حين تدين نوبل الاغتصاب

حجم الخط
3

لم تنل الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق ما يكفي من الاهتمام على مدى تجربتها الأدبية والنضالية منذ مطلع التسعينيات، لأنّها حملت على عاتقها « قضية الاعتداء الجنسي على النساء» وعبّرت عنها بلغتها التي أزعجت المجتمعات العربية، والإعلام العربي العاكس لميول المجتمع، في ثلاثيتها «تاء الخجل» و«اكتشاف الشهوة» وأخيرا «أقاليم الخوف» تدين الاغتصاب بكل أنواعه، بما في ذلك الاغتصاب الزوجي، بعدها خمد صوتها ولم تصدر شيئا جديدا.
وفي لقائي القصير مؤخرا في بيروت التقيتها وسألتها عن هذا الغياب، أنا التي كنت من أوائل من منحوا لها مساحة مهمة في برنامجي، وكانت من بين الضيوف الذين تميزوا جدا.. لم أتقبل إجاباتها وهي تشرح لي تعبها من ردات الفعل القاسية ضد أدبها، لأنني عرفتها منذ لقائنا الأول منذ أربع عشرة سنة أنها قوية، أو كما يصفها الأديب جبور الدويهي «مقاتلة شرسة»، وقد ودعتها وأنا أشد على يدها طالبة منها طلبا واحدا أن تكتب، وتعود للساحة برواية قوية كسابقاتها، بعد أن دردشنا مطوّلا عن النّاشطة العراقية الإيزيدية نادية مراد، التي نالت جائزة نوبل، التي استمعت لكلمتها التي ألقتها أمام الحشود «النوبلية» فدمعت عيناي كما دمعت عيون أغلب الحاضرين، حين قالت «لا جائزة يمكنها أن تعيد لنا كرامتنا» وتذكرت استخفاف صديقتي فضيلة باحتفالية نوبل التي في نظرها لن تغير العقلية العربية، لأنها تزداد سوءا، كونها تبارك الاغتصاب بكل أنواعه، وتعطيه صبغة شرعية أحيانا، سواء بطقوس الزواج، أو بفتاوى التحليل، أو بأفكار مدسوسة اجتماعيا، كأن تبيح التحرش بكل امرأة لا تغطي شعرها، أو تبيح زواج القاصرات، وترفع من أسعار مهورهن بحيث لا يختلف الأمر عن عرضهن في سوق نخاسة.
لقد كانت كلمة نادية مراد ترجمة مختصرة لكل ما كتبته الفاروق في ثلاثيتها، وكانت كل كلمة صفعة قوية لكل الذين حاولوا إدراج أدبها تحت عناوين مناقضة للحقيقة، وفعلا تساءلت هل لو كتبت رواياتها بالإنكليزية مثلا أكان سيمارس عليها التّعتيم نفسه؟ أو هل لو كتبت «الحب المائع» وقصص الغرام والخيانات السطحية هل ستكون لها مكانة أهم؟ لقد اختارت الموضوع الأصعب باللغة الأصعب على رأيها، وقالت لي في أكثر من مناسبة أنّها لا تكتب للجوائز، ولا للبهرجة الإعلامية، بل للأجيال القادمة، وتتمنى أن تستيقظ الضمائر، خاصة ضمائر من ينسبون أنفسهم للنخبة، ويسجلون مواقف واضحة ضد التمييز الجندري، والعنف ضد النّساء، لأن مواقفهم فيها مواربة ونوع من الاحتيال المفروض على الرّأي العام أولا، وثانيا على المرأة نفسها التي تعتقد أن هذه النخبة في صفها، فيما أغلبها يتعاطى معها كجسد فقط، وكل تلك المساندة العلنية على شكل ثرثرة غير موثقة، ليست سوى الطريقة الأسوأ للتماطل وتأجيل الاعتراف بمواجع المرأة، وتصحيح وضعها، وإعادة التوازن لحياتها المشتركة مع الرجل.

ترى هل يمكن الكتابة عن الحرب والسبي وبيع النساء في أسواق النخاسة واغتصابهن وتعذيبهن وقتلهن بغير نقل هذه الأجواء؟

أصدرت الفاروق «تاء الخجل» سنة 2003 ، بعد رحلة بحث عن ناشر دامت سنتين، ومن المؤسف أن بعض القراءات لها نسبتها للأدب البورنوغرافي، ما يكشف عن ضحالة عقول أصحابها. بقيت الرّواية وحيدة في الميدان، تعاني ما تعانيه المرأة المغتصبة في مجتمعنا تماما من اتهامات وطعن في الشرف وتجريح وإقصاء، إلى أن أصدرت «اكتشاف الشهوة» في 2005 ، مُفَصِّلة فيه طقوس الاغتصاب الشرعي بمباركة عائلية اجتماعية، ولكن مصير الرواية كان كسابقتها، وأعتقد أن أغلب من كتبوا عنها وقدموا مراجعات لها في الصحافة توقفوا عند قراءة العنوان، وعند بعض الجمل بدون إمعان في المحتوى الإنساني فيها، أما «أقاليم الخوف» التي صدرت سنة 2010 فقد شطرت القراء نصفين، كونها تعاطت مع الاغتصاب كثيمة سياسية، ويبدو أنها كنص كانت أصعب من نصوصها السابقة، فيما علت وتيرة صوتها عن الخطاب الروائي الهادئ، ما جعلها رواية نخبوية جدا، أمّا أهميتها فقد ظلت بين جدران الجامعات.
بعدها بسنوات سنعيش الصدمة الإيزيدية، التي نالت اهتماما إعلاميا واسعا، أكثر من محنة النساء الجزائريات خلال ما سمي بالعشرية السوداء، فكتب العراقي وارد بدر السالم روايته «عذراء سنجار» الصادرة عام 2017، وهي رواية في قمّة الرّوعة لغويا، تأخذنا في رحلة إلى أعماق الألم الأيزيدي والمواجهة العزلاء لـ«داعش»، وهي أيضا أول رواية تحمل وجع النساء المغتصبات للقارئ العربي، وتوثق لحقبة خزي كبيرة عاشتها مجتمعاتنا، وأيضا بقيت الرواية في كنف المكتبات العراقية، والقارئ العراقي، والمهتمين بموضوع العنف ضد النساء (حصلت على الرواية بإيعاز من الكاتبة فضيلة الفاروق كون هذا الموضوع يؤرقها).
كما أصدر الكاتب السوري سليم بركات «سبايا سنجار» التي وصفها الكاتب العراقي محسن الرملي بالكتاب المعرفي، كون الكثيرين اعتبروها نصا غير ممتع، وفي لمحة سريعة على آراء القراء في موقع «غودريدز» سنصاب بصدمة كون الأجواء السوداوية للرواية أثارت سخطهم! ترى هل يمكن الكتابة عن الحرب والسبي وبيع النساء في أسواق النخاسة واغتصابهن وتعذيبهن وقتلهن بغير نقل هذه الأجواء؟ وهل يمكن لكتاب يحمل عنوانه كلمة «سبايا» أن يكون مسليا، خاصة أن «سنجار» بكل دلالاته المكانية يحيلنا لمأساة يصعب على اللغة اختصارها؟
خمس روايات عربية فقط إذن تناولت مأساة النساء وجريمة الاغتصاب، ولا أعرف إن كُتبت نصوص غيرها حول الموضوع، لكننا نعرف جميعا اليوم أن نادية مراد، سواء كانت كردية أو عربية، وسواء كانت إيزيدية أو من طائفة أخرى، فهي من هذه الرقعة الواسعة، الواقعة داخل حدود الخوف، وتمثل جميع النّساء اللواتي ردمهن الصمت، وبارك مغتصبيهن، وأدانهن مرتين. وهي لَمأساة فعلا أن ننتظر الإنصاف من جهة غربية بحجم نوبل، لتلفت الأنظار لمآسي نسائنا، وكأننا عاجزون عن التعبير، والمطالبة بالعدالة، بل وكأننا أعداء لنسائنا، كون قضايا المرأة عندنا تعالج دوما بسخرية أو لامبالاة، وكل عمل جاد مثل الأعمال السابقة الذكر، تُفلَت عليها كلاب مواقع التّواصل الاجتماعي لتنهشها بشتى الشتائم والعبارات النّابية حتى تصاب بالخرس.
أشعر بالخجل وأنا أتأمل ابنة الخمس والعشرين سنة النّحيلة، التي تغيّرت حياتها رأسا على عقب من قروية مسالمة منسية في إقليم مهمل استباحه الدواعش، إلى ممثلة للمرأة العربية في محافل دولية في عواصم العالم المتحضر، تحكي مأساتها ومآسي بني جنسها، وكأنّها تقول: هذا ما أنتجته حملات الكراهية ضد المرأة في بلداننا بدءا بالمدارس، والمساجد، ووسائل الإعلام الكلاسيكية، ووسائل التواصل الاجتماعي … هذا ما أنجبته الذكورية المبالغ فيها في مجتمعنا، ونحن اليوم فعلا نستحق جائزة نوبل على تطرفنا الجندري، فقد تُوِّج الجرح ولم يُتوّج التّفوُّق والنجاح، توّج عجزنا، وسلبيتنا… يا للخزي… يا للعار!

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية