حينما يكون السلاح نقمة

حجم الخط
1

لنعترف أولا بفشل الدول العربية في الاحتفاظ بترسانتها العسكرية، التي قُدمت على حساب التنمية في البلاد العربية، واستنزفت من ميزانية الدول مليارات الدولارات، ولنعترف أيضا أنه لا يمكن لأي دولة عربية امتلاك الاسلحة الكيميائية أو النووية مهما كان تحالفها مع الولايات المتحدة وأوروبا، فالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال لم يسمح لها بامتلاك السلاح الذري، بل سمح لها، فقط، بتمويل القنبلة الذرية الباكستانية، لسبب بسيط هو أن اسرائيل لا تريد لأي دولة مجاورة لها امتلاك السلاح الذري، والدول العربية على وجه التحديد.
ونقول أيضا لا يمكن لأي دولة عربية امتلاك السلاح الذري او الكيماوي، من دون الاعتماد على طاقاتها البشرية الوطنية ومواردها الطبيعية، أو من دون إيجاد بنية تحتية تساعدها على تطور البلاد وتساهم في نهضتها، وهذا ما لم تفعله الدول العربية، التي حاولت إيجاد نوع من التوازن العسكري مع الكيان الصهيوني، حيث سعى كل من العراق وسورية وليبيا، لامتلاك السلاح الكيميائي بأي وسيلة كانت، طبعا لن أذكر مصر لأنها خرجت من معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني بعد اتفاقية الاستسلام في كامب ديفيد 1979، أما الجزائر فإنها حاولت امتلاك السلاح الذري قبل 1992، أي قبل الانتخابات التي ألغيت بعد فوز الاسلاميين بها في نهاية العام 1991، وقد سعت لشراء مفاعل نووي من الارجنتين، كما وقع الجيش الجزائري اتفاقية مع الصين لتزويده بهذا السلاح في العام 1983، وشيدت الجزائر بمنطقة عين وسارة بولاية الجلفة، 200 كيلومتر جنوب العاصمة، مفاعلا نوويا بلغت طاقته الانتاجية 15 ميغاواط، وتم اكتشاف هذا المفاعل من قبل الاقمار الصناعية الامريكية سنة 1991، ومع ذلك يرجح العديد من الخبراء والمهتمين بالطاقة الذرية، أن امكانيات الجزائر الطبيعية المتمثلة في الغاز والبترول واليورانيوم، وكذلك وجود العنصر البشري المدرب، كل ذلك يؤهل الجزائر للحصول على الطاقة الذرية قبل مصر والسعودية. نصوغ هذه المقدمة للحديث أكثر عن الاسلحة الكيماوية التي امتلكتها أو سعى لامتلاكها كل من العراق وسورية وليبيا، حيث بدأ البرنامج النووي العراقي في منتصف الستينات والسبعينات، بمساعدة الروس ثم الفرنسيين منذ منتصف السبعينات، وقد أفشلت اسرائيل الحلم العراقي بامتلاك السلاح النووي، بعد أن قصفت مفاعل تموز في 7 حزيران/يونيو 1981، بمساعدة وتغاض من الولايات المتحدة، التي لن تسمح بامتلاك أي دول عربية لأي سلاح يهدد الوجود الصهيوني، ثم انتهى المطاف بالسلاح الكيميائي العراقي إلى ايدي الخبراء الدوليين وتدميره، بعد الغزو الغاشم للكويت، وبعد عمليات عاصفة الصحراء العسكرية ضد العراق، وكانت الولايات المتحدة تقوم بضربة أو ضربتين لبغداد منذ العام 1991 وحتى 2003، يوم دخلت القوات الامريكية الى العراق. وفي العام ذاته أعلن النظام الليبي تخلصه من الاسلحة الكيميائية واستعداده لاستقبال مفتشي الطاقة الذرية، وفهم البعض من المحللين أن النظام الليبي خشي على نفسه من المصير الذي انتهى إليه النظام العراقي، ولكن الحقيقة التي ربما لا يتطرق إليها أحد، ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير كان يبحث عن عمل له بعد تقاعده من الرئاسة، وكانت عينه على ليبيا ونفطها، وهو الأمر الذي تحقق لاحقا، حيث تم تعيينه مستشارا سياسيا للقذافي في العام 2010، طبعا بعدما نظف النفط الليبي سجل القذافي من دعم الارهاب، بداية بتوقيع ليبيا على اتفاقية للتخلص من السلاح الكيميائي، ثم انهاء قضية لوكربي بدفع تعويضات للضحايا قدرت بما يقارب 2.7 مليار دولار، والافراج عن المتهم في التفجير عبدالباسط المقرحي في اب/اغسطس 2009، ولكن مع المبالغ الطائلة التي دفعها نظام القذافي لتبييض ملفه أمام الغرب، إلا أنهم أشعلوا الثورة التي أطاحت به، حسب اعترافات الكاتب الفرنسي المتصهين برنارد ليفي في كتابه ‘الحرب بدون أن نحبها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي’، وربما ساهمت فرنسا في مقتل القذافي بتلك الطريقة البشعة، لدفن اسرار المبالغ التي دفعها في حملة الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي.
أما برنامج الاسلحة الكيميائية السورية، الذي هو حديث الساعة الآن، فمن المؤكد أنه صُرف عليه من ميزانية الدولة السورية، أكثر مما صرف على قطاعات مهمة، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
صحيح أن قبول سورية بالتفتيش عن اسلحتها الكيميائية جنبها ضربة عسكرية محتملة، لكن الصحيح أيضا، ومن خلال التجربة العراقية والليبية، لا يعني هذا، اي قبول المفتشين الدوليين وتدمير الاسلحة الكيميائية، توقيع سلام مع الغرب، بل هو مقدمة للتدخل العسكري مستقبلا، ولذلك فإننا لا نستبعد أن نرى تدخلا عسكريا ضد سورية بعد تخلصها من سلاحها الكيميائي، في حالة تخلي الحليف الروسي عن دعم دمشق، وهذا أمر مستبعد في ظل وجود القيادة الروسية الحالية، خاصة بعد أن خاضت روسيا حربا سياسية شرسة منذ تدويل الأزمة السورية، وأثبتت للعالم أن روسيا لن تتخلى عن حليفها الوحيد على ضفاف البحر المتوسط.
ختاما نقول ان الاموال العربية التي تذهب إلى التسليح، ايا كان نوعه، سواء كان كيميائيا أو تقليديا، فإنها لن تحمي أي نظام من التغيير أو من التدخل العسكري، وعلى العكس من ذلك كلما وجد السلاح غير التقليدي في أيدي اي نظام وجدت ذريعة لتغييره، سواء الخشية من استعماله ضد المصالح الغربية واسرائيل تحديدا، أو الاستيلاء عليه من قبل جماعات متطرفة في حالة تغيير النظام السياسي. اما السلاح الذي يجب أن نمتلكه كعرب في المستقبل فهو سلاح العقول والايادي العاملة المدربة والمنتجة، ولنا في التجربة اليابانية خير مثال على ذلك.

‘ كاتب عُماني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية