حيرة نورة فيلم قصير لرشيد الشيخ: عينان بريئتان ترصدان حركة الخارج وبواطن الشخوص
عزيز الحاكم حيرة نورة فيلم قصير لرشيد الشيخ: عينان بريئتان ترصدان حركة الخارج وبواطن الشخوصيذخر الفيلم القصير قدرة استثنائية علي تفجير الطاقة الخلاقة لدي المبدع السينمائي، والفضل في ذلك يعود إلي كثافة المعني وانشحان الصورة بأبرز الدلالات الكفيلة بإثارة المشاعر وتبليغ الرؤي. يضاف إلي هذا الـ ما قل ودل فطنة مضمرة يدسها السيناريست والمخرج في ثنايا اللقطات كي يحركا من خلالها غفلة المشاهد ويجبراه علي التحلي بالنباهة واليقظة علي امتداد الشريط، لأن أدق العناصر والتفاصيل في الفيلم القصير تكتسي أهمية قصوي، فهو أقرب ما يكون إلي قصائد الهايكو اليابانية التي تتيح للشاعر أن يختزل الكون في ثلاثة أبيات.من هذه الزاوية يمكن اعتبار شريط حيرة نورة (14 د) للمخرج رشيد الشيخ بمثابة رهان بالصورة علي تجريب هذه الإمكانيات الواردة أعلاه، فقد استطــاع خلال هذه الدقائق المعدودة أن يقدم مجموعة من الإشارات السينمائية التي يساعد الانطــــلاق منها علي تكـــوين صورة عامة تتآلف داخلها عدة مكـــونات حكائية وجمالية، وتعكس بالتالي مشاغل وطباع الشخصيات العشر التي ينبني عليها السيناريو،مع التركيز علي بعض الشخصيات المحورية: الأم (نزهــة الركراكري) الأب (عمر شنبوط) البنت المخطوبة (حنان الإبراهيمي) الطفلة (ياسمين الشيخ)، علما بأن كل الشخصيات في الفيلم القصير تحظي بأهمية نوعية، لان الجزء فيه يضيء الكل.وحكاية حيرة نورة تبدو في غاية البساطة: فتاة في الثلاثين من عمرها، عاطلة عن العمل، يتقدم شاب من أبناء الحي لطلب يدها.وفي صباح الخطوبة تتوصل برسالة عمل، فتحتار بين قبول العمل وقبول الزواج. غير أن تشعيب خيوط الحكاية وربطها ببعض المؤشرات الدلالية هو ما يغلف بساطتها ويرقي بها إلي مستوي إشكالي أكبر. وتتجلي هذه الملامح الإشكالية في كون المخطوبة حاصلة علي دبلوم الدراسات العليا لكنها نزيلة البيت. وهذا يعني في المقام التأويلي الأول أن الدراسة هنا لا تفضي إلي العمل وأن المعرفة لا تؤدي إلي التحرر.وينتج عن ذلك انشغال الفتاة بنفسها في انتظار المنقذ ـ الرجل. بعد ذلك تدفعنا اللقطات المعروضة في الفيلم إلي الوقوف علي محددات علائقية أخري في وسط عائلي محافظ تسيره المرأة، وهذه مفارقة أخري، فقد ظل الأب منذ بداية الفيلم إلي خاتمته حبيس نفس الزاوية يقرأ في كتاب (لعله دلائل الخيرات ) ويستعيذ في صمت من تحركات زوجته التي لا تستقر في مكان ولا تثبت علي حال، تتحرك مثل نحلة نرجسية وتترنم بأغاني أيام زمان، كأنها هي الموعودة بالخطوبة. أما العنصر الإشكالي الثالث فانه يبرز مع وصول رسالة العمل. وهنا تجد نفسها محتارة بين إفشاء النبأ وكتمانه، وفي ظنها أن الخطيب لن يسمح لها بالخروج إلي العمل. وتشكل هذه اللحظة بكل ترقباتها عصب الحبكة الفيلمية، أثناءها تتحول باقي العناصر إلي روافد دلالية تصب جميعها في نفس السؤال: ـ كيف ستتجاوز نورة حيرتها؟ وعلي الفور يختار المخرج حلا سعيدا، أو اقتراحيا، لحل هذا الإشكال. وحينها تخلع الفتاة الحجاب الذي كانت تعتمره وتتقدم صوب الخطيب واضعة رسالة العمل فوق صينية فضية. وأمام دهشة الجميع يقبل الخطيب بالعمل وتقبل هي الأخري به زوجا لها، ويرتاح الكل.لكن الحكاية في حد ذاتها ليست هي ما يضفي علي الشريط مسحة جمالية متميزة، لأنها مجرد واسطة حكائية للكشف عن دواخل الشخصيات وطبيعة العلاقات ودور الأطفال في تدوين التاريخ السري داخل بيوت هذه المدينة ـ فاس ـ التي تنكفئ علي خباياها في صمت عجيب. ولذلك أوكل المخرج أمر المعاينة والشهادة لطفلة في العاشرة من عمرها (ياسمين الشيخ) وجعلنا نري الأحداث بعينيها الباسمتين المترصدتين لكل صغيرة وكبيرة. وهذه حيلة ضرورية ما دام الأمر يتعلق بحريم شبه مغلق وجدت الكاميرا نفسها في أكثر من لقطة مرغمة علي عدم اقتحامه، واكتفت بالتحويم حول الأركان والحيطان المزلجة والمرايا والشبابيك والأبهاء والدرجات والسطوح، من أجل تقديم بانوراما معبرة تؤطر فضاء الأحداث والعلاقات، وتفتح إطار المعالجة السينمائية علي ما هو أعم من قضية اجتماعية.وكما أن للفيلم القصير مزية التكثيف الحكائي فان له أيضا خصوصية التصوير الشاعري الذي يجعل العين في قلب الحدث وعلي مقربة من الشخصيات بفضل المتابعة والتشارك الوجداني، ولذلك ركز المخرج علي اللقطات المكبرة في معظم الأحيان، وعلي الكادرات المضاءة بمقاس يساعد علي تحقيق نوع من الحميمية بين المشاهد واللقطة.ورغم أن الموضوع اجتماعي في العمق إلا أن اعتماد تقنية الصمت وبلاغة الصــــورة وخطاب النظرات أنقذ الفيلم من السقوط في الميلودراما الفجة. وتبرير ذلك في ما يبدو استفادة رشيد الشيخ من العمل التقني إلي جانب مخرجين مغاربة متميزين، ومنهم علي وجه التحديد وباعترافه: محمد عبد الرحمان التازي وفريدة بليزيد، وهذا ما تؤكده مراوحة شريط حيرة نورة بين الواقعية الذكية والتأمل الخشوع.وسيرا علي تجريبية الفيلم القصير أسند المخرج بعض الأدوار إلي ممثلين مسرحيين : نزهة الركراكي ـ محمد السقاط ـ عبد النبي مصواب ـ كريمة بلوك. وهذه مجازفة صغري أراد بها أن يختبر قدرته علي تحويل عادة التشخيص الخارجي المضخم المألوف في المسرح إلي أداء داخلي مركز في شريط سينمائي لا يلجأ إلي الحوار إلا من أجل إكمال الحركة والنظرة. وقد كسب رشيد الشيخ هذا الرهان خصوصا في إدارة ممثلة (نزهة الركراكي) قضت مدة طويلة في تشخيص أدوار مسرحية وتلفزيونية قائمة علي الثرثرة، وبذلك كشف النقاب عن حضور مغاير لا شك في أن السنوات القادمة ستؤكده بإسناد أدوار سينمائية أخري لهذه الممثلة الجريئة.هذه إذن هي العتبة الأولي التي اختار رشيد الشيخ أن يوطد فيها قدميه في أفق مزاولة الإخراج السينمائي المتكئ علي تجربة بصرية غنية ومشحوذة في رحاب الأندية السينمائية والمهرجانات والملتقيات التي يسهر علي تنظيمها وبلاتوهات التصوير التي عمل فيها، وأهلته لأن يلج مرحلة التنفيذ العملي لكل الخبرات المتراكمة بإنتاج أشرطة قصيرة، منها حيرة نورة (إنتاج: قصبة فيلم) الذي كتب له السيناريو عبد القادر المنصوري، وأنجز بمساهمة طاقم تقني ألماني يتكون من : توماس ميهلهورن (الموسيقي) يان بلومرس (التصوير) كريستيان فيشه (المونطاج) وشارك في تشخيص أدواره إلي جانب نزهة الركراكي و عمر شنبوط وحنان الإبراهيمي وياسمين الشيخ كل من محمد السقاط، عبد النبي مصواب، كريمة بلوك، شيماء الشيخ، عبد الحق برني، سمية العلمي. وهو ثالث فيلم بعد : الشمبرة أ (15د)، بطولة: يونس ميكري، نفيسة بنشهيدة، إدريس الروخ، و تكريم ( 10د)، بطولة: حسن الصقلي وهشام بهلول.شاعر من المغرب0