حياة الأنواع الأدبية: إملاءات الشعر المُقيم في قلب الظاهرة السردية

أقر الدارسون بأهمية مفهوم النوع الأدبي وضرورته في تنظيم حقل الأدب؛ فهو يفيدنا في تصنيف الأعمال الأدبية، وإعادة تجميعها في مختلف مقولاتها تبعا لمعايير مُحددة، وهو ما عملت على بلورته نظرية الأنواع الأدبية منذ بدايات القرن العشرين.
يناقش رشيد يحياوي في «مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية» جملة قضايا مرتبطة بمقولات النوع داخل النظرية. كما قام دومينيك كومب في كتابه «الأنواع الأدبية» بعمل تركيبي يجمل أهم قضايا نظرية الأنواع عبر تاريخ الأدب، ومن منظورات مختلفة: بلاغية، شعرية، فلسفية، لسانية وتلفظية.
وإذا كانت الثوابت هي التي تُحدد هُوية النوع، بعد أن تكون قد استقرت عبر فترة طويلة، فإن النوع نفسه يمتلك حقلا غنيا من الإمكانات المتنوعة والمتغيرة وحتى المتعارضة، وهو ما يساهم في عملية خلق البنية وتنويعاتها واتساعها، إلى الحد الذي يجعله في غير مأمن من الاختراقات التي تحدث من حين لآخر. فالنص – حسب عبد الفتاح كيليطو- وإن لم يحترم العناصر الثانوية «فإن انتماءه إلى النوع لا يتضرر. أما إذا لم يحترم العناصر الأساسية «المسيطرة» فإنه يخرج من دائرة النوع، ويندرج تحت نوع آخر، أو في الحالات القصوى، يخلق نوعا جديدا».
هكذا تنشأ أنواعية النص بالأحرى من الدينامية التي تنبني يين سمات النوع التي يدل عليها المؤلف – جماع القيود الشكلية، الثيمات، الصيغ والموتيفات، مثلما الوظائف التي تناط بها – وسيرورة تعرف هذه السمات التي ينخرط فيها القارئ (جريانا، تصنيفا، قراءة، إعادة تأويل).

حياة النوع السيرذاتي

بخصوص النوع السيرذاتي، فإننا نجد مجموعة من المنظرين من أمثال: جورج غوسدورفG. Gusdorf ، وجان ستاروبنسكيJ. Starobinski ، وفيليب لوجون Ph. Lejeune، وإليزابيث بروسE. Bruss وغيرهم، قد عملوا على تحديد معالم السيرة الذاتية على نحو دقيق وصارم، في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي هذا السياق، شكل التعريف الذي أعطاه فيليب لوجون للسيرة الذاتية في كتابه ذائع الصيت «ميثاق السيرة الذاتية» (1975) مرحلة تدشين داخل نظرية النوع، وسمح بتسليط الضوء على مختلف السمات المخصوصة، التي تُميز السيرة الذاتية عن باقي أشكال الأدب، باستعمال ضمير المتكلم، أي قدم «الوصف النظري للنوع وللأشكال التي يستعملها».
هكذا، عرف لوجون السيرة الذاتية بأنها: «حكيٌ استعادي نثري يقوم به شخص حقيقي عن وجوده الخاص، عندما يُركز أساسا على حياته الفردية، ولاسيما على تاريخ شخصيته». ويراهن هذا التعريف على العناصر التي تنتمي إلى ثلاث مقولات مختلفة: شكل اللغة من خلال الحكي نَثْرا، والموضوع الذي يتناول الحياة الفردية وتاريخ الشخصية، ثُم وضعية المؤلف التي تتمثل في تطابق المؤلف والسارد والشخصية، عدا المنظور الاسترجاعي للحكي. فالعمل لا يكون سيرة ذاتية إلا عندما يكون ثمة تطابقٌ بين المؤلف والسارد والشخصية، وهو ما يُسميه بـ(الميثاق السيرذاتي) الذي يميز نوع السيرة الذاتية عن غيره. كما أنها نص مرجعي، هدفها ليس «أثر الواقعي» كما في الرواية، بل الحقيقة؛ فهي تُقدم معلوماتٍ يمكن أن تخضع لاختبار صدقيتها.. وهذا «الميثاق المرجعي» بتعبير لوجون نفسه، هو عموما يقع ضمن الميثاق السيرذاتي.
وقد صار بوسع كتابة السيرة الذاتية ـ رغم تشنيع الأيديولوجيا المضادة بها – أن تتملك الطرائق التي وردت عليها من الأنواع الأدبية الأخرى، فتهضمها تدريجيا، وعبر هذه السيرورة استطاع النوع أن يتقوى ليصبح اليوم نوعا مهيمنا. وقد تحدث جاك لوكارم J. Lecarme عما سماه «انفجار» النصوص السيرذاتية طوال العقود الأربعة الأخيرة، وهو ما ترتب عليه تطور النوع، رافقه توجهٌ عام نحو استعمال ضمير المتكلم ونحو السيرة الذاتية. وسوف تغدو هذه الكتابة الوسيلة المثلى من أجل الإجابة عن «أزمة الذات» المعاصرة من جهة، ومن أجل تحليل الصعوبات التي تواجه الذات للتعبير عن نفسها في اللغة من جهة أخرى. فمن نموذج عن الذات إلى آخر داخل أشكال الكتابة الذاتية، يبرز «الانهمام بالذات» بله اعتبار «الذات كتخييل». فما يبقى سوى تخييلات الذات القائمة على التاريخ الشخصي بوصفها وسيلة «لإدراك العالم»؛ التعبير الذي يمكن تأويله بـ«تنظيم الحياة» إلى أن «يُعثر على المعنى فيها» بتعبير مارغريت دوراس M. Duras، كما يمكن أن تترتب عليه مشكلات نوعية تخص بناء الكتابة وطابعها التداولي، بل إن هذه المشكلات تحولت إلى «ساحة معركة» تتلاقى فيها عدة موضوعات أساسية للنقاش النظري الأدبي، اعتبارا لأمور ذات اعتبار؛ إما لكون النوع السيرذاتي يمفصل العالم والأنا والنص، أو هو على تماس مع التاريخ والسلطة والذات والتمثيل والإحالة، فضلا عن اللغة التي يُكتب بها.

ملابسات الكتابة

بسبب تنوع الاهتمام بالسيرة الذاتية، وانفجار نصوصها الكتابية، جعل من الصعب تعريفها وضبط حدودها بقدر ما ألقى الضوء على جوانبها المعقدة. فمعظم المقاربات التي أتت بعد التعريف اللوجوني الشهير قد نأت بنفسها عن أي تعريف تعميمي للكتابة السيرذاتية، لأن مثل هذا التعريف منذورٌ للفشل، وليس بوسعه أن يأخذ بأشكال التفرد والأصالة والسياقات المختلفة (الاجتماعية، التاريخية، الثقافية، السياسية والإثنية) التي تكمن خلف إنتاج كل حكي ذي طابع سيرذاتي. وإذا كان بعض هذه المقاربات لا يخرج عن التصور المتعارف عليه بخصوص نوع السيرة الذاتية؛ باعتبار أن الأنا الذي يحكي عن حياته في النص، إنما يوجد في انسجامه ووحدته قبل أن يُعبر عن نفسه داخل اللغة، وأن الإمكانات المرجعية لا يطالها الشك واللغة يمكن أن تُمثل الأنا ووجوده، في ما السرد يتبع عادة النظام الكرونولوجي للحياة المروية. فإنه، في المقابل، مقاربات ذات منحى ما بعد بنيوي – حداثي تعتبر الذات مُتشظية ومنشطرة، والإحالة على الواقع الخارج – نصي وَهْما، في ما تفقد اللغة وضعها كوسيطٍ شفافٍ إذ تدخل في لعب لا يتوقف من الكلمات التي تحيل، مثل المرايا، على بعضها بعضاً، بدلا من أن تسجن نفسها في دلالة وحيدة وقطعية. وكان لمثل هذا التصور الذي تزعمه مُفكرو التفكيك وما بعد البنيوية ومُنظرو التحليل النفسي ـ كما رأينا في مقالة سابقة – تبعاتٌ خطرة تهدد وجود مفهوم السيرة الذاتية بحد ذاته؛ فإذا كانت الإحالة وَهْما، فلن تكون السيرة الذاتية أكثر من شَكْلٍ تخييلي أو عملٍ مُتخيل لا يمكنه البتة أن يُطلعنا على مؤلفها وهُويته، طالما أن «الذات غير ثابتة ومنشطرة».

في السيرة الذاتية الجديدة، أخذ التطور الفني يمس أطر المحكي بقدر ما يبلبل مفاهيم الشكل التعبيري الخاص بها. فالسيرة الذاتية تتناول بالسرد، شأن الرواية أو القصة، حدثا ما مضى من حياة المؤلف، لكن الـمُعول عليه هنا ليس استعادة ماضي الأحداث وتذكرها وحسب، بل الكيفية التي تروى بها هذه الأحداث من جهة، وطريقة النظر إليها استدعاء وتخييلا، وما تفصح عنه في تسريدها للذات وللعالم من جهة ثانية.

والأخطر في هذا التصور أنه يعترض على مفهوم الحقيقة، في ما هو يثبت أهمية دور اللغة والخطاب في بناء الذاتية. إن فكرة انسجام الأنا ووحدته ليس ـ حسبه – سوى وَهْـم. من هنا، فإن الأنا النصي ليس لها علاقة مع أنا المؤلف. ومن ثمة، فإن «إشكالية التطابق هي، في المقام الأول، لسانية ونصية. ويقوم الفهم النظري على استحالة المطابقة الكُلية، عبر اللغة، بين «أنا» ذات التلفظ و«أنا» ذات الملفوظ، بسبب الصدع الفضائي – الزماني والحدود اللغوية». فالنص السيرذاتي يعرض الحياة ويبني الأنا، وهما معا يتطوران ولا يتشكلان إلا عبر فعل الكتابة، من أجل تحقيق كيان نهائي وتام لم يكن موجودا في البداية. فالأنا ينبثق من هذا النص – الأنا الذي لم يكن واقعا في البداية – يكشف في آخر المطاف عن كونه بناء نصيا، لا علاقة له مع مؤلف النص. وبالنتيجة، تصير كل كتابة للذات تخييلا، مثلما أن كل كتابة للحياة تصير تخييلا، ولا يبقى في المحصلة النهائية سوى الشخصيات على الصفحة ويمكن بدورها أن تُفكك.

تداخل الشعري والنثري

قبل أن نذكر نماذج من سير الشعراء الذاتية التي حققت أكثر من غيرها خاصية التخلل الأنواعي، يجدر بنا – انطلاقا مما سبق- أن نُثمن ما شهدته نظرية الأنواع الأدبية، في الآونة الأخيرة، من اختراقٍ مفاهيمي ومرجعي لم تعد معه قادرة على الفصل بين نوع أدبي وآخر في كثير من الحالات، كما «لم تعد البرهنة على الفوارق بين الشعري والنثري واضحة»؛ وهذا ما عبر عنه رومان ياكبسون R. Jakobson بقوله ذائع الصيت: «ما الشعر؟ ينبغي لنا إذا أردنا تحديد هذا المفهوم أن نعارضه بما ليس شعرا، إلا أن تعيين ما ليس شعرا ليس، اليوم، بالأمر السهل». أصبح التقاطب بين الشعر والسرد حاسما في تاريخ الشعر منذ بودلير، فقد استبعد الشعر السرد بعد أن أخذ يعارضه تدريجيا. ومن خلال صعود مفهوم الكتابة، غامت الحدود بين طرفي الثنائية. وفي هذا السياق، تدخل مقاربة جان إيف تادييه في كتابه «المحكي الشعري» إذ يعمل على تبيين الحدود بين النثر والشعر داخل المحكي الشعري، الذي وإن كان نثرا ووثيق الصلة بالرواية، «يستعير من القصيدة وسائل فعلها وتأثيراتها». ففي ظل التداخل بين ما هو شعري وما هو نثري أو سردي، تتحول البنيات، سردية كانت أم شعرية، إلى مجالٍ مفتوحٍ ومرنٍ لاستيعاب التنوع أو الحوار الأنواعي، على صعيد اللغة والبناء ومتخيل الكتابة، ومن ثم «لم يعد ممكنا الحديث عن الرواية باعتبارها نثرا وحسب، بعد أن اختلط الشعر بالنثر، والتاريخ بالكتابة».
أضحت السمات المهيمنة التي تعبر من نوع معين إلى نوع آخر سمات مشتركة تنتمي إلى الأدبية، أكثر منها إلى الشعر وحده أو إلى النثر وحده. فكما يمكن الحديث عن عبور تقنيات السرد إلى الشعر أو نصوص قصيدة النثر تحديدا، يجري الحديث – بموازاة مع ذلك – عن اختراق الشعر لعدد من الأنواع السردية التخييلة وغير التخييلية، بما فيها السيرة الذاتية، فيحدث نتيجة ذلك عنصر الهجنة، الذي يُولّد سرودا جديدة، أو يصعب تصنيفها مثل الرواية الشعرية، أو المحكي الشعري، أو الكتابة عبر النوعية بتعبير إدوار الخراط، الذي أولى اهتماما ذا اعتبار للسرود ذات الحمولة الشعرية، ووجد في لجوئها إلى الشعر واعتمادها عليه بمثابة «الخلاص من الرثاثة والابتذال والمهانة التي يتميز بها الواقع المحيط بنا».

سير الشعراء

في السيرة الذاتية الجديدة، أخذ التطور الفني يمس أطر المحكي بقدر ما يبلبل مفاهيم الشكل التعبيري الخاص بها. فالسيرة الذاتية تتناول بالسرد، شأن الرواية أو القصة، حدثا ما مضى من حياة المؤلف، لكن الـمُعول عليه هنا ليس استعادة ماضي الأحداث وتذكرها وحسب، بل الكيفية التي تروى بها هذه الأحداث من جهة، وطريقة النظر إليها استدعاء وتخييلا، وما تفصح عنه في تسريدها للذات وللعالم من جهة ثانية. ولسنا، هنا، بصدد تحليل كل سيرة ذاتية (معلنة وغير معلنة) تحليلا مُفصلا، بقدر ما نريد أن نُركز على خاصية التداخل بين السردي والشعري في بعض آلياته وأطره الخاصة، وبالأخص على مستوى عمل اللغة، جماليات المحكي الطفولي وشعرية المفارقة.
فالسير الذاتية التي كتبها بعض الشعراء، وجنسوا محكياتهم تحتها، وهي قليلة بالقياس إلى عشرات السير الأخرى التي ألفها مؤلفون من زوايا ومشارب وأفهام أخرى مختلفة، تُعبر عن روح جديدة في كتابتها، وعن كيفياتٍ مخصوصة في بنائها وتخييلها، ويتجلى فيها الشعر بأناه الغنائي والمجازي، حاضِرا فيها بكثافته ليس على مستوى الكون الاستعاري والتخييلي لهذه السير، بل كذلك على مستوى تشييدها فنيا، لقد أثارت مثل هذه السير، مُجددا، مسألة الشعر المقيم في قلب الظاهرة السردية، والعكس صحيح.
كتب بعض الشعراء سيرا ذاتية ضمنوها رؤاهم المختلفة للعالم، وأشكال حضورهم فيه بكيفيات مخصوصة شفّت عن كينوناتهم وعلاقاتهم وطرق حياتهم، وسردوا عبرها مراحل دالة تقصر أو تطول من حياتهم منذ الطفولة، وابتنت لنفسها من جماع ذلك النسيج العجيب جماليات نوعية أقامت أساسا داخل توتر السردي والشعري حينا، ثم المرجعي والتخييلي حينا آخر. وبما أنهم شعراء، وبما أن الشعر دخل حياتهم مبكرا واستوطن جزءا من تفكيرهم لا يستهان به، فقد شكّل الملمح الشعري عنصرا بارزا يتراءى بقوة في سرودهم الذاتية، إلى حد خرق ما هو متعارف عليه من قواعد النوع السيرذاتي ومستتبعاته الفنية، ولاسيما في ما يتعلق بخاصية تداخل السردي والشعري الذي يُطوح بفرضية نقاء النوع ويعيد بناءه.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية