حين تُقتل الحقيقة في السرير… وعجبًا لحكومة «من المهد إلى اللحد»!

مرة أخرى، تؤكد إسرائيل للعالم أنها لا تطيق الكلمة الحرة، ولا الصورة التي تفضح، ولا تتحمل عدسة توثّق جرائمها على الأرض. فحين سقط الصحافي الفلسطيني حسن إصليح، داخل مستشفى ناصر في خان يونس، لم يكن يمسك سلاحا، بل كان يواجه الاحتلال بما تبقى له من جسد منهك وكاميرا كانت شاهدة على هول المجازر.
اغتيال إصليح ليس فعلاً عسكريًا عابرًا، بل هو جريمة مركّبة: اغتيال للإنسان، واغتيال للمهنة، واغتيال للحقيقة. فالاحتلال لا يطيق صوتًا خارج سرديته، ولا يقبل بأن يرى العالم ما يرتكبه في حق أهل غزة، ولذلك يلاحق الصحافيين الواحد تلو الآخر، سواء كانوا ميدانيين في الخطوط الأمامية، أم جرحى يتلقون العلاج فوق أسِرّة المرضى.
اتهموه بأنه «متنكّر في صورة صحافي»، وكأن الكاميرا باتت أداة حرب، وكأن التوثيق أصبح جريمة. ومن المفارقات الفجّة أن هذه التهمة بالضبط هي اعتراف صريح بأن الرجل كان خطرًا حقيقيًًا على آلة الكذب والدعاية الإسرائيلية، لأنه ببساطة كان يوثق الحقيقة، وينقل صورة الواقع دون مساحيق، دون تزوير، دون تواطؤ.
حسن إصليح لم يكن مجرد صحافي؛ كان صوت غزة من الداخل، عينها التي لا تنام، وضميرها الذي لم يهادن. تابعه مئات الآلاف لأنهم وجدوا فيه مرآة لوجعهم، ونافذة يطلون منها على العالم رغم الحصار. وبدلاً من أن يُكرَّم على عمله، حوصر مرتين: مرة عندما استهدفته الغارات، ومرة أخرى عندما لاحقته الصواريخ داخل المستشفى، حتى وهو ممدد لا يقوى على الحركة.
أيّ وقاحة هذه التي تسمح لدولة تدّعي التحضر أن تطلق صواريخها على منازل الشفاء؟ وأيّ منطق هذا الذي يجعل المستشفيات أهدافًا عسكرية؟ هل بات الجريح تهديدًا، والمريض مشتبهًا به، والطبيب متّهمًا؟ ثم ما معنى أن تسقط تسعة صواريخ على محيط مستشفى غزة الأوروبي وتُزهق أرواح 16 إنساناً؟ هل أصبح الدواء عدوًا يجب قصفه؟ أم إن الاحتلال قرر القضاء على ما تبقى من مظاهر الحياة في غزة؟
هذه ليست مجرد حرب. إنها إبادة على مراحل، حيث يمنح الكيان الصهيوني لنفسه الحق في أن يكون القاضي والجلاد في آن. وكل من يرفع صوته ضد هذا الجنون، يصبح هدفًا مشروعًا، سواء كان مقاومًا، أو مسعفًا، أو صحافيًا.
لقد قُتل حسن إصليح، لكن ما وثّقه لن يموت، ستبقى صوره شاهدة، وستظل دماؤه لعنة تطارد كل من صمت، وكل من تواطأ، وكل من برّر. لقد خسرنا جسدًا، لكننا كسبنا رمزًا وشاهدًا جديدًا على أن الاحتلال يخشى الكلمة أكثر مما يخشى السلاح.
آن للعالم أن يسأل نفسه: كم من الصحافيين يجب أن يُقتلوا، وكم من المستشفيات يجب أن تُدمر، وكم من الأطفال يجب أن يُبتروا، حتى يدرك أن الحرب على غزة ليست دفاعًا عن النفس، بل قتلٌ ممنهجٌ لروح الحقيقة والكرامة والإنسانية؟

سائق قطار التطبيع!

في أولى خطواته كرئيس (مُجدّدا) للولايات المتحدة، اختار دونالد ترامب أن يفتح بوابة الخليج والشرق الأوسط، من خلال زيارات خاطفة لبعض الدول العربية. زيارةٌ لم تكن لتثير التساؤل لولا أنها جاءت في وقتٍ يتصاعد فيه العدوان على غزة، ولولا أنها ترافقت مع إفراج حركة «حماس» عن سجين يحمل الجنسية الأمريكية، في خطوة تُضمر أكثر مما تُظهر.
ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض وهو أكثر صراحة واندفاعًا، لا يُخفي تحيّزه السافر لإسرائيل، ولا يُضيّع فرصة لتعزيز معسكر «التطبيع» على حساب الحقوق الفلسطينية. لذلك، فإن أي جولة له في المنطقة ليست بريئة، وإنما هي جزء من هندسة سياسية إقليمية، يُراد لها أن تطفئ شعلة المقاومة، وتحوّل غزة من جرحٍ مفتوح إلى ورقة مساومة.
بيد أن المشهد يزداد التباسًا عندما تبادر «حماس» بالإفراج عن سجين أمريكي، في توقيت حساس. هل هو باب لتفاهم إنساني، أم بوابة لرسائل سياسية؟ هل تريد «الحركة» فتح قنوات مع الإدارة الجديدة/ القديمة؟ أم تحاول إحراج إسرائيل أمام حليفها الأول؟
ما يُخشى منه أن تُستثمر هذه الخطوة في كواليس السياسة الأمريكية والعربية لإعادة تسويق «حماس» كطرف يمكن احتواؤه في تسوية مُلتوية، أو لتبرير إعادة رسم التحالفات بما يخدم أجندة واشنطن وتل أبيب. والأسوأ أن يُستخدم هذا الحدث لإيهام الرأي العام بأن القضية الفلسطينية دخلت «مرحلة النضج السياسي»، تمهيدًا لفرض حلول مجتزأة تحت عنوان «فرصة تاريخية» تقودها أمريكا الجديدة/ القديمة.
لكن غزة تعرف جيدًا هذا النوع من الفخاخ. وتجربة العقود الماضية علّمت أبناءها أن اليد التي تُلوّح بالسلام، غالبًا ما تُخفي خنجرًا وراء ظهرها. وعلى الرغم من هول المجازر ودماء الأطفال، فإن غزة لا تُباع. لا للسجناء ولا للوعود ولا للابتسامات الدبلوماسية.
لقد عاد ترامب، لكن التاريخ لا يعيد نفسه إلا عندما يغيب الوعي. وغزة لم تفقد وعيها بعد، ولن تفقده أبدا.

الفلكلور السياسي!

يبدو أن السيد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، قرر أن يبدأ حملته الانتخابية مبكرًا جدُا! فقد تسلل الموسم الانتخابي إلى ردهات حزبه «التجمع الوطني للأحرار» مثقلا بالميكروفونات والكاميرات والتقارير المتلفزة والإلكترونية التي تحاول إقناع الشعب بأنه يعيش في يوتوبيا تدعى «2021/2026، السنوات الذهبية».
ولأن الخيال وحده لا يكفي، نزل الحزب إلى الشارع، وشرع في استعراض «الحصيلة الحكومية». مشهد أقرب إلى «الفلكلور» السياسي منه إلى المحاسبة الديمقراطية. حفلات ترويجية بلون واحد، شعار واحد، صوت واحد… وربما اسم واحد في الحكومة، يشتري ويبيع لنفسه من خزينة الدولة!
أحد الوزراء من حاشية أخنوش، وقد أصابه الحماس، انبرى يقول إن حكومتهم تهتمّ بالمواطن من «المهد إلى الشيخوخة»، وكان على وشك أن يتمها: «إلى اللحد» لولا أن عضّ على لسانه. فهو يعلم أن حكومته تهتم بالمواطن فعلاً… لكن فقط إذا كان من شركائهم التجاريين أو من الأوفياء لصناديق الاقتراع الزرقاء.
وحتى لا يقال إن الأمر شائعة، جاءت السيدة عضو المجلس البلدي لمدينة أغادير لتضع النقط على الحروف، أو بالأحرى على «الخطوط الحمراء» قائلة: «من لم يعجبه الحال… فليغادر أغادير!»، هكذا، بكل صراحة. لم تقل: «فلينتقد»، أو «فليناقش»، بل «فليرحل». لعلها لم تكن تعلم أنها، بقولها هذا، تجسد شعورًا دفينًا يهمس به بعض «صالونات الأرستقراطية السياسية الجديدة»: «هذا البلد لنا، نقتسم خيراته، ومن لم يعجبه الحال، فليبحث له عن وطن آخر في أرض الله الواسعة!»
لا عجب، إذن، أن نرى حكومة تقوم على تضارب المصالح دون حياء: رئيسها يُفوت الصفقات لشركاته، وأعضاؤها يحصنون مواقعهم بالإشهار المؤدى عنه من أموال الشعب، فيما الإعلام بجل أصنافه يتحول إلى قناة داخلية لحزب الأغلبية الفرحة باستبدادها وليبراليتها المتوحشة.
أخنوش، في لحظة انتشاء، قال إن الحكومة لا تلتفت إلى النقد لأنها «تشتغل». والمواطن المغلوب على أمره يشتغل بدوره على فهم هذا النوع الجديد من الديمقراطية التي تُدار كـ»مجلس إدارة شركة قابضة» بـ»كوادر» موثوق بهم. أما «زبائن» هذه الديمقراطية، فعليهم أن ينتظروا البيان الختامي في غضون 2026، مع توصية بسيطة من السيدة عضو المجلس البلدي لمدينة أغادير: «إذا لم يعجبكم العرض… فغادروا القاعة!» ولكن، مَن عليه أن يرحل حقا؟

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية