عناية جابر في غمرة الهذيان الشعري، نعثر بالكاد على قصائد سياسية، والأرجح أن مواكبة الثقافة بشكل عام للحراك العربي، إنعدمت ما خلا بعض النصوص، أو هي أتت لماحاً أو لماماً أو مزيجاً من البكائيات وجلد الذات والتحسّر على الأمجاد. ما من قصيدة حديثة تخوض في السياسة (ولا أقول أن هذا دور الشعر) على غرار ما وصلنا وما قرأنا لشعراء كبار كتبوا في مفاصل ثورية من حياتهم العربية، وصمدت قصائدهم صالحة لزماننا حتى أننا نستعيرها أحياناً لنلبي حاجة شعورية محمومة تجتاحنا إزاء هذا الحدث أو ذاك. قصائد كانت تخاطب فطرتنا السياسية، ووحدتنا الصورية، ونتفاً من عروبتنا التي كانت يوماً. لست هنا في وارد التذكير أو الإستشهاد بهذه القصيدة أو تلك (مما رفعناه عنواناً صارخاً لمرحلتنا الراهنة) ولا بذلك الشاعر أو هذا من الذين رحلوا وخلفّوا لنا ما نستعيره الآن وما نُلبسُهُ لراهننا وطفراتنا، فلست ممن تمتلكن ذاكرة يقظة كما أنني لاأحبّ بشكل مفرط ما يقوله الشعر في السياسة.هذا لايمنعني الخوض في الغياب شبه الكامل لقصيدة النثر الآن عن مجريات الأحداث، كما لو بُنيتها الناحلة لاتحتمل ذلك الفخار الذي كان يعتّدهُ الشعر الكلاسيكي، وغير صالحة لحمله من لاموسيقيتها، ومن وحدانيتها في العمق، ونخبويتها، ومن استلالها إن أمكن القول من الغرب الذي أوجدها وأهلّها للعيش. نقرأ مع ذلك في بعض النصوص النثرية مشاعر أصلية لدى شعراء مازالوا يحسون انهم لم يحسنوا الدفاع عن مدنهم واوطانهم وتراثهم وحضارتهم التي تحولت الى سواها. يتهمون الحكّام فحسب والإتهام هنا ليس سوى حيلة للإعلاء بإتهام النفس، وقد وضع شعراء التفعيلة القدامى يدهم على هذا الجرح وحوّلوه في قصائدهم الى حائط مبكى، لكن الوجه الآخر لهذا الإنسحاق هو بالتأكيد في فكرة البطل والنبي والقائد التي لاتحتملها قصيدة النثر.قصيدة النثر ليست أبداً قصيدة الواقع، إنها في الغالب خارج العالم وخارج الزمن. قصيدة ما قبل التجربة، وما قبل الفعل، وقصيدة فرد، وتأنيب وتطّهر وإستعداد.قصيدة إنفصال نسبي عمّا يجري من حراك ثوري بغض النظر هنا عن تقييمه. قصيدة مفارقة نسبية وتعليق نسبي لذلك يصعب في هذه المفارقة تحميل هذه القصيدة الصغيرة تقدير السياسة والتاريخ والثورات واللا ثورات، فالحاجة الى بقائها ‘بيضاء’.هي التي تنتصر، من هنا تتّم فيها عبادة التفاصيل، وينفذ الصوت الواحد الى فطرة هذه القصيدة الخاصة، فما من جماهير زاحفة أو مهللة في قصيدة النثر، فقط بعض الإيحاءات بلا جدوى الحياة، وإطلاقات في الوحدة وضياع الأمل.لا يمتلك كاتب هذه القصيدة جرأة الإقتراب من الناس. لعله لايحتاج الى ان يزيح طبقات هواء فاسد عن أعماقه، وقد تسرّب إليه بالتأكيد شيء من صلابة وحشة فردية وكثافة إسمنتها. لايعنيه حوار القوة والإصرار لدى الشعوب الغاضبة، بل تلجم قصيدته تلك الجموع تحديداً، التي تقتات من عذاباته كفرد. إنتعش الشعر الكلاسيكي وعاد، بغنائيته وجرسه وقافيته وصار له حجم المرحلة وطولها وتوازنها مع الهتاف الغاضب في الفضاء العربي. كما امتلأت القصيدة الكلاسيكية بالساحات والميادين وأبدت صلابة وضخامة في وجه الدبابة التي كانت لها تقريباً نفس ضخامة الشعارات التي تحملها القصيدة الكلاسيكية.بقيت قصيدة النثر خارجاً، وبعضها كان يحمل زئيراً أخرس، لكن الدبابة اكتسحته، والذين تجرأوا من شعراء النثر على شحن قصائدهم بعبارات ‘ كبيرة’ بدوا نافرين، وقصيدتهم نافرة وساقطة في هذه اللحظات المغناطيسية من أيامنا العربية، وتكسّرت قصائدهم بلا صوت أو صدى ما.في الحراكات السياسية الكبرى على مايجري راهناً، تصبح قصيدة النثر مثلما علمّها لنا الرمزيون، بفعل الضجة الخارجية، أداة عقيمة تماماً في التفاعل مع الأحداث، ولا تحقق لنا اية سيطرة على حساسية الجموع من كونها بطبيعتها تنطوي على ضجتها الداخلية وتكتنز في داخلها بذلك الأمر المُضمر، بحيث لاتعود تُشبع القارىء الغارق حتى أذنيه بالهتافات الصادحة، والمصلوب على مشهد الدم والموت اليومي، فيتقلص إنفعاله لدى قراءتها، فهي معفاة من الهتاف، ومن أشياء العالم الكبيرة الى حد أنه عندما يقرأها يحسّ أنه معفى أيضاً من التأثر بها.ليست قصيدة النثر في ذاتها هي المقصودة الى هذا الحد، وإنما صيغة معينة متوجه لدى بعض شعرائها. قصيدة بالإجمال مرتبطة بالموقف الجمالي للرمزية، وهي قصيدة مؤلفة اصلاً ضد ‘الآخر’ فكيف إذا كان هذا الآخر جماهير غفيرة ؟ وقصيدة مؤلفة من مواد منتقاة من رموز زخرفية تهدف الى الجمال العصيّ المنال، وتنتهي من فرط النمنمة وإضفاء الطابع الغرائبي- الى تحطيم كل الروابط مع الواقع، وبالتالي فقدانها كل ‘حضور جماهيري’ محسوس.