حياة ‘مارغاريتو دوارتي’ الطويلة السعيدة

حجم الخط
2

من النادر أن نجد نصا ‘للكاتب الكولومبي العالمي الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1982 لم تترجم إلى العربية. ومع ذلك، عثرت مصادفة، أثناء تصفحي لأعداد قديمة من صحيفة ‘الباييس’ الاسبانية على قصة له لم تترجم على حد علمي – إلى لغة الجاحظ. غير أنني أثناء قراءتي لهذه القصة التي تحمل عنوان La larga vida feliz de Margarito Duarte أو ‘حياة مارغاريتو دوارتي الطويلة السعيدة’ (الباييس، 23 سبتمبر 1981)، خيل إلي أنني سبق وأن قرأت مقاطع منها في مكان ما. وهكذا انغمست في البحث عن حل لهذا اللغز الذي كلفني أسابيع من النبش في أعمال ماركيز، وفي النهاية عثرت على قصة تشبهها كثيرا ولكنها أكثر توسعا عنوانها ‘القديسة’ وصدرت ضمن مجموعة ماركيز القصصية الموسومة بـ’اثنتا عشرة ‘قصة قصيرة مهاجرة’ (1992) التي ترجمها إلى العربية الصديق صالح علماني.
وهكذا يمكن القول إن القصة التي نقدمها في ما يلي، هي بمثابة البذرة التي انطلق منها ماركيز لكتابة نص آخر اختار له عنوان ‘القديسة’ وضمنه في المجلد الذي يضم أعماله القصصية الكاملة(.
رأيت مارغاريتو دوارتي مجددا. لقد ظهر فجأة في أحد شوارع روما القديمة الضيقة والهادئة، ولم يفاجئني فقط بمظهره الذي لم يتغير كروماني عجوز، وإنما أيضا بعناده العبثي. في المرة الأخيرة التي رأيته فيها، قبل أكثر من عشرين عاما، كان لا يزال يحتفظ ببدلة موظفي ‘الأنديز’ الجنائزية وبسلوكهم المراوغ.’واليوم، بدت لي ردود فعله صادرة عن رجل لا ينتمي إلى أحد آخر باستثناء نفسه. وفي أعقاب ساعتين تقريبا من الذكريات المشبعة بالحنين في أحد البارات الصغيرة بتراستيفيري، تجرأت على أن أطرح عليه السؤال الذي ظل يتأجج في داخلي:
لكن، قل لي، أين القديسة؟
إنها هنا. تنتظر.
كنا، أنا والمغني الصادح رافائيل ريبيرو سيلبا، الوحيدين القادرين على تفهم ما في الجواب من شحنة إنسانية رهيبة. لقد كنا نعرف الدراما جيدا إلى درجة أنني اعتقدت طوال سنوات عديدة أن مارغاريتو دوارتي كان الشخصية التي تبحث عن مؤلف التي ننتظرها، نحن الروائيين، طيلة حياتنا؛ وإن كنت قد اتخذت قرارا بالتهرب، فذلك لأن نهاية حكايته كانت ومازالت- غير متوقعة ويكاد يكون من المستحيل استنباطها.
وصل مارغاريتو دوارتي إلى روما خلال صيف 1954. كانت المرة الأولى التي يغادر فيها قريته البعيدة الواقعة في ‘الأنديز’، ولم يكن يحتاج لقول ذلك، لكي يدرك الإنسان الأمر من أول نظرة. لقد ظهر ذات صباح في قنصلية بلده بروما، مع تلك الحقيبة المصنوعة من خشب الصنوبر الملمع التي كانت تشبه في حجمها وشكلها علبة فيولنسيل، وشرح للقنصل سبب رحلته المدهش. حينئذ هاتف القنصل صديقه، المغني الصادح الكولمبي رافائيل ريبيرو سيلبا، لكي يجد لمارغاريتو دوارتي غرفة في البنسيون الذي كنا نعيش فيه أنا وهو. هكذا تعارفنا.
في ذلك اليوم نفسه روى لنا حكايته. هو لم يتجاوز المدرسة الابتدائية، لكن ميله للآداب دفعه لتلقي تكوين ثقافي أوسع، عبر قراءته الواعية والشغوفة بعض الشيء لكل المواد المطبوعة التي تقع عليها يده.
في سن الثامنة عشر كان قد تزوج من أجمل فتاة في مقاطعته، توفيت بعد عامين، تاركة وريثة أجمل منها، ماتت بدورها بعد فترة قصيرة في سن السابعة. كان مارغاريتو متفقدا للآلات العمومية في بلديته منذ أن أنهى تعليمه الابتدائي. وقد بقي كذلك إلى أن قادته إحدى ألاعيب قدره إلى تلك الرحلة الجنونية التي من شأنها أن تغير مجرى حياته إلى الأبد. لقد بدأ كل شيء قبل وصوله إلى روما بستة أشهر، عندما كان يتعين تغيير مكان مقبرة القرية لتشييد مؤسسة. وقد قام مارغاريتو دوارتي، مثل كل سكان المنطقة، بإخراج جثث أهله من قبورها لنقلها وانتهز الفرصة لوضعها في توابيت جديدة. لقد تحولت الزوجة إلى رميم بعد مرور اثني عشر عاما، لكن الطفلة بقيت سليمة. إلى درجة أنهم عندما فتحوا التابوت فاحت رائحة الورود النضرة التي دفنوها معها. وقد سمعت الأصوات التي أعلنت عن المعجزة على الفور في أماكن بعيدة جدا من مقاطعته، وطيلة كامل الأسبوع هرع إلى القرية من الفضوليين ما لا يمكن توقعه. لم يكن هناك شك: عدم تفسخ الجسد كان دائما من أعراض القداسة الأكثر وضوحا، وحتى أسقف الأبرشية نفسه كان موافقا على ضرورة أن يصل خبر هذا الحدث إلى ‘الفاتيكان’ لكي يعطي المجمع المقدس للطقوس حكمه. وهكذا أقيمت حملة لجمع التبرعات العامة لكي يتمكن مارغاريتو دوارتي من السفر إلى روما ويناضل في سبيل قضية لم تعد قضيته وحده، ولا تخص فقط نطاق قريته الضيق، وإنما صارت شأنا وطنيا.
أثناء سرده لحكايته، فتح مارغاريتو دوارتي القفل ثم غطاء التابوت المصنوع بإتقان والذي كان يشبه علبة فيولونسيل، وبالتالي شاركنا أنا والمغني الصادح ريبيرو سيلبا في المعجزة. لم تكن مومياء ذاوية مثل تلك التي نراها في عديد المتاحف في العالم، فقد كان يمكن الخلط بين هذه الأخيرة وبين مخلوق ظل نائما طيلة اثني عشر عاما تحت الأرض. لم يكن لها لون العسل الراكد، وكانت عيناها المفتوحتان شفافتين وحيتين، وتعطيان انطباعا لا يمكن رده بأنهما تنظران إلينا من قاع الموت. لقد ألبست الطفلة فستان عروس بكر لتكفينها، تماشيا مع تقليد قديم جدا خاص بتلك المنطقة، ووضعوا في يدها باقة ورد.
غير أن ساتان الإكليل وأزهاره الاصطناعية لم تتحمل سطوة الزمن ولم تبق بصحة جيدة مثل البشرة. علاوة على ذلك، كان أكثر ما يثير الدهشة هو أن الشعر لم يتوقف عن النمو وكان يصل إلى قدميها. وقد حدث الأمر نفسه مع الأظافر، لكن قصّت لها بقرار حظي بإجماع القرية. ذلك أنه حتى شارحو ]الكتاب المقدس[ الأكثر أصولية كانوا متفقين على أنه مشهد يتعارض مع القداسة. في كل الحالات، كان مارغاريتو دوارتي يحتفظ في قنينة بالأظافر المقصوصة. في صورة لزومها كدليل إضافي على المعجزة.
كان مارغاريتو دوارتي قد بدأ مساعيه خلال الأشهر الأخيرة من نفس الصيف الملتهب والصاخب. في البداية، وجد بعض الدعم من المصالح الديبلوماسية لبلده، لكنه سرعان ما بقي تحت رحمة وحيه الذاتي. بيوس الثاني عشر، البابا في تلك الفترة، لم تصدر عنه أية إشارة تدلّ على أنه قد أخبر بالمعجزة. بل والأكثر من ذلك أن كتابة الدولة لم تردّ أبدا على الرسالة المخطوطة التي تقارب الستين صفحة التي كتبها مارغاريتو دوارتي وقدمها وسلمها بنفسه.
في الصيف الموالي تخلى عن مساهمة ديبلوماسيي بلده التي لا جدوى منها وذهب وحده إلى كاستيلغاندولفو مع تابوت القديسة لكي يريها للبابا، وهو أمر كان مستحيلا لأن الحبر الأعظم لم يكن يتجول بين السياح الذين كانوا يتوافدون من جميع أنحاء العالم لرؤيته، لكنه ظهر في شرفة من البهو الداخلي، ومن هناك ألقى ست مرات الخطاب نفسه في ست لغات. ومع ذلك، لا تلك الخيبة الأولية ولا الخيبات المتعددة والقاسية التي تعرض إليها منذ ذلك الحين قد نجحت في زعزعة إرادته.
مارغاريتو دوارتي الذي لا يهزم. خلال الأسبوع الفارط بينما كنا نتحادث في حانة تراستيفيري الصغيرة، لفت انتباهي إلى أن أربعة باباوات قد توالوا منذ وصوله، مما يعني أن هناك أسبابا تجعله يعتقد أن إمكاناته، من الناحية الإحصائية، تزداد كل يوم. بعد هذا لم يعد لدي أي شك: القديس إنما هو. دون أن يدرك، ومن خلال جثة ابنته السليمة ، مضت أكثر من عشرين عاما على مارغاريتو دوارتي وهو يكافح في الحياة في سبيل قضيته العادلة للدخول في عداد القديسين.
ترجمها عن الاسبانية: وليد سليمان

1981

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية