيفرسكي ويوسي شرعابي، بعد أن قالت حماس إنهما قتلا مؤخراً في الهجمات الإسرائيلية. قرر الجيش حتى الآن، استناداً إلى معلومات استخبارية وأدلة جزئية للطب الشرعي، بأن أكثر من 20 مخطوفاً ماتوا في الأسر أو قتلوا في 7 تشرين الأول وتم اختطاف جثامينهم. ربما يكون العدد الحقيقي أكبر.
في ظروف الأسر التي يصعب تحملها، التي يتحدث عنها المخطوفون الذين تحرروا قبل شهرين تقريباً، يمكن إبلاغنا بعد ذلك عن موت مخطوفين آخرين. هناك قلق كبير أيضاً على وضعهم النفسي، من هنا تأتي الإلحاحية التي تبثها عائلاتهم من أجل إطلاق سراحهم. عمليات الجيش الإسرائيلي لا تؤدي الآن إلى إطلاق سراح مخطوفين، والعائلات تخشى من أن تؤدي نشاطاته إلى موتهم.
وزير الدفاع، يوآف غالانت، كرر أمس الادعاء بأن استمرار الضغط العسكري على حماس هو وحده ما سيؤدي إلى عقد صفقة تبادل جديدة، وأنه لن يحدث شيء بدون هجمات الجيش الإسرائيلي. بعض قادة الجيش يتفقون معه، لكن بصورة أقل حسماً.
رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، يعود إلى الشعارات الفارغة (“سنحارب حتى الانتصار”)، لكن الأمر لديه ينبع من اعتبارات البقاء. فهو يعرف أن الدعم المتزايد للجمهور لإجراء صفقة ستشمل تنازلات مؤلمة، وهي عملية ستفكك حكومته من الداخل لأن شركاءه في اليمين المتطرف يمكن أن ينسحبوا منها.
وزيرا المعسكر الرسمي بني غانتس وغادي آيزنكوت، وإلى جانبهما المراقب من “شاس” آريه درعي، يقفون أمام نتنياهو وغالنت والوزير رون ديرمر، الذين يعارضون صفقة تشمل الوقف الكامل لإطلاق النار وإطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين. هم يظهرون وكأنهم يسعون إلى صفقة حتى بثمن محتمل يتمثل في وقف القتال (بدرجة ما اعتراف بانتصار حماس في هذه الجولة). ويتعلق ادعاؤهم في المقام الأول بالواجب الأخلاقي للدولة تجاه المخطوفين الذين هم في معظمهم من المدنيين، والذين تم تركهم لمصيرهم عقب الفشل الأمني والاستراتيجي الذريع.
هناك أيضاً تذمر من سير العمليات العسكرية. قائد الفرقة 98، العميد دان غولدبس، يبدو أنه الرجل الأكثر تصميماً في الشرق الأوسط، لكن الجهود الكبيرة التي يبذلها في خانيونس لتحديد مكان كبار قادة حماس والرهائن، لم تثمر عن نتائج حتى الآن. يدمر جيش الدفاع الإسرائيلي الآن الأنفاق ويقتل الإرهابيين، لكن القتال يجري بحذر وبطء. ورغم القناعة الذاتية الواضحة للمؤسسة الأمنية فمن غير المؤكد أن يحيى السنوار وعصابته والمخطوفين ما زالوا في الأنفاق تحت المدينة، وأنهم لم يغادروا في الأسابيع الأخيرة. هناك، في أوساط 1.5 مليون شخص تقريباً كدروع بشرية فوق الأرض، ربما يشعر رئيس حماس في القطاع بأنه أكثر أمناً.
ثمة إحباط كبير لدى المستويات العليا في الجيش و”الشاباك”. وخوفهم نابع من أن تقضم اعتبارات رئيس الحكومة السياسية الإنجازات التي تراكمت حتى الآن. في “أخبار 13” نشرت المراسلة موريا اسرف فيلبرغ، أن رئيس الأركان هرتسي هليفي حذر المستوى السياسي بأن رفض بلورة استراتيجية لليوم التالي سيؤدي إلى انجرار الجيش الإسرائيلي لتكرار العملية في المناطق التي أنهى القتال فيها من قبل. تحذير هليفي موجه بالأساس إلى شمال القطاع، حيث عادت حماس إلى استعراض معالم الحكم بصورة غير علنية بعد تقليص قوات الجيش الإسرائيلي. مؤخراً، تم إطلاق الصواريخ والقذائف عدة مرات من مناطق في شمال القطاع، التي سيطر عليها الجيش في تشرين الثاني. ستحاول حماس تنظيم استعراض حضور فوق الأرض لتثبت أنها ما زالت تسيطر على شمال القطاع.
الشلل الذي يتحدث عنه رئيس الأركان ينبع من غياب مناقشة اليوم التالي ومن رفض نتنياهو لترديد الكلمات الثلاثة التي تريد الإدارة الأمريكية أن تسمعها: سلطة فلسطينية مجددة. وهي الجسم الذي تريد واشنطن أن يشارك في إدارة القطاع مستقبلاً، هذا إذا كان بالإمكان تقليص قوة حماس. ولكن بالطبع نتنياهو يرفض ذلك، وهو واقع تحت ضغط الوزيرين بن غفير وسموتريتش، ويريد توحيد قاعدة اليمين حول وعده بأنه وحده من يمنع إقامة الدولة الفلسطينية، ويبدو أنه يعتمد أيضاً على احتكاك مستمر مع الإدارة الأمريكية على افتراض أنه بذلك يلقي المسؤولية على الأمريكيين عن عدم تحقيق أهداف الحرب، في الوقت الذي ينتظر فيه فوز دونالد ترامب في الانتخابات في تشرين الثاني المقبل.
عاموس هرئيل
هآرتس 17/1/2024