حيث تمكث الغزلان
ماجد عاطفحيث تمكث الغزلانانه يوم آخر طويل وأنا ممتلئ بالخواء.لا معني لشيء، لا الزيتون ولا الحقول ولا الشارع الملغي المسدود الذي تحوّل الي ممر ثكنة عسكرية. وحتي عندما قررت أن أسرح لجمع الزيتون، فقد كانت الفكرة هي أن أتسلق و أخرط الثمر فقط، ولا شأن لي بالجمع. وحين اعترضتنا الدورية وأجبرتنا بعد التفتيش علي النزول من السيارة ومواصلة الطريق سيراً علي الأقدام لم أشعر بشيء البتة. فقط تنبّهت الي أعمار الجنود ورأيتهم أصغر من أن يكونوا جنوداً..الغرسات تحولت الي شجيرات كثيفات، وقطعة الأرض حافظت علي حدودها المتهدمة مع أنها اختفت تماماً من ذاكرتي، أما الروميات العتيقات فبدت لي أنها تقلصت ما خلا جذوعها المتقشرة الخشنة. وما زالت قدماي حين تغوصان في أثلام التراب قليل الحرث تنثنيان وتؤلمان. ولا أدري ما الذي أغراني باصطحاب طفلي الي شيء لم أحبه قط، لكني عقدت العزم قديماً علي أن أمرر ما يصلني عن طريق الارث، دون اعاقة أو تدخل.لست سوي جسر زمني كئيب لا يعني الكثير. نقطة فيء وستذوب يوماً. لا الزيتون يعني لي شيئاً ـ مع أنني أحب الزيت ـ ولا الأرض.وبقيت كما أنا أخرط بضجر الحبات الشلتونيات المتناثرات من فوق الأغصان كيفما اتفق، تاركاً ما علا، وتطرف أو أضرب عن الأرض بعصا أتكئ أيضاً عليها، أو أحاول أن أصغي لأصوات الجيران دون أن أفقه شيئاً؛ بقيت كما أنا حتي.. لمحت الي جانب السناسل ، بين الأشواك والعشب اليابس، بقعاً جرداء ناعمة كأن حيوانات تقلّبت فيها أو رقدت، والكثير من كومات البعر.وأردت أن أتأكد مما راودني فسألت العجوز مشيراً باصبعي.ـ بعر غزلان؟ـ نعم..كان المعسكر لا يبعد مئتي متر عن المكان الذي اختارته غزلان البر لتبيت فيه أو تمكث: بعيداً عن قرية رتيبة بتفاصيلها ونهمها للاصطياد، وفي كروم الزيتون المهجورة المهددة بالمصادرة، أسفل معسكر يوشك أن يطلق الرصاص علي كل ما يتحرك!وفجأة سكنني معني مطلق واسع صامت جعلني أفكر بقية اليوم في شيء واحد..كاتب من فلسطين0