بيروت ـ “القدس العربي” ـ من ناظم السيد:
لا يقع كتاب محمود درويش الصادر أخيراً عن دار رياض الريس للكتب والنشر بعنوان حيرة العائد، لا يقع في الراهن رغم كونه مقالات مختارة. هي مقالات أو كلمات سبق نشرها في مناسبات عدة منها موت أصدقاء وشعراء أو توقيع دواوين أو تكريمات. لكنها رغم ظرفية مناسباتها تنطلق دائماً من قضية أو قضايا طالما شغلت الشاعر في رحلته الشعرية المتعددة وذات المستويات والاتجاهات والمضامين. هذه القضايا الوجودية والإنسانية والشعرية أخرجت الكتاب ـ ومن قبله المقالات ـ من المناسبة وأخذتها إلي الكلام الذي يتخذ معناه من التجربة الإبداعية لا من الظرف الطارئ والعابر. وربما كانت شعرية درويش وفلسطينيته، بما تحيل هذه الأخيرة علي المأساة المتواصلة، سببين في إخراج هذه المقالات/ الكتاب من اللحظوي إلي الزمني، ومن الجغرافي إلي التاريخي، ومن الشخصي إلي الجمعي.
ينقسم كتاب حيرة العائد إلي ثلاثة أقسام. في الجزء الأول هنا/ هناك… الآن ينهمك الشاعر في الحديث عن المكان. إنه يتحدث عن تونس وبيروت وفلسطين. لكن الكلام هنا لا يلبث أن يأخذ جدلية ثنائية كما هي حال علاقة درويش مع الثنائيات. هي ثنائيات فرضتها الهجرة القسرية من فلسطين أو الترحيل والإقامة في المنفي. هكذا يصبح المكان في هذه المقالات جدلاً بين الوطن والمنفي، بين الداخل والخارج، بين البيت والطريق، بين المقيم والراحل، بين الذات والغريب، بين الأنا والآخر، بين النفس والعدو. هذان الرواح والإياب ثيمة في كتاب درويش وربما في الكثير من شعره. ثمة علاقة ملتبسة مع المكان لدي درويش تنسحب بدورها علي نواحي الحياة وعلي الثقافة والمفاهيم. تتبادل مفاهيم درويش المكانية الأدوار: المنفي وطن مؤقت والوطن منفي بعيد، الضحية اليهودية تصبح جلاداً إسرائيلياً، والضحية الفلسطينية قتيل بلا قاتل (هكذا يُراد لها وإن كان محمود درويش يعي عكس ذلك)، الأنا الضحية كذلك لا تتحقق إلا من خلال الآخر الجلاد، المنفي لا يستطيع تعريف نفسه إلا من خلال الوطن المقيم بداخله، وهكذا. نحن أمام عالم يُستدلُّ عليه بنقيضه: الأبيض يُظهره الأسود، الخيّر يُظهره الشرّير، السمائي يعكسه الأرضي، وهكذا. عالم تزيد من حدته النقائض علي قول دوقلة المنبجي: والضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ.
من الخارج، يبدو للناظر أن الشتات الفلسطيني ينعكس تشظياً في كتابة محمود درويش. هذا صحيح من الخارج. لكن من الداخل، يحافظ درويش علي تماسكه. إنه يعرف أن هذه الأضداد امتحان للأنا. هذه الأنا التي لا تتطوّر وتتقدّم وتتغيّر وتتبدّل إلا عبر تجريبها بضدّها. هي كتابة تكشف عن حسٍّ عميق بالدراما، إذ تبدو الدراما نوعاً من الصراع بين متناقضين.
يخصص محمود درويش القسم الثاني من كتابه لرثاء الأصدقاء بدءاً بتوفيق زيّاد ومروراً بإميل حبيبي، المربي إبراهيم أبو لغد، فدوي طوقان، ياسر عرفات، محمد الماغوط، ممدوح عدوان، سمير قصير، إسماعيل شمّوط وانتهاء بجوزيف سماحة. لكن حتي في هذا القسم الشخصي والحميم، يعرف درويش كيف يقدّم إلي القارئ مادة تتجاوز الرثاء لتدخل في الأدب والسياسة، وفي النقد تحديداً ذلك أن رثاء درويش لرفاقه هؤلاء يذهب أبعد من التأبين ليكشف لنا محمود درويش القارئ. محمود درويش العارف بزمنه وبجيله والواعي لخصوصيات هذه الشخصيات وإضافاتها ومواقعها ونتوءاتها وتمايزها. بكلمات قليلة يقدّم الشاعر الشعراء الآخرين الذين جايلوه ورحلوا قبله، لكن القارئ يدرك أن درويش يقرأ من سبقه بقليل ومن جايله بهذه الكلمات القليلة. وهذه القراءة هي التي تخرج رثاء درويش من مناسبته لتضعه في موضع آخر أقرب إلي النقد. الأرجح أن درويش يظهر في هذا القسم أنه لا يحتمل الكلام المجاني، كلام الرثاء، حين يضيف إليه تلك الخبرة في الثقافة والمسؤولية في إبداء الرأي.
يختص القسم الأخير من حيرة العائد بالشعر، بالكلام علي الشعر. النصوص الذي يضمها هذا القسم هي عبارة عن مقالات عن السيّاب ونزار قباني وسعدي يوسف، إضافة إلي كلمات في تواقيع كتابي جدارية و كزهر اللوز أو أبعد ومقدمة المختارات الشعرية التي نشرتها بالفرنسية دار غاليمار مع كلمات في مناسبات تكريمية. لكن ما يجمع بين هذه وتلك هو الشعر نفسه. وهنا، في هذا القسم بالضبط، يظهر درويش قدرته النظرية في قراءة الشعر، شعر الآخرين وشعره. إنه يعرف موقع السيّاب وأهمية نزار قباني واختفاء سعدي يوسف خلف عبارته واقتراحاته اللغوية. إنه يعرف المراحل الشعرية ولا تأخذ منه الحداثة مأخذاً أيديولوجياً، أي تحوّل هذه الحداثة نفسها إلي أيديولوجيا، مثلما يعرف تجربته الشعرية بشعاراتها وقوتها، بمنبريتها الأولي وترسباتها الأخيرة، بتحولاتها من السياسي إلي الميثولوجي، ومن الوطني إلي الهامشي من غير أن يفقد نصه الجديد أبعاده السياسية والوطنية. كذلك يعرف كيف احتل شعره الوجدان العام من خلال كتابة الخاص، وكيف دخل إلي الوجدان نفسه من باب الشخصي. ذلك أن التجربة الخاصة للشاعر كفلسطيني تتداخل مع تجربة الجماعة، تجربة الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً. في النهاية يستنتج القارئ أن محمود درويش أحد الشعراء العارفين بشعرهم. إنه مهندس قصيدته. يدرك ما يريد من نصه وما هو نصُّه. أقصد أن مقالات درويش، ولا سيما عن الشعر والشعراء، تفضح جانباً من منطقه. منطق النثر يفضح غيبوبة الشعر، أي ان نثر الشاعر يكشف شعره. من نثر درويش نعرف أولوياته في البناء الشعري والإيقاع والشغل المتقن علي الصورة وترسيب الفكرة في النص والميل إلي إنتاج معني كامل والحرفة في تنقيح النص وصناعة قصيدة تتوجّه إلي القارئ والناقد معاً. حيرة العائد كتاب يضيء درويش من غير أن يكون الشاعرُ ناقدَ نفسه بامتياز.