لم تكن أسماء بنت الـ 12 ربيعاً تدرك أن طفولتها ستنتهي على ايقاعات زفتي أيوب طارش ومنى علي في يوم مأتم حزين زفت فيه الى دار يخلو من حقائبها المدرسية ودُماها التي احتفظت بها للذكرى، ورسائل صديقاتها ورسوماتهن وشخبطتهن البريئة التي توحي بالطفولة والبساطة.
انتهكت طفولة اسماء مقابل حفنة من الريالات اصابت ولي امرها برمد في العين وصمم في الاذن وشلل في التفكير وعاهة مستديمة في العقل فزوجها على حين غفلة من مجتمع يغط في سبات عميق تجاه مثل هكذا قضايا بمبرر أن لا شأن له بذلك.
لم تكن أسماء(الطفلة) تعي أن زغاريد من حولها ومباركة الاهل لها وتهاني الجيران ستكون سبباً في تعاستها وخطف البسمة من محياها الذي لطالما أشرق بابتسامة عريضة مع كل نجاح تحققه وفي كل مناسبة تُفرحها. اتفقت الاسرتان على ترتيبات تشييع طفولة أسماء وحدد لذلك المكان والزمان ودُعي البعيد قبل القريب لحضور مراسم دفن أحلى سنوات عمرها ليأتي اليوم المشؤوم مصحوباً بأصوات الأعيرة النارية وأهازيج الرقصات الشعبية على وقع الطبول، وسط كل ذلك الضجيج أسماء لا تدرك ما يحدث من حولها وما سيكون.
بعد أن اسدل الليل ستاره ورحلت شمس أخر يوم في حياة الطفلة اسماء نادى المنادي في النساء أن الوقت أزف وحان لمفارقة الاهل والصديقات اللواتي لم يصدقن أن زميلتهن لن تذهب معهن مجدداً الى المدرسة ولن تقف في طابور الصباح لترتيل النشيد الوطني من جديد.
لم تكمل أسماء (الزوجة) عامها الثاني حتى جاءها المخاض الى احدى زوايا غرفتها الضيقة ولسان حالها يقول (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا).
لا تكاد اسماء (الام) تصدق أن الطفل الذي لا يجعلها تهنأ بنومها بسبب صراخه المتواصل هو ابنها الذي خرج من احشائها، بل أنها أخطأت مراراً وتكرراً وهي تناديه باسم إحدى دماها التي تركتها في دار اهلها.
الطفلة اسماء اذن كغيرها من فتيات اليمن اللواتي أجبرن على حرق مراحلهن والانتقال الى اوكار الزوجية المظلمة هن ضحايا انعدام الوعي لا قلته، وطمع اولياء الأمر لا حرصهم على ستر اعراضهم كما يدعون.
وانا افتش في تفاصيل هذه القضية وانبش خفاياها هالني ما توصلت اليه بعض التقارير الرسمية وغير الرسمية. تقرير رسمي لعام 2012 تدوالته مواقع محلية وخارجية كشف عن أن هناك ثمان حالات وفاة يوميا في اليمن بسبب زواج الصغيرات والحمل المبكر والولادة في ظل غياب المتطلبات الصحية اللازمة.
تقرير أخر اورد بعض الأرقام – التي اعتبرتها كارثية مسكوت عنها -حيث أوضح تقرير عن مركز دراسات وأبحاث النوع الاجتماعي بجامعة صنعاء أن نحو 52′ من الفتيات اليمنيات تزوجن دون سن الـ 15 خلال عامين ماضيين مقابل 7′ من الذكور، ووصلت نسبة حالات زواج الاطفال إلى 65′ من حالات الزواج ككل، منها 70′ في المناطق الريفية، وفي حالات لا يتجاوز عمر الطفلة المتزوجة الثماني أو العشر سنوات.
وكشف التقرير عن فجوة عُمرية كبيرة بين الزوجين، تصل في احيان إلى حالات يكبر فيها الزوج زوجته بـ 56 سنة!
وبحسب تقرير ثالث أصدره المركز الدولي للدراسات فقد حل اليمن في المرتبة الـ 13 من بين 20 دولة صُنفت على أنها الأسوأ في زواج القاصرات، حيث تصل نسبة الفتيات اللواتي يتزوجن دون سن الثامنة عشرة إلى حوالي 49′.
هذه الأرقام المرعبة لم تحرك ساكن سلطات الدولة المعنية التي اهتمت بتقسيم البلاد والخلاف حول مسمى وشكل الدولة القادمة. كما أن تلك الأرقام نفسها لم تعط ولو كبسولات حنان وعطف لأولياء الأمور الذين أعمى الله بصرهم وبصائرهم حين فكروا للحظة في قتل بناتهم بعقد نكاحي يقال عنه مجازاً (شرعي).
وسط هذه البشاعة المغلفة بأعراف وتقاليد اقل ما يمكن وصفها بالسخيفة تعالت اصوات حقوقية طالبت بسن قانون يحدد عمر الزواج بـ 18 عاماً يعاقب مخالفيه ويضمن اكتمال نضج الفتاة من الناحيتين العقلية والجسدية.
كما أقر فريق الحقوق والحريات بمؤتمر الحوار اعتماد سن الـ 18 كسن قانوني للزواج في اليمن.
شخصياً لا أرى جدوى لقانون كهذا دون مزامنته بحملات توعية لا تكل ولا تمل، فمن السهل جداً ونحن نعيش في زمن اللا قانون ان يتم اختراق قانون الزواج والتلاعب فيه لا سيما ونحن نغرق في غوغائية التنظيم وغياب المعلومات الدقيقة عن مكان وتاريخ الميلاد، كيف لا ونحن نعجز عن الاجابة على سؤال موظف الاحوال الشخصية، في أي شهر وفي أي عام ولدت؟
بلال الجراي