تعتبر الكفاية التعبيرية، من أهم العناصر المؤثرة في إنجاز عملية التواصل بشقيه، الشفاهي أو المكتوب، خاصة منه الموجه بأغراضه العملية، حيث يتساءل الملاحظ عن حدود وعي كل من الباث والمتلقي بأسرار القوة التعبيرية التي تمارس بها اللغة وظائفها سلبا أو إيجابا، في مجموع مقاماتها ومقالاتها، بما هي مؤشرات رمزية لمقومات ثقافية وحضارية، تحيل على الحمولة المعرفية، التي يتمتع بها أو يفتقر إليها الفاعلون المجتمعيون، في خضم نسجهم لعلاقاتهم مع محيطهم. ذلك أننا بالاستناد إلى طبيعة البنيات التعبيرية، وعلى ضوء تجلياتها البسيطة أو العميقة، نهتدي إلى معرفة الرصيد الثقافي والسلوكي لدى الأفراد. كما نستدل على خصوصية الهوية الحضارية للمجتمع، ضمن صيرورة تاريخية معينة، حيث يفضي انتظام الوحدات المعجمية، إلى بناء رسائل دالة، من شأنها ترجمة البنية الذهنية والسلوكية لمتلفظيها، عبر مختلف المواقف التي يمليها عليهم السياق، المراوح عادة بين الجد والهزل، بما يتخللهما من رصانة، أو دعابة، أو فرح، أو غضب.
وفي هذا السياق تحديدا، يهمنا التأكيد على ضرورة إعادة النظر في مشروعية التنظيرات السائدة، التي دأبت على الفصل التام بين البنيات التعبيرية المؤطرة بإشكالياتها الفكرية والجمالية، وتلك المقننة بمبدأ التواصل العملي، بكل ما تستدعيه ملابساته من واجبات، وإكراهات، باعتبار أن خلاصة هذا الفصل، هو إعفاء اللغة اليومية، من حقها في امتلاك أبعاد جمالية بالمفهوم الأدبي الفكري للكلمة. ما يوحي بحضور نية مبيتة لتبرير الوجه السوقي والمبتذل، الملازم لغير قليل من البنيات التعبيرية، الموظفة في الحياة اليومية شفاهية كانت أو مكتوبة، وهو في نهاية المطاف، ليس سوى التعبير الضمني عن سوقية مستعمليها. خلافا للبنيات التعبيرية، ذات الحمولة الفكرية أو الأدبية، المستقلة بجماليتها.
والحال، أن البعد الجمالي المعرفي، لا يمكن أن يقتصر على خطاب دون آخر، بدعوى تراتبية المقامات، لأنهما معا يمتلكان صفة مكون مركزي من مكونات أي خطاب تواصلي، يفترض فيه أن يكون دالا، مادام الأصل في كل تواصل مسؤول، هو تدبير الاختلافات الطبيعية، القائمة بين الأفراد والجماعات، بحثا عن أفق تفاعلي مشترك، يتكاملان ثقافيا وحضاريا في استشرافه. وغني عن القول، إن وازع تدبير الاختلاف، بما هو أداة للتفاعل الخلاق، يقتضي من الأطراف المتواصلة، توظيف بنيات تعبيرية، تتوافر فيها كافة المقومات الجمالية والمعرفية، الكفيلة ببلورة رسائل مقنعة ومؤثرة في آن. وكما هو واضح، فإن تأكيدنا على المكانة المتميزة التي تشغلها الرسالة في الخطابات اليومية، يندرج ضمن وعينا بالأهمية التي ينبغي أن تحظى بها صياغتها. باعتبار أن منهجية الصياغة، تتحكم عمليا في توجيه آلية الاستجابة لدى المتلقي، التي يحرص الباث على انسجامها مع انتظاراته، حيث تعتبر من هذا المنطلق، طاقة دلالية تمارس بها الرسالة حضورها، في محفل سياسي واقتصادي معين، أو غيرهما من المحافل المجتمعية.
منهجية الصياغة، تتحكم عمليا في توجيه آلية الاستجابة لدى المتلقي، التي يحرص الباث على انسجامها مع انتظاراته، حيث تعتبر من هذا المنطلق، طاقة دلالية تمارس بها الرسالة حضورها.
مع التذكير بأن الجمالية التعبيرية التي تعنينا في هذا السياق، تختلف جذريا عن مثيلاتها المتعارف عليها في الحقول الإبداعية، المستأثرة تاريخيا بنصيب الأسد، من حيث التنظير والتأطير، منذ فجر الذاكرة الفكرية، التي واكبت إيقاع القول الإبداعي إلى الآن. ذلك أن هالة الجمالي والفني، تظل وقفا على الأعمال/الكتابات/النصوص الجمالية والفكرية دون غيرها، والتي لا تخرج عن دائرة اهتمام النخب. وبالنظر إلى الاستشراء المهول لآفة الأمية في المجتمعات العربية، فإن حظوة التفاعل مع جماليات هذه الأعمال/ النصوص/ الكتابات، تظل أسيرة محيط مغلق، سواء على مستوى الإنتاج، أو على مستوى التلقي، والتناول النظري. فيما يظل قدر الشرائح المجتمعية، الواقعة خارج هذه الدائرة المنتقاة بعناية إقصائية فائقة، رهين تخبط أهوج، في مستنقع بنيات تعبيرية، يراد لها أن تظل محرومة من أي جمالية بيانية، بدعوى الاستجابة لملحاحية التوصيل العملي، المشروط بـ«قانون»التجرد من أي نكهة جمالية، قد تكون سببا «مباشرا» في إرباك صيرورة التواصل، ولربما في «إجهاضها» بالكامل. غير أن ما يدعو حقا للاستغراب، هو تزكية الكثير من الخطابات المؤدلجة لهذا التوجه، بدعوى إنصاف «الهوية» الشعبية، والدفاع عن «عمقها» الجماهيري. وهو انتصار لا يعدو أن يكون في حد ذاته تمييعا فعليا للدلالة الفكرية، التي يمكن أن تسند إلى الهوية الشعبية. كما لو أن مصداقيتها وأصالتها، تكمن أساسا في دونية منظومتها التعبيرية، ما يؤدي إلى رفض كل رؤية ثقافية، تسعى إلى الارتقاء بها إلى حيز جمالي، ينسجم مع ما يطرحه الأفق الحضاري العام من أسئلة.
وخير دليل على هذا التردي المهول، هيمنة الإسفاف التعبيري الخبير بتقنيات وقنوات تسويق رؤية شعبوية، لا علاقة لها بالمفهوم الموضوعي الذي تحيل عليه كلمة الشعب. حيث يمكن رصد ذلك، على مستوى المعجم الموظف مثلا، في ما يتعارف عليه ظلما وبهتانا، بالأغنية الشبابية. كما يمكن رصده في ما تتم فبركته من أشرطة سينمائية، وعروض «فرجوية» مغرقة في الغثاثة والضحالة، بدعوى التعبير عن ضمير الشعب، وعن واقع الطبقات المجتمعية. وكما هو معلوم، فإن انخراط المنابر الرسمية في ترويج هذه المسوخ، يؤدي إلى ترسيمها وتكريسها في كل من الفضاءات العامة والخاصة، بوصفها أنماطا تعبيرية، متماهية مع هويتنا الثقافية والحضارية، إلا أن الحقيقة المرة، تكمن في الخلفية الخفية لكواليس الركح، حيث تهيمن ضحالة الوعي الإبداعي لدى المتطفلين على كتابة السيناريوهات، والنصوص المسرحية، ومعهم كتاب كلمات الأغاني، والوصلات الإشهارية، بدون إغفال السخافات المندرجة ضمن خانة كافة أنواع التنشيط، أو بالأحرى التهريج الفني. ففي ظل انعدام الإحساس بالحاجة إلى المعرفة، بما يلازمها من مواكبة واعية لتحولات الأسئلة الثقافية والإبداعية، وأيضا في ظل اكتشاف المؤسسات الداعمة، لمصادر اغتناء جديدة، لم تكن متوافرة من قبل، والقائمة على الاستثمار الجشع لما تعرفه شبكات التواصل الاجتماعي، من توسع حثيث وقياسي، فإن الرداءة التعبيرية، تتحول تلقائيا إلى مناجم، تدر على أباطرتها ما لا يعد ولا يحصى من الثروات، المادية والرمزية، متخذة بذلك شكل سلطة، تفتك بكل ما يمكن أن يصدر عن الإبداع والفكر من مبادرات.
وضمن هذه الملابسات، نادرا ما يتم الانتباه لمنطق بناء الرسالة، إلا في حالة خروج التعبير عن أطواره، بفعل صدفة جمالية جد استثنائية، أو بتأثير إسفاف فاضح، ومخل تماما بالأعراف التعبيرية، كما هو الحال في الاحتكاكات الشعبوية، التي يحدث أن تتجاوز حدودها الجغرافية، لتشمل فضاءات، يفترض فيها أن تكون النموذج الراقي لتواصل الأطياف المجتمعية، مهما علت حدة نبرة أصحابها وصداميتهم. كما هو الشأن، بالنسبة لغير قليل من الملاسنات العدوانية، المتناهية الانحطاط، التي تدور رحاها تحت قبة البرلمان، بين»ضمائر» مغرقة في غوغائيتها البائسة، التي تجعل من القبة ذاتها، خربة مهجورة، ينكب داخلها قطاع الطرق على تصفية حساباتهم في ما بينهم.
أما البعد الكارثي لهذه الوضعية، فيكمن في السلاسة المفرطة التي يتحقق بها تعميم أعطاب التواصل المسف، والخبيرة بتقنيات تكريس وهيمنة التعابير السوقية، كي تطبع مسارا تاريخيا بكامله، في انتظار شروط ”مغايرة «قد تأتي أو لا تأتي. وسط دوامات مرتجلة، متنافرة، وعشوائية، من دعوات الإصلاح.
٭ شاعر وكاتب من المغرب