حينما يصبح السواد مفضلا
حينما يصبح السواد مفضلا قد يبالغ أحدهم في الحزن فيتخذ من الأسود لوناً مفضلاً لكل حاجياته حتي يصل الأمر به إلي مقاطعة النهار والتعايش مع الليل فقط، وقد يبالغ أحدهم في الفرح مما يضعه أحيانا في مواقف محرجة كأن يقيم أب حفلة كبيرة يدعو أصدقاءه وجيرانه وأحبابه لوليمة علي شرف تخرج ابنه من المدرسة الإبتدائية.في العالم العربي يمكنك أن تكتب (أدباً) كله جنس وجمع غفير سيصفق لك حتي الحكومة، ولكنك لا تستطيع أن تكتب حدوتة تصف فيها ما يعانيه أي مواطن أو سجين، أنت بذلك هددت الأمن القومي وهذا علي افتراض أننا نملك أمنا قوميا فعلاً! فور تخرجي فكرت في أن أقوم بتطوير مهاراتي بالالتحاق بمراكز متخصصة فقمت بزيارة مواقع بعض هذه المراكز علي الأنترنت فوجدت إعلانات جيدة تُطمئن المهتمين عن وجود خبراء ومختصين ذوي كفاءات عالية، هذه التطمينات هي بمثابة عزاء للمبلغ الذي سنقوم بدفعه، تشجعت وقصدت إحدي المراكز، استقبلتني السكرتيرة التي تتولي الاهتمام بملفات التسجيل واستقبلت أسئلتي أيضا وأجابت عليها بأكثر ما كنت أنتظر وقبل أن أقدم ملفي دخلت علينا إحداهن رفعت رأسي وإذا بها زميلتي التي لتوها تخرجت في نفس دفعتي، قلت لها هذا جميل أن ندرس معاً، قالت لا أنا هنا كمحاضرة! .من حقها أن تنمي قدراتها هي أيضاً وأن تستغل فرصاً تقدمها هذه المراكز ولكن ليس من حق المركز أن يبالغ في طمأنتي ويصر علي أن خبراء ومختصين من يتولون أمر المحاضرات.. إنها المبالغة في الإعلان.في الوطن العربي ما أسهل أن تربي طفلاً، لتؤدبه تضربه حتي الموت وإن قدّر الله وحفظ روحه إلي أن يشاء فتستطيع تأديبه أكثر باختيارك له نمطاً معيشيا أنت ترسمه بداية برسمك ملامح زوجته وحتي أطفاله أيضاً، وإن عبّر هذا الموؤود بأن الرسومات لا تعجبه لن يكون إلاّ عاقاً نيته الانقلاب.أما في أمريكا فأصبحت المبالغة في الحرية طامة كبري، ستدخل في فئة المستعبدين في الأرض والمظلومين بمجرد أن تصبح أباً أو أن تصبحي أماً، في أمريكا يجد الأب نفسه يعيش في محمية تُشرف عليها الشرطة وتُأتمر من طرف الأبناء، لن يتجرأ مربي علي ضرب طفل قصد تأديبه أو رفع الأذي عن نفسه بعد السلطة التي أصبحت في يد طفله، وإن تجرّأ فإن السجن المكان الذي يناسبه.بنفس المنطق بل وبمبالغة أخطر وأكبر تقوم السياسة الأمريكية بالحفاظ علي أمنها القومي برسم خططها انطلاقاً من قراءة النيات وأفكار الآخرين، حتي الذين لا أفكار لهم أمريكا تصنع لهم أفكاراً ثم تلبسها الخطورة وتقدمها للعالم، وهذا ما تعكسه سياستها اتجاه (الارهاب)، ففي شريط وثائقي علي قناة الجزيرة سأل الصحافي مسؤولاً في الأف بي آي عن مواصفات الذين تلقي القبض عليهم الشرطة، فأجاب أن لا مواصفات ثابتة، كل من تشك فيه الشرطة أنه قد يشكل خطراً مستقبلا علي الشعب الأمريكي فهو يُسجن تحت عنوان حماية الأمن الأمريكي..إنه الهوس الذي يفوق المبالغة في حماية الأشخاص (الممتلكات) الأوطان.في العراق، أفرز إعدام رئيس العراق أن لا شيء يعلو علي المبالغة في طلب الثأر، فالمعروف أن السن بالسن ولكن يبدو أن المعنيين بأخذ الثأر قرروا إعدام شعب كامل.في لبنان، لا يزال سعد رفيق الحريري يبالغ في طلب الحقيقة، ربما يفعل ذلك عن جهل أو عن علم بكل ما تحمله محكمة دولية بمواصفات تم اللعب عليها بدقة مفضوحة ستأتي علي تدمير كامل لبنان ودول مجاورة.نوال يوسفرسالة علي البريد الالكتروني6