حيادية نوري المالكي بين أمريكا وإيران

حجم الخط
0

أمير المفرجي يتفق أغلب متتبعي المشهد السياسي العراقي في أن النظام الحاكم في العراق، الذي جاء عن طريق تواطؤ مراكز قوى أميركية وإيرانية، قد بدأ يتعرض إلى ضغوط من قبل نفس هذه القوى، نتيجة للتغيرات والتطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية الإقليمية للبلدان المحيطة لهذا البلد. حيث كان لهذخ التطورات الأثر الكبير في زعزعة حالة التوافق الإيراني ـ الأمريكي التي تمتع بها النظام العراقي طيلة العشرة سنوات الماضية، بعد أن أستطاع هذا النظام من الاستفادة من هذه الفرصة، و(اللعب على الحبلين) الأمريكي والإيراني والتستر خلف معيار الحيادية، من أجل إبقاء مكتسباته المذهبية والحفاظ عليها بعيدا عنً تداعيات الثورات العربية بصورة عامة، وخطر الأزمة السورية القادم بصورة خاصة. وقد تطرح حالة الحياد المعلنة للنظام العراقي السؤال عن مدى استطاعة الحكومة العراقية، التي يسيطر عليها نوري المالكي في الاستمرار والمراوغة واللعب على الحبلين، وتنفيذها للأجندتين الأمريكية والإيرانية في وقت واحد، من خلال استجابتها لكلا الطرفين، واتخاذها لمواقف مزدوجة، تحظى بقبول واشنطن وطهران، انطلاقا من منطق الحيادية التي تدعي انتهاجها، فيما يتعلق بالأحداث التي تشهدها سورية.وإذا كان لأهمية هذا التواطؤ الأمريكي ـ الإيراني في عراق ما بعد 2003، الدور الكبير في نجاح مفهوم الحيادية التي انتهجتها الحكومة العراقية في سيطرتها على زمام الأمور، بيد ان عوامل استمرارية نجاحها، وقدرة استجابة هذه الحكومة للطرفين، من خلال اتخاذ مواقف تحظى بقبول واشنطن وطهران قد يضعها في موقف حرج، اذا ما أخذنا بعين الاعتبار حجم التغيرات المهمة القادمة التي سوف تشهدها الساحة الإقليمية، ناهيك عن وضوح الرؤى الاقليمية والدولية والبدء بمساعدة الشعب السوري لإسقاط نظام الأسد، ومنع حليفه الإيراني من بسط نفوذه في العراق وسوريا وإكمال مشروعه النووي. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو، أين ستكون حدود هذه (الحيادية)، وهل ستحتم هذه التغيرات المهمة القادمة في سورية وإيران على حكومة نوري المالكي وإجبارها بالاختيار ما بين الطرف الإيراني، ومابين الطرف الأمريكي. وهل سيتم الاقرار برضوخ هذا النظام لضغوط هذا الطرف أو ذاك كخطوة قادمة في تغييره، أو تحديد اتجاه بوصلته، من أجل الاستمرار والبقاء في السلطة في العراق؟.لا شك بأن فشل الجانب الأمريكي في إقناع حكومة نوري المالكي بقبول خيار تغيير النظام في سوريا، أو نجاح الجانب الإيراني في تحييد أصدقائه في العراق في ما يتعلق بالملف السوري، سينهي حالة الحيادية والتوافق المعلنة هذه، وسوف يدفع بالتالي بالجانب الأمريكي في إعادة رؤيته للأمور، ورسم جديد لشكلية المشهد السياسي العراقي، عن طريق ترتيب خارطة طريق سياسية عراقية جديدة تخدم إستراتيجية الإدارة الأمريكية وأجندتها التي جاءت من أجلها للعراق والمنطقة. لا سيما وان هذه الإدارة لازالت تحتفظ بأوراقها الضاغطة على حكومة نوري المالكي، وإنها سوف لا تسمح للذين جاءت بهم على ظهور دباباتها لحكم العراق، من تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لهم. وهذا ما يُـفسر أسباب زيارة رئيس هيئة الأركان الأمريكية مارتن ديمبسي الأخيرة إلى العراق، وحجم الارتباك الأخير الذي ترجمته تصريحات نوري المالكي، ووعوده الأخيرة بالبدء في تنفيذ الاصلاحات، من خلال لقائه المفاجئ مع اسامة النجيفي القريب من الولايات المتحدة وتركيا، تحسبا من زيارات النخبة العسكرية والرسمية القادمة للعاصمة بغـداد، والتطورات القادمة التي قد تحصل بسببها. حيث سيتم خلال الزيارة المرتقبة للوفد الأمريكي بحث الازمة السياسية العراقية وتطوراتها مع الازمة السورية التي تبقى ضمن اهتمامات واشنطن الأولى.فثمة أسباب مهمة اذن قد دفعت لزيارة رئيس هيئة الأركان الأمريكية مارتن ديمبسي الأخيرة إلى العراق،وثمة تطورات مهمة قريبة قد تدفع لزيارات قادمة اخرى، يرجح أن يكون على رأسها رئيس الولايات المتحدة الأميركية بارك اوباما او مساعده جو بايدن، قد تصب في إطار الاستعداد الأمريكي إزاء تطورات الأوضاع الأخيرة في سوريا واتساع دائرة النفوذ الإيراني في المنطقة. حيث أصبح من المؤكد ان السبب الرئيسي لهذه الزيارات وتوقيتها في هذا الفترة بالذات، هو من أجل الضغط على نوري المالكي، تعقيبا وانسجاما لرؤية واشنطن في وضع حد نهائي لتخندق النظام وانحيازه الصريح للإستراتيجية الإيرانية، عن طريق قيام بعض المسؤولين أو أطراف سياسية داخل الحكومة العراقية بتسهيل تهريب الأسلحة الإيرانية لدعم النظام السوري.وبمعنى أخر إنهاء حالة التواطؤ العراقي والبدء بالتعاون مع المجتمع الدولي ضد نظام بشار الأسد في سورية. حيث تسعى أمريكا من خلال تحذير الجانب العراقي على ضرورة الكف من مدّ يد العون لنظام دمشق، والسماح بسقوطه بعد التأكيدات الأخيرة بتحول الأراضي والمؤسسات العراقية إلى جسرا وممرا آمنا (للجمهورية الإسلامية) لإمداد النظام السوري بالدعم اللوجستي، ناهيك عن تورط حكومة نوري المالكي في مد يد المساعدة لإيران من أجل الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها، من خلال عمليات تهريب النفط وعبر شبكة مؤسسات مالية تعمل على تزويد طهران بالعملة الأجنبية الصعبة.ان استمرارية المراوغة واللعب على الحبلين المذهبي الإيراني والغربي الأمريكي، او ما يسميه النظام في بغداد بـ (الحيادية)، والعمل بين ما يتمناه الولي الفقيه، وما يريده عدوه (الشيطان الكبير)، سوف يصطدم عاجلا ام أجلا بحقيقة الأمر الواقع. حيث ان ما يتطلبه الواقع السياسي العراقي الحالي هو موقف عراقي مستقل بعيد عن املاءات القوى الخارجية، وهذا ما فشل في الوصول اليه النظام العراقي، بعد ان رمى نفسه في أحضان وارتباطات خارجية ليس للعراقيين فيها ناقة ولا جمل. ‘ كاتب من تيار المواطنة العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية