في لحظة كان العالم يضيء سماءه بألوان الفرح، تشتعل المفرقعات في الأعالي، تنفجر زهور اللهب الزاهية، تملأ الهواء أصوات الضحك والعدّ التنازلي لبدء عام جديد. أمنيات تتطاير في الرياح، قلوب ترفرف بأمل مستقبل أفضل، وأحلام معلقة بين السماء والأرض. كانت المدن تتلألأ بالأنوار، الشوارع مكتظة بالوجوه الضاحكة، كأس نخب، قبلة منتصف الليل، وعدٌ بأن الغد أجمل.
لكن في غزة، حيث غابت الأضواء واختنق الهواء، لم يكن للعام الجديد وجه الفرح. كان للسماء وجه آخر، وجه الغضب والحزن والموت. لم تكن تنيرها الألعاب النارية، بل نيران القذائف، كانت تتفجر لا احتفالًا، بل إبادةً! السماء هناك لم تحتضن الأمنيات، بل كانت شاهدة على صرخات من دفنهم الركام، على الأجساد التي ارتجفت تحت الأنقاض، على الأم التي تحتضن طفلها الباكي، عاجزة عن تهدئته من صوت الانفجار الآتي.
وفيما كان العالم يكتب قراراته الجديدة، كانت غزة تكتب أسماء شهدائها. كان المطر يهطل، لكنه لم يكن عذوبة وبهجة كما في أماكن أخرى، بل كان طوفانًا يفضح هشاشة الأمل. أغرق الخيام المهترئة التي احتمى بها الناجون، سقف من قماش ممزق لا يمنع عنهم بردًا ولا ماء. قطرات الماء كانت تتسرب إلى أجسادهم، مبللة أغطيتهم القليلة، متسللة إلى قلوب أطفالهم الراجفة، بينما ترتجف الأرض من تحته برعد القصف.
المستشفيات، تلك التي من المفترض أن تكون آخر ملاذ للإنسان، غرقت كذلك. مياه المطر تملأ الممرات، تنساب تحت الأسرة، تبلل الأرض حيث يرقد الجرحى، حيث ينام الموت بجوار الحياة. أطباء منهكون، أمهات ينتحبن، أطفال يبحثون عن أمل وسط غرف تغرق بالماء والدم.
كان من نجا من القصف يعيش مبلولًا، محاصرًا، لا برد الشتاء رحيمًا، ولا ماء المطر حنونًا. طفل يرتجف في حضن أمه التي فقدت كل شيء إلا هذا الحزن الثقيل، رجل ينظر إلى ما تبقى من بيته المهدم، صامتًا، كما لو أن الكلمات قد خانته.
وفيما كانت المدن الكبرى تحتفل بالعد التنازلي، كانت غزة تعد القذائف، تعد الجثث، تعد الخيام التي سقطت فوق رؤوس أصحابها. كان المطر في أماكن أخرى يغسل الطرقات، بينما في غزة يغسل الدماء.
لم يكن العام الجديد هناك بداية جديدة، كان استمرارًا لنزيف لم يتوقف. لكن رغم كل شيء، كانت القلوب تنبض. تحت المطر، تحت الركام، بين الخيام المهترئة، كان هناك من يهمس بصوت خافت: لن نموت بصمت. في كل طفل يرتجف، في كل يد تتشبث بالحياة رغم كل شيء، كان هناك أمل، كعناد الورد الذي ينبت من شقوق الجدران.
ربما لم تضئ الألعاب النارية سماء غزة، لكنها لا تحتاجها. ما تحتاجه هو أن يُطفأ اللهب، أن يتوقف المطر عن كونه غرقًا، وأن يأتي يوم تستقبل فيه عامًا جديدًا.. بلا موت.
شظية صامدة في القلب
إنها فتاة فلسطينية شابة في عمر الزهور، تحمل قلباً نابضاً بالحياة، رغم الألم الذي يجتاحها يومياً. أصيبت في صدرها إثر قصف إسرائيلي وحشي.. اخترقت الشظايا جسدها الصغير.. مزقت رئتها وأبقتها بين الحياة والموت. كان الألم يعتصرها، ولكن الألم الجسدي لم يكن شيئاً أمام الرعب النفسي الذي عاشته منذ تلك اللحظة.
حين أصيبت، وبينما كانت رئتها تنزف وجسدها الصغير يرتعش من الخوف، أوقفها جنود الاحتلال مع عائلتها وهم في طريقهم إلى مستشفى «كمال عدوان»، طلبوا منها التقدم لتلقي العلاج. كانت خائفة هل هو فخ؟ هل سيعتقلونها؟ أم ينهون حياتها بطريقة أخرى تحت غطاء العلاج؟
لقد حاول جنود الاحتلال إظهار إنسانيتهم الزائفة، وعرضوا علاجها وكأنهم ملائكة رحمة، ولكن حقيقتهم كانت واضحة كالشمس. أصروا على معالجتها في منطقة حساسة من جسدها، لم يكن الغرض إنقاذ حياتها، بل استغلال لحظتها الأضعف، فضحها، وتصويرها أثناء العلاج، ليجعلوا من جرحها مادة إعلامية يروجون لها لبشاعة الرحمة التي يدعونها.
قوة الانفجار كانت كفيلة بأن تقذفها بعيداً، ملقية بجسدها النحيل أرضاً، عاجزة حتى عن المشي. الألم كان ينهشها، لكنها لم تكن الوحيدة التي تعاني. فساحة المدرسة التي لجأت إليها مع عائلتها كانت ممتلئة بجثث الشهداء، ليست أجساداً مكتملة، بل أشلاءً متناثرة، إنه مشهد يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال. كان الدم يغمر المكان ورائحة الموت تخنق الأنفاس وصدى الصرخات العالقة في الهواء يهز الذاكرة.
هكذا أحاطها أربعة من الجنود، وجوههم خالية من أي تعبير إنساني، عيونهم جافة فارغة باردة.. سألها أحدهم: كيف أصبت؟ فرفعت عينيها التي كانت تغرق بالدموع وأجابت بشجاعة رغم الخوف: بنيرانكم، لكنهم أنكروا، كأن الحقيقة تُمحى حين تخرج من أفواه الضحايا. رغم الخوف الذي شل تفكيرها لم تتوقف عن التساؤل: لماذا يعالجونني وهم من حاولوا قتلي؟ لماذا ينقذونني وقد قتلوا المئات، بل الآلاف من أصدقائي وأهلي وجيراني؟ كانت مرتعبة وحاولت أن تطلب منهم السماح لوالدها بمرافقتها، عله يخفف عنها القليل من الرعب، ولكنه كان ما يزال محتجزاً في التحقيق. لم تشعر بالأمان إلا عندما أنزلت من الدبابة، خطواتها متعثرة، تنزف خوفاً وألماً أكثر مما تنزف دماً. لم تكن متأكدة مما سيحدث، لكن إحساساً ثقيلاً بأن الموت يحيط بها من كل صوب لم يفارقها.
وبعدما أنهوا تصويرها وكأنها دعاية لأكاذيبهم، طلبوا من والدها أن ينقلها إلى مستشفى المعمداني، إذ كان مستشفى «كمال عدوان» قد اقتحم وأحرق بالكامل في 27 الشهر الماضي.
لقد استأصلوا لها جزءاً من رئتها، لكن الشظية ما زالت هناك، مستقرة في عمق صدرها كأنها شاهدة على كل هذا الألم. هي تعاني اليوم من كسور في القفص الصدري، ومن رعب لا يفارقها، رعب يتسلل في صمت الليل كالكابوس، يعيدها إلى مشاهد الأشلاء التي مشت بينها، والدماء التي تخضبت بها ذاكرتها.
الخوف لم ينتهِ، بل تضاعف. هي تخاف من الشظية، وتخاف من الصور التي التقطوها لجسدها المنكسر، وتخاف من اعتقال مفاجئ، وتخاف من أن يُقتل إخوتها في شمال القطاع، وتخاف من أن تصبح رقماً آخر في قائمة الضحايا الذين تُركوا ليرقدوا في صمت الموت، دون أن يسمع العالم صراخهم.
تلك الشابة لا تحلم بالكثير، لا تتمنى ثروات ولا انتصارات شخصية. أملها بسيط.. أن تعيش. أن تنجو. أن تنام دون كوابيس. أن يستيقظ العالم من صمته وينظر إلى أطفال غزة بعيون الرحمة. أن يُوقف هذا النزيف، أن يكون لدماء الأبرياء ثمن، أن يكون لكل شهيد اسم يُذكر، ولكل جرح صوت يُسمع.
هي اليوم تحلم بالسلام، وتحمل في صدرها الجريح أملًا بسيطًا، أن يشرق يوم على غزة دون قصف، دون شظايا، دون جثث. فقط يوم واحد، يملؤه الضوء، والهواء النقي، وصوت الطفولة التي ما زالت تناضل لتعيش رغم كل شيء.
٭ كاتبة لبنانيّة