حينما كان الإعلام التونسي جزءا من الثورة المضادة

حجم الخط
0

لقد كان أغلب المشهد الإعلامي في تونس، زمن المخلوع، مفتوحا على كل انواع البروبوغندا البائسة والمغلوطة لإنجازات النظام والتجمع وأصواته واجتماعاته البغيضة وأفكاره المباشرة والمضمنة.. كما كان أداة تعتيم فاعلة عن حراك معارض ومخالف.. وها نحن نجده اليوم صدا منيعا أمام الحكام الجدد الذين اختارهم الشعب في انتخابات غير مسبوقة في تونس، حيث تستضيف برامج الوطنية الأولى مثلا ضيف واحد من الحكومة في مواجهة 5 و6 ضيوف من الأحزاب والأطياف التي لم تحظ حتى بمجرد مقعد بالبقايا.. ينظرون ويتهجمون ويخيفون المشاهد بكل أنواع الفزاعات الواهية.

كما كان قطاع واسع من هذا الإعلام، وخاصة السمعي- البصري منه، يمجد إنجازات صانع التغيير في كل شبر من الوطن الذي أصبح يصور في الإعلام البنفسجي على أنه جنة فوق الأرض بلغت فيه جودة الحياة مستوى كل الدول المتقدمة وربما تجاوزتها.. أما اليوم فنجده، بشقيه العمومي والخاص، لا يترك فرصة إلا ويتعرض فيها للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والفقر والتهميش التي كان أكبر حريص على إخفائها من قبل.

صور احتجاجات ديسمبر 2010 على أنها مجرد حوادث معزولة لمجموعة من ‘الأطراف’ التي لا تريد الخير لـ’تونس التحول’ و’المتواطئة مع جهات إرهابية خارجية’. وبرر التدخلات الهمجية والقمعية والإجرامية للبوليس وأظهرها على أنها مستوفاة لكل الشروط والمراحل القانونية وليست سوى تدخلات لإنقاذ البلاد.. أما اليوم فقد صور التدخلات الأخيرة للأمن في فك اعتصامات عشوائية وغير مشروعة في قابس وماطر على أنها اعتداء على معتصمين ‘شرعيين لم يطالبوا سوى بحقهم في العمل والصحة والبيئة الجيدة’. وفي الوقت الذي سمح فيه إعلامنا البائس بحضور الباجي قايد السبسي كـ’بطل’ في برنامج تلفزي للتعبير عن رأيه في مبادرته الأخيرة، التي كانت سعيا مفضوحا منه للالتفاف على اختيار الشعب، خضع هذا الإعلام لضغطه وأقصى، في مشهد مخجل ومسيء لذكاء الشعب التونسي العظيم، الأكاديمي المتميز جدا وعالم اجتماع والمناضل سالم لبيض لا لشيء إلا لأنه يعلم أنه صوت حق وصاحب قدرات فكرية قادرة على تعرية حقائقه المخجلة وصاحب دراية واسعة بتاريخه.

إنه ببساطة إعلام بائس يؤكد تاريخه وحاضره على أنه يقف دائما ضد إرادة الشعب ومصالح الوطن، فهو في حقبة بن علي كان بوقا لنظامه وأداة طيعة لتعتيمه ومرتعا لكل من قهر الشعب وأساء له.. وهو اليوم رحبة شاسعة ومفتوحة للذين رفض الشعب انتخابهم ولفظ مرجعياتهم الفكرية والسياسية.. إنه على ما يبدو أداة طيعة في يد قوى الردة. بالطبع أن ننسى أن الكثير من الأصوات الإعلامية الشريفة والمناضلة تساهم الآن في تشكيل المشهد العام الجديد في البلاد بكل مصداقية وحرفية عالية جدا.

ياسين الحلواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية