حينما تكون سائحا في السجون المصرية…
خميس الخياطيحينما تكون سائحا في السجون المصرية…لا شك أن القراء العرب المتواجدين في أرجاء الوطن العربي يعرفون جيد المعرفة مكانة الواحد منهم كفرد مستقل بهويته وأحلامه، ليس فقط في مرجعياتنا الحضارية العربية ـ الإسلامية، بل كذلك في سياسات دولنا وأنظمتنا المحترمة الحاضرة الآن وهنا من المحيط إلي الخليج. هذه الأنظمة بتعلة لم تعد تقنع إلا الممسكين بأمور المصالح المنتفعين منها عاجلا وليس آجلا، تدفع بما تسميه بـ المصلحة الجماعية قبل المصلحة الفردية وكأن الجماعة العربية إستثنائية وخاصة وتختلف عن الجماعات الأخري وبالتالي ليست مكونة من آمال وآحلام فسيفسائية. ألهذا السبب يرجع فقر التاريخ العربي المعاصر في خانة الثورات ضد حكامهم من بني جلدتهم؟ ورغم هذا الفقر المفترض، تعج السجون العربية بالمساجين السياسيين، مساجين الرأي من هؤلاء الذين قالوا لا . وكلنا يعرف مساوئ الفكر الحر والراي الرافض لما أصبح من المسلمات في بلدان تربت أجيالها علي الفكر الواحد وألفت الرأي الواحد حتي أن إنتخاباتنا الديمقراطية تعطي عادة 85 في المئة وما فوق، نسبة تجعل التحويرات الدستورية أمرا معتادا لأستمرار النعمة… والغريب في الأمر أن الحكام العرب وأزلامهم من أفراد وجمعيات أهلية مدجنة وبوقاحة غير معهودة وصلافة غير مشهودة ينفون وجود أي سجين سياسي كما أن بإمكانهم أن ينفوا دوران الأرض حول نفسها…4500 بدلا عن 26 ألفا أتحفتنا القناة الأولي المصرية مساء الإثنين الماضي بحلقة جديدة من برنامج إتكلم الذي تعده وتقدمه لميس الحديدي ويخرجه محمد عاطف واستضافت فيه اللواء محمود وجدي مساعد وزير الداخلية المصري المكلف بقطاع مصلحة السجون… وحينما يأتي لواء مسؤول عن السجون ليعترف كنت ضابط مباحث طول عمري ، ماذا ننتظر منه أن يقول؟ ذلك أن اساس المحاورة، رغم ذكاء الصحافية وصلابة تدخلاتها وحرية دفاعها، أساس نخره الشك لطول كذب السلط الحاكمة. في ديكور بسيط ومهذب، كان اللواء يلبس بذلة زرقاء وقميصا أبيض ورابطة عنق رزقاء ـ بيضاء، ولأنها ألوان لا نشاز فيها ولا حيوية، فهي معبرة عن مصدر سلطوي. حركاته محكمة، مدروسة ولا تخرج أبدا عن إطار الصورة. وجهه وجه طفل مدلل يشع صحة وسعادة ولا تخونه إلا الحواجب التي تتقوس حينما يسمع السيد اللواء شيئا مما لا يريد سماعه في حين نظراته كستار سميك لا يترك مسلكا لأي بصيص إنسانية.التقاطع الأول كان حول عدد المساجين في السجون المصرية، إعتمادا علي تقارير الجمعيات المدنية لحقوق الإنسان قالت الحديدي ان هناك ما يفوق الـ26 ألف سجين وسجينة في مصر. أجاب اللواء مصطنعا الدهشة أن الرقم غير معقول وأنه متعجب من كل واحد ماسك قلم ويكتب ويهاجم السجون… يجب أن يجيء ويتفقد السجون . وإن حدد رئيس الوزراء المساجين بثلاثة آلاف، فإن اللواء ضرب عرض الحائط بتقارير جمعيات حقوق الإنسان مع أنه يهمنا وجود حقوق الإنسان ونتعامل معهم ويتعاملون معنا قائلا انه يقدر المساجين بأربعة آلاف وخمسمئة سجين… وإن تقاسمنا مع الصحافية تعجبها الصامت أمام دقة الرقم الذي قدمه اللواء من جهة وقلة مصداقيته من جهة أخري لأنه لا يمثل إلا 0.006 في المئة من مجمل الشعب المصري، فاننا نتعجب أكثر من الفارق الكبير بين ما قدمه رئيس الوزراء وهو المسؤول الثاني في الحكومة المصرية وما يقدمه اللواء وهو المساعد لوزير الداخلية وليس حتي وزير داخلية… لو تمثل الفارق في خمسين أو مئة سجين لقلنا لعلهم لم يصلوا بعد السجن حين تكلم رئيس الوزراء. أما والفارق يطال ألفا وخمسمئة مصري ومصرية، فإن في القضية ضحكا علي الذقون واستبلاها للمصريين… ينطبق الأمر كذلك علي الفجوة القائمة بين ما رصدته جمعيات حقوق الإنسان والذي يعادل ستة أضعاف ما قدمه السيد اللواء. أهكذا تود الحكومة المباركية إقناعنا بأنها سليلة أول حضارة عرفت أهمية التدوين؟ وبما أن برنامج إتكلم يبث من قناة حكومية، فإن للديمقراطية حدودا. وبالتالي، لم تصر الصحافية في معارضة ضيفها، والمصري يلقطها وهي طايرة … وحتي يدعم حصيلة شغله، قال ان قانون الطوارئ لم يسبب أي إرتفاع في عدد المساجين وأن المعتقلين يقلون كل يوم ولم يجرؤ علي القول بأن مصر ستصل في يوم قريب جدا إلي مكانة أول بلد بدون مساجين. لقد صرح في نهاية البرنامج: أنا مرتاح… نراعي ربنا وضمائرنا ونحن نسميهم نزلاء ومافيش تمييز في السجون بين المساجين …سجون فايف ستارز ومن تقييم عدد المساجين، إنتقل الأمر إلي تكدسهم . قال اللواء ان الأمر كان كذلك منذ سنتين وأن اطلاق السراح الشرطي خفف بين 60 و70 في المئة من الإزدحام. وحينما سألت لميس الحديدي عن مدي الإعتناء بالمساجين واحترام إنسانيتهم لم يتورع السيد اللواء من أن يفصل بين السجناء و النزلاء قائلا السجين ليس سجينا، بل هو نزيل وهو تعبير مهذب وذهب كذلك إلي الفصل بين السجن و المعتقل مستنجدا بفهلوة اللغة العربية. وبدأ سيادته في ذكر مزايا السجون المصرية، مزايا نسوقها للقارئ شيلة بيلة . لكل سجين غرفة لوحده وبها سرير وتواليت وتلفزيون. المساجين هي اللي تطبخ بمقابل مادي من الإدارة. هناك ورشات إنتاجية. يأكلون الخضراوات والفيتامينات ويأكلون لحمة… عندها، تبث الأولي المصرية صورا عن مساجين وسجينات في عيادات طبية وهن لابسات أبيض زي الفل ولابسين أزرق زي الفل كما تقول الصحافية التي تعلق: ده أحسن من العيشة العادية . يجيبها السيد اللواء: فعلا. الدولة المصرية تصرف علي أكلهم ما يعادل 120 مليون جنيه سنويا . وحينما تستفسره الصحافية عن أسماء السجون مثل سجن العقرب او سجن بطن الحوت ، يجيبها أنها مسميات من طرف المساجين وأن لا وجود لها علي الصيغة التي ذكرت حتي أن كمال أبو المجد بحث عن سجن العقرب ولم يجده بل زار سجنا شبيها في 17 كانون الثاني (يناير) 2006. وقال اللواء أن سجن وادي النطرون سجن متميز لانه قريب من سكن المساجين. قال ان سجن الوادي الجديد هو سجن موديل، به السياسي والجنائي (!!!) وقال وقال وقال حتي يخيل للمشاهد بأن اللواء السيد محمود وجدي مساعد وزير الداخلية المسؤول عن قطاع مصلحة السجون هو في الحقيقة مساعد لوزير السياحة ومسؤول عن قطاع الفنادق من درجة خمسة نجوم… فنادق مخصصة لمعارضي الرأي. لقد إرتفعت منزلة أصحاب الرأي عندنا… لا تمييز في السجون! وتذهب لميس الحديدي إلي أقصي درجة. تسأله عن شهادة النائب في البرلمان السيد أكرم الشاعر من أن هناك من المساجين من توفي بمرض الإيدز (فقدان المناعة). ينكر اللواء ذلك جملة وتفصيلا قائلا أن هناك برنامجا مع وزارة الصحة ومنفذا منذ العام 2000، يفحص 6000 سجين (أليسوا 4500) ولا توجد إلا حالتان في وادي النطرون. وقد تقابل معهما الدكتور إيهاب وفحصهما في المعامل المركزية وكانت النتيجة سلبية. ويضيف أما بخصوص من ذكره النائب، فلم تأت بخصوصه نتائج من وزارة الصحة حتي الآن وأنه موش عارف بيثير هذا الموضوع ليه؟ وها النائب أكرم الشاعر يتدخل في البرنامج ليقول أن المريض توفي في 18/01/2006 من الإيدز وبشهادة من الدكتور شتيوي وأخشي أن تخفي الحقائق لأننا منعنا من زيارة سجن عنبر ثلاثة وإلا كيف توفي السجين أكرم زهيري؟ كذلك لو كانت موازنة الأكل كما ذكر اللواء، ذلك يعني أن هناك خمسين ألف سجين يأكل كل واحد منهم بمئتين من الجنيهات شهريا. فما كان من اللواء إلا أن يتهمه بالإساءة لأهل بور سعيد ولأطباء بور سعيد وأن ما يقوله ليس له اساس اي من الصحة و الجماعة المحظورة هي نوعيات معينة وكل شيء إفتراءات وكذب عن الدولة ووزارة الداخلية . (نقطة علي السطر).تسأله الصحافية عن ايمن نور (من حزب الغد) وكيف منع من الكتابة من داخل السجن حينما مس الرئيس مبارك وبعض المسؤولين في حكومته. يجيب اللواء ما نقدرش نميز مسجون عن مسجون والرق معاه والقلم معاه والكتابة معاه. إلا أن القانون يمنع الكتابة من داخل السجن ويتدخل عبر الهاتف نائب رئيس تحرير الأهرام أحمد موسي لينجده قائلا ان جماعة الإخوان تطلب دائما ميزات خاصة بها وأنه لم توجد أوامر سياسية لمنع أيمن نور من الكتابة… وتتالت الأسئلة من بعض المواطنين والمواطنات. من زينب (القاهرة) التي ضرب إبناها علقة بوادي النطرون . أحمد (القاهرة) والرشاوي لأمناء الشرطة المختصين بالزيارة. دعاء (القاهرة) عن أخيها المسجون بوادي النطرون منذ خمس سنوات. مرسي (كفر الزيات) والرد علي فهمي هويدي وهجمة حقوق الإنسان الشرسة علي السجون، إلخ… كان رد اللواء مثاليا: تعالوا بكرة لمكتبي وقدموا عريضة شكوي. الله، الله، الله…برامج من هذا الجنس الحواري الساخن والجريء، وإن يستشف جليا ما يراد من وجوده علي الشاشة الرسمية لأنه يمس جانبا ما من الفرجة التلفزية التي وإن عرت الحقائق فهي تشيئها، فإنه في النهاية يصالح مؤقتا المواطن المصري والعربي مع تلفزته ليس عن طريق الومضات الغنائية فقط بل كذلك عن تعرية الواقع ولو بالإيهام بأن السجون العربية تضاهي أرقي الفنادق العربية الموجهة للسياح العرب. جملة مفيدة: حينما يمتلئ القلب سلاما، يرتكز الفكر أكثر . الراهب الصيني شاولين ، صاحب الـ كونغ فو . من قناة آرتي .ناقد وإعلامي من تونس[email protected]