عناية جابر
أجهزت على روايات ثلاث بالغة الضخامة، للأمريكية مارلين روبنسون صدرت حديثاً عن دار ‘كلمة’ وترجمها سامر أبو هواش. ثلاث روايات: ‘تدبير منزلي’ و’جلعاد’ و’البيت’ لروبنسون، لم تغّشها الهالة الصلبة للمعرفة، فهي كلمة تعرّضت للشبهات لصلتها بالعلوم، بينما جوانب الحياة التي تكتشفها هذه الروايات مجتمعة، تكتشفها كشيء جميل.
تساءلت احياناً عمّا إذا كانت المؤلفة قد منحتنا كقرّاء، ايّ امل خارج (المأزق) الوجوديالمأساوي. لا. ليس أملاً بل هو شيء آخر، اكثر منه وأقلّ في آن. حتى لو كانت مارلين روبنسون في رواياتها أو ثلاثيتها، قد كشفت عن الموقف المنكر للحياة بجمال غريب أسود، فهذا الجمال هو إمكانية النصر الأخير للإنسان الذي لم يعد قادراً على الأمل.
في روايات روبنسون الجمال في الفن، وفي الضوء المتوهج فجأة لما لم يُقل من قبل.
هذا الضوء الذي يشّع في الروايات العظيمة، لا يمكن أن يعتمه الزمن، ولأن الإنسان ينسى دائماً الوجود الإنساني ويتغافـــــل عنــــه، فاكتشافات الروائيين مهما كانت قديمة، لن تتوقف عن إدهاشنا.
في ‘تدبير منزلي’ كما في ‘البيت’ و’جلعاد’ المأساة فيها المنسحبة على الروايات كافة، تعزّينا بتزويدنا بالوهم الجميل للعظمة الإنسانية، بينما الملهاة أكثر قسوة، في كشفها لنا، وبوحشية، عبث كل شيء.
كل السرد عند روبنسون بقي في وجهه الإنساني، وإن متضمناً جانبه الهزلي ليتسنى لنا كقراء، أن نكشف بعض مجهول الملهاة. من بين أغرب ما في حياة رجال الدين والقساوسة، هذا الذي كتبته مارلين روبنسون (كتبت بلسان قس) خصوصاً في ‘جلعاد’، قرأنا الكثير مما يكمن تحت سطح حياة الرواية، فهي مليئة بالحب، والحقد، والخوف، والشعور بالذنب، واللايقين، والشعور بالوحشة التي تجدها أيضاً حيث لا تتوّقع.
عائلة قساوسة أباً عن جدّ، كما لو الوعظ والتلاوات، كما لو الكنيسة باختصار طبيعة ثانية لهم: ‘إحدى الميزات الكبرى في أن تكون رجل دين هي ان ذلك يساعدك على التركيز. إذ يمنحك إدراكاً جوهرياً بما هو مطلوب منك فعلهُ وبما يمكنك تجاهلهُ على السواء. وإذا كانت ثمة حكمة يسعني تقديمها، فما أقوله الآن هو جزء مهّم منها’. في رواية ‘البيت’، القدر لم يكن لديه أيّ نيّة في أن يرفع إصبعاً من اجل بطلة الرواية غلوريا التي تعود الى بيت العائلة بعد طول اغتراب، لترى الأهل على حالهم والبلدة على حالها، والأشياء جميعها كما تركتها، بما فيها شجرة البلوط أمام البيت مازالت، الأقدم عمراً في الحي او البلدة.
في ‘تدبيرمنزلي’ ثمة اللحظة التي تأتي حين تفترق صورة حياتنا مع الحياة نفسها، وتقف حرّة، ورويداً رويداً تبدأ تحكمنا. في الرواية أيضاً، الإدراك بأن ليس من قوة قادرة على تغيير الصورة الشخصية (الأساس) للأبطال، التي تستقر في المحكمة العليا للقدر الإنساني.
قصائد ريفية، هكذا تبدو روايات مارلين روبنسون الأمريكية الحاصلة على عدد من الجوائز الأدبية على نتاجها الروائي، مولودة في سانت بوينت بولاية أوهايو (1943)قصائد ريفية تقترب في أجزاء في السرد فيها، من كتابة توني موريسون شاعرة الرواية بامتياز.
روبنسون بدورها جعلت كم هو رهيب الجمال ومرّوع. استلت الجمال من التفاصيل التي هي حياتنا الأصلية وغاصت في رصدها واستحضارها. حقاً أن هناك بعض أحجيات تستغلق على القارئ (في الاستشهاد الديني من الإنجيل والتوراة)، ويفكرّ فيها ويمعن التفكير، لكن السرد بالغ الرحابة، منتبه الى المطبّات، وموصل جيد الى خواتيم واضحة لما احتوى من الانضباط الذاتي، وأيضاً التدفق والعفوية، متخلصة روبنسون من ولع الأدباء بالتراكيب الأدبية المغرقة في الخيال والاستعارات المحوّمة، ثم انها تجالد الحقيقة عارية، لأنها ببساطة – الحقيقة، ولا مهرب منها، والأفضل هو فهمها ومواجهتها بالكتابة عنها، وهذا هو ما تضمّه روايات روبنسون الضخمة الثلاث. تتكرر أسماء بعينها في الروايات كافة، كما لو تؤكد الكاتبة على عصب قوي يربطحيوات كائنات رواياتها، فقصة حب غلوري لجاك تظل تطل برأسها في اكثر من موقع ورواية. كما ان الوالد في سرده ذكريات عن الجد (والده) لا يغيب حين تستدعي الرواية سنداً تستند إليه.
البكاء في تتالي الروايات عند روبنسون، من فكرة أن الحياة مصيدة، واننا ولدنا بدون أن نستشار، ووضعنا في جسد لم نختره، ومهنة لا تروق لنا، ومنذورون للموت مع ذلك. من ناحية اخرى، تفتح روبنسون بين الفينة والأخرى، كوّة للمأزومين، ذلك ان اتساع العالم يوّفر إمكانية دائمة للهروب. البنت التي عادت الى البيت ووجدت كل شيء على حاله مازال، كان يسعها الهرب ثانية. والقس الذي ورث مهنة القساوسة وأورثها لابنهكما لو يورثه مصيدة، وغلوري التي أحبّت ما صورّه لها خيالها لا ما هو موجود بالفعل، كلهم محكومون بشروط وضعوها هم بأنفسهم، ما غذّى الألم وجعله غير محتمل ومتشابهاً بدرجة كبيرة.
الروايات تنحو الى السيكولوجية، لكن لا يعني هذا أن روبنسون ترغب في تجريد شخصياتها من الحياة الداخلية، بل يعني أن هناك حياة أخرى، وأسئلة مغايرة يتبعها السرد في المقام الأول. هناك جمال هائل مع التأمل الذي تقدّمه الكاتبة على ما عداه، ومباشرة منذ السطر الأول في رواياتها، ثمة ذلك الدوار الذي هو نشوة الضعيف، واعياً بضعفه، فيقرّر أن يستسلم له بدل مقاومته. الشخصيات مغمورة بالضعف الإنساني وترغب مع ذلك في أن تغدو اكثر ضعفاً. الضعف، أحد أهمّ مفاتيح روايات روبنسون.