حياة جديدة كتبت لـ 600 فلسطيني من «أسرى المؤبدات»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: تظهر لقاءات الفلسطينيين القادمين من كل حدب وصوب مع الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم ضمن صفقة المقاومة الفلسطينية مفارقات مهمة جدا، فإلى جانب المشهد المأساوي الذي يظهر على أجساد جميع الأسرى القادمين من سجون التعذيب الوحشي، وهو ما تواصل حتى آخر لحظة من عملية الإفراج عنهم، تظهر مفارقة الأسرى أن هناك فئة كبار السن، وهي فئة تدلل على أنهم من الأسرى أصحاب الأحكام العالية أو ما يطلق عليهم مصطلح «المؤبدات».

وهؤلاء بدوا وكأنهم قادمين من قبر أو زمن مختلف بعد أن نال منهم الزمن وعتمة الزنازين وبرودتها. ومن المتوقع أن يفرج عن ما يقرب من 300 أسير من أحكام المؤبدات، في المرحلة الأولى من الصفقة من أصل ما يقرب من 600 أسير من هذه الفئة.
وكان ذلك جزءا مما وافقت عليه دولة الاحتلال، فمقابل الإفراج عن 33 أسيرا إسرائيليا منهم عدد من الأموات في المرحلة الأولى تضمن الاتفاق على أن يفرج مقابل كل مُجندة عن 33 أسيرا من المؤبدات، إضافة إلى 20 أسيرا من ذوي المحكوميات المختلفة ممن تبقى من مدة الحكم ما لا يزيد عن 15 عاما، ومقابل كل أسير من كبار السن فوق 50 عاما تم الإفراج عن 3 أسرى من ذوي المؤبدات، إضافة إلى 27 أسيرا أمنيا. ومقابل الأسرى الـ 9 الذين أُلحقوا بالصفقة من الجنود تم الإفراج عن 110 أسرى من المؤبدات، بواقع 12 أسيرا مقابل كل إسرائيلي. إضافة إلى 1000 معتقل من قطاع غزة من غير المشاركين في السابع من أكتوبر. ومقابل 5 أسيرات «مدنيات» سيتم الإفراج عن 210 أسرى من النساء والأطفال المحكومين على قضايا أمنية، وحسب الاتفاق فإن الأسرى المُدانين بقتل إسرائيليين تم إبعادهم ولن يُطلق سراحهم إلى الضفة الغربية، وهؤلاء جلهم من حملة أحكام المؤبدات، بينما الأسرى المتبقية من محكومياتهم أقل من 15 عاما سيعودون لمنازلهم في الضفة وغزة.
وخلال حفلات الاستقبال في الضفة الغربية، ولقاءات الأهالي في القاهرة أو إسطنبول عكست المشاهد حزنا وفرحا نادرين، إلى درجة أن قضيتهم تطرح أسئلة كثيرة حول مفهوم الحرية والوطن والأحزاب والفصائل الفلسطينية.

لماذا تركوا وحيدين كل هذه السنوات؟

يمكن التوقف عند قصة أي منهم ليكتشف المتابع الكثير من القضايا الإنسانية والوطنية معا، في حمولات لا يمكن التفكير بها إلا من خلال تعرضنا لقصصهم، وهي حالات تطرح السؤال الدائم: لماذا تركوا وحيدين كل هذه السنوات؟ كيف لاحتلال يتعامل مع مناهضيه بهذه الطريقة البشعة التي لا أمل فيها من الحياة؟
في حكاية الأسرى الذين افرج عنهم السبت هناك نحو 66 أسيرا فلسطينيا من أصحاب الأحكام العالية، والمفارقة تقول إن مجموع أحكامهم تصل إلى 999 عاما.
في تجربة الأسير المحرر محمد أبو حميد، وهو ‏أحد أسرى المؤبدات المبعدين لخارج فلسطين يقول في وصف حالته بعد يوم من الإفراج عنه: «في برندة بالفندق، ما قدرت أقرب وأوقف، دوخت، السما مفتوحة لأول مرة من 23 عاما».
أبو حميد يتحدث في سرد تجربته أنه طوال ست أشهر عاش مع مجموعة من الأسرى في غرفة لم يروا الشمس خلال تلك الفترة. وهم عندما يسردون تجاربهم كحال مجموعة من الأسرى يكون التركيز عن الفترة الأخيرة في تجربة سجنهم، فهي الأكثر قسوة ووحشية، لكنها لا تلغي حجم معاناة عمرها سنوات طويلة.

أطول مدة اعتقال
في تاريخ الحركة الفلسطينية

نائل البرغوثي الذي أمضى 45 سنة في سجون الاحتلال وهي أطول مدة اعتقال في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة يعتبر لوحده رحلة لتطور تاريخ الاحتلال ومقاومته خلال الفترة التي أمضاها في السجن.
وحسب الناشط ليث جعار فإنه في السنة الأولى لاعتقاله كانت الشهيدة دلال المغربي تقود عمليتها الشهيرة «عملية الساحل» التي أدت إلى مقتل 37 إسرائيليًا، أما في السنة الرابعة لاعتقاله فقد أسس فتحي الشقاقي حركة الجهاد الإسلامي. وفي السنة الثامنة لاعتقاله نفذت الجبهة الشعبية القيادة العامة عملية تبادل أسرى مع الاحتلال. وفي السنة الـ23 لاعتقاله كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية تنطلق وفي السنة الـ25 لاعتقاله كانت معركة مخيم جنين الشهيرة. وفي السنة الـ29 لاعتقاله كانت المقاومة تنفذ عملية اختطاف الجندي جلعاد شاليط التي نجحت من خلاله بتحرير نائل في السنة الـ34 لاعتقاله ليشم هواء الحرية مؤقتا ويعاد اعتقاله عام 2014.
في السنة الـ46 لاعتقاله كانت المقاومة تنفذ أكبر عملية هجوم في تاريخ فلسطين على الاحتلال الإسرائيلي. وفي السنة الـ48 لاعتقاله يفترض أن يتحرر للمرة الثانية على يد شبان جلهم أو كلهم لم يكونوا قد ولدوا حين اعتقال نائل.
ومن المفترض أن يطلق سرح نائل وهو من بلدة كوبر شمال رام الله، السبت، حيث وافق مجبرا على قرار الإبعاد «من أجل الكل» كما وصف.

عالم صامت شريك
باستهداف الإنسانية في فلسطين

منصور موقدة لديه حكاية مؤلمة أيضا، وهو ما يظهر في الفيديوهات التي صورته بعد تحرره، فهو في كل اللقاءات يبدو كمن يصرخ بحرقة وغضب، معبرا عن كمية الظلم التي عايشها هو والأسرى في ظل عالم صامت شريك باستهداف الإنسانية في فلسطين.
ويلازم موقدة كرسي متحرك حيث انه لا يقوى على الحركة منذ اعتقاله نتيجة إصاباته الخطيرة والمميتة، معدته بلاستيكية خارج جسده، يلازمه كيس بول وكيس براز.
وقضى موقدة أكثر من 23 عاماً من الاعتقال في ظل ظروف صعبة تضاعفت بعد السابع من أكتوبر.
وفي حكاية رابعة، بينما كانت تنتظر عائلة الأسير المحرر زيد العامر من مدينة نابلس، وصول نجلها إلى رام الله بعد 10 أعوام في سجون الاحتلال، فوجئت بعدم وجوده في حافلات الصليب الأحمر، ليتبين لاحقًا أن الاحتلال أبعده إلى قطاع غزة، رغم أن اسمه لم يكن مدرجًا في قائمة الإبعاد.
والأسير المحرر زيد العامر 35 عامًا من مدينة نابلس كان يقضي حكمًا بالسجن المؤبد مرتين و30 عامًا، على خلفية اتهامه بالمشاركة في عملية «إيتمار» عام 2015، وهو متزوجٌ وأبٌ لولدين وبنت.
وتعكس كواليس إبعاده إلى قطاع غزة بضغط من جهاز «الشاباك» في اللحظات الأخيرة قبل موعد تنفيذ عملية التبادل تعذيبا مضاعفا، حيث فوجئ بنقله مع عدد من الأسرى إلى سجن عوفر قرب رام الله لإجراء مقابلات مع جهاز «الشاباك»، حيث أخبره الضابط أن اسمه ورد ضمن صفقة التبادل مع حماس ومن المقرر الإفراج عنه إلى بيته في نابلس، قبل أن يبدأ بتصعيد لهجة التهديد ضده، ومن ثم قرار إبعاده.

مدى الحياة

وحسب الباحث في شؤون الحركة الأسيرة عبد الناصر فروانة فإن السجن المؤبد أو السجن «مدى الحياة»، هو الحكم الأعلى والأقسى الذي تفرضه المحاكم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين الذين شاركوا في تنفيذ أو حتى المساهمة والمساعدة بشكل ثانوي في تنفيذ عمليات أدت إلى قتل على خلفية نضالية في إطار مقاومتهم المشروعة للاحتلال الإسرائيلي، وهناك حالات صدرن فيها أحكام بالسجن المؤبد بحق أسرى لم توقع عملياتهم قتلى.
وتابع في حديث لـ«القدس العربي»: «لم تكتف المحاكم الإسرائيلية بإصدار حكم المؤبد لمرة واحدة بحق الأسير، وإنما تصدر أكثر من حكم بالمؤبد بحق الشخص الواحد على ذات التهمة وهي أحكام قد تصل إلى المؤبد عشرات المرات كما في حالة عبد الله البرغوثي الذي حكم بـ67 مؤبدا. ويعتبر الأعلى حكما، وهي أحكام خيالية الهدف منها محاولة الردع والانتقام من الأسير وعائلته أيضا التي تعاني هي الأخرى، فهذا الحكم لا سقف له، وغير محدد بالسنوات، وهي بذلك تحاول أن تبعث برسالة تهديد وإحباط.
وشدد فروانة على الأحكام الخيالية، مع الاستمرار باحتجازهم وسجنهم في ظروف صعبة لعشرات السنين، ورفضها الإفراج عنهم ضمن المفاوضات السياسية، وتهربها من استحقاقات العملية السلمية، وعدم مراعاة كبر سنهم وأوضاعهم الصحية، دفع ويدفع الفصائل الفلسطينية إلى اللجوء إلى خيار القوة والتمسك بخيار صفقات التبادل من أجل الإفراج عن المؤبدات وهي أملهم في كسر حكم المؤبد.
وتابع: «لقد بات لا أمل لهم بالحرية إلا في إطار صفقات التبادل».
وأضاف: «المؤلم أن أسرى المؤبدات، يجهلون تاريخ الإفراج عنهم، وكذلك عوائلهم، بعكس المحكوم بفترة زمنية محددة حتى ولو كانت حكم 30 سنة أو 40 سنة كما هي حالة الأسير السابق كريم يونس الذي افرج عنه في كانون الثاني/يناير 2023 بعد قضاء مدة محكوميته البالغة 40 سنة، وتلاه بأيام ابن عمه ماهر يونس الذي أمضى كل واحد منهم فترة حكمها كاملة وخرج من السجن، وغيرهما الكثير».
لذا فحكم السجن المؤبد، والحديث لفروانة وهو رئيس قسم التوثيق في هيئة شؤون الأسرى، مؤلم وقاسي، للأسير وذويه، «فالمئات من أسرى المؤبدات مضى على اعتقالهم سنوات طويلة، ولا أمل لهم بالحرية إلا في إطار صفقات التبادل أو في إطار الاتفاقيات السياسية والتي نجحت هي الأخرى في أوقات سابقة من تحرير الكثير منهم. لكن تبقى كلمة الحسم لصفقات التبادل التي تستطيع ان تفرض شروطها وتُجبر إسرائيل على الإفراج عن أسرى مؤبدات لطالما رفضت الإفراج عنهم ضمن الاتفاقيات أو التفاهمات السياسية أو في إطار الجهود والمطالبات الحقوقية والقانونية، لاسيما كبار السن وممن مضى على اعتقالهم سنوات طويلة.». وشدد على أن أسرى المؤبدات كتبت لهم حياة جديدة من خلال صفقات التبادل، فهي كلمة السر وأمل من لا أمل لهم بالحرية إلا في إطار الصفقات، وهم بالمناسبة يتسلحون بهذا الأمر ومنه يستمدون قوة صمودهم في مواجهة السجن والسجان».
وتابع: «كثير من أسرى المؤبدات (أفرج عن 50 في المئة من إجمالي المؤبدات حتى اللحظة) أمضوا في السجن من سنوات عمرهم أكثر مما أمضوه خارج السجن، وبينهم من ترك أبنائه أطفالاً، ليلتقي بهم شباناً داخل السجن، فكبر الأبناء وهرم الآباء. سنوات تمضي وأعمار تقضى في الأسر من دون ان يفقدوا الأمل وها قد تحقق أملهم». ويختم حديثه بالتطرق إلى جانب مهم في قضيتهم الكبرى حيث يشدد على أن خيار الإبعاد الذي يعتبر وسيلة للقمع والردع ومعاقبة الأسير ومجتمعه، جاء بعدما فشل الاحتلال في تحقيق ذلك من خلال فرض حكم المؤبد.
وأظهرت أرقام سابقة أن أعداد أسرى المؤبدات، الذين يقضون أحكاما بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، لمرة واحدة أو لعدة مرات بلغ قبل السابع من أكتوبر2023، قرابة 600 أسير من كافة المناطق الفلسطينية (القدس والضفة الغربية والقدس والمناطق المحتلة عام 1948 أو ما يُطلق عليهم «عرب الداخل» من حملة الجنسية الإسرائيلية).
وتشير الأرقام أنه كان من بينهم 19 معتقلا منذ ما قبل اتفاق «اوسلو» الموقع عام 1993، أقل واحد منهم مضى على اعتقاله 31 سنة وأكثرهم وأقدم أسرى المؤبدات والأسرى عموما اعتقل منذ 40 سنة على التوالي.
ويعد الأسير محمد الطوس (أقدم معتقل فلسطيني) من أبرز «أسرى المؤبدات» الذين أفرج عنهم في صفقة التبادل الحالية.
وكان الطوس الذي يبلغ من العمر 69 عاما، معتقلا منذ عام 1985، وينتمي إلى حركة «فتح» وقد حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وأمضى 40 عاماً بشكل متواصل في السجون الإسرائيلية.

اقرأوا قصص
أسرى المؤبدات ثلاث مرات

ووجه المختص في شؤون الأسرى حديثه للرأي العام العربي والعالمي قائلا: «أيها الناس اقرأوا قصص أسرى المؤبدات والأسرى القدامى وحكاياتهم ثلاث مرات، مرة لتتعرفوا على معاملة الاحتلال الإسرائيلي وسجانيه مع الأسرى الفلسطينيين، ومرة أخرى لتعرفوا كم هي معاناتهم ومعاناة ذويهم مؤلمة وقاسية، واقرأوها مرة ثالثة لتدركوا كم هم بحاجة إلى دعمكم ومساندتكم في ضمان حريتهم كمقدمة لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة».
وتحدثت أماني سراحنة، الباحثة ومديرة الإعلام في نادي الأسيرة حول أسرى المؤبدات بالتأكيد على أن خروجهم يغير من تركيبة وواقع الحركة الأسيرة. وقالت سراحنة في حديث لـ«القدس العربي»: «نحن إزاء فئة فقدت الأمل بالحرية والحياة الطبيعية، والإفراج عنهم يجدد فكرة احتمالية الإفراج عن أي أسير حكم عليه بالمؤبد».
وشددت على أن القضية تعكس وتعبر عن تحول كبير جدا، كما أن الأسرى يعون تماما الثمن الكبير للغاية الذي دفع ثمنا لهذه الحرية.
وختمت حديثها: «القضية التي تعكسها الصفقة وفي القلب منها أسرى المؤبدات تحتاج تعاطيا مختلفا، دراسات وربما كتب، نحن إزاء معايير مختلفة عن الصفقات السابقة، وبالتالي تحتاج لقراءة مختلفة، فهي مرتبطة باتفاق سياسي أوسع».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية