كان والداي على رأس قائمة من أيدوا إعلان وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان بأنه سيتم إغلاق أبواب السجون أمام محامي السجناء. والآن يقولان لي بالأمر بأن عليّ الابتعاد عن السجون. هذا نوع من تجسيد أمنياتهم خلال العقدين اللذين كنت أمثل فيهما السجناء. مثل آخرين، والداي يخطئان أيضاً في الاعتقاد بأن الابتعاد عن السجون هو أفضل التحصينات من فيروس كورونا، بل ومن مشاهدة شخص هزيل مريض عيونه خافتة ونوبات الاكتئاب.
رؤية والديّ لا تختلف عن الطريقة التي يبدو فيها السجن في نظر معظم الجمهور: مكان من هم فيه يعد مصدراً للعدوى الصحية والاجتماعية، ومن الأفضل عدم التواصل معهم، وكثيرون استقبلوا إغلاق أبواب السجون بتنفس الصعداء. التفكير فيما كنت ستشعر به لو كنت مكان السجين، هو تفكير لا يخطر ببال هؤلاء الناس، وكأنه هناك حصانة من السجن لكل واحد منا، كالانزلاق بشكل متعمد أو غض الطرف أو الإهمال.
إن منع المحامين من الوصول إلى موكليهم، ومنع العائلات من زيارة أبنائها، قد يفرح البعض لاعتبارات ضيقة، لكن ذلك يقض مضاجع آلاف الأشخاص، أبناء العائلات الذين يقلقون على مصير أقاربهم في السجون، أحياناً في ظروف مجهولة. كل محام مسرور من إعفائه من الذهاب إلى السجون، وكلٌّ يعرف أن إبعاده عن السجن هو مثل بصقة في وجه موكله.
الاكتظاظ في السجون يشجع انتشار فيروس كورونا السريع، واحتمالية أن إصابة شخص واحد ستتحول بين عشية وضحاها إلى إصابة جماعية، تظل احتمالية واقعية. من هنا، فإن قلق السلطات من انتشار سريع للفيروس والإضرار بصحة السجناء وأعضاء الكادر هو قلق مبرر ومفهوم. ولكن إعلان اردان عن إغلاق أبواب السجون أمام الزوار، وكذلك المحامون، كان إعلاناً متسرعاً.
كان من الجيد لو أن إطلاق سراح جماعي لعدد من الأسرى، الذي صودق عليه الآن، هو الحل الأول الذي تم تبنيه وليس الإغلاق الشامل لأبواب السجون. كان يمكن أيضاً فرض قيود على دخول جهات خارجية إلى السجن، وبذلك تقليص احتمالية وصول المرض من مصدر خارجي. ولكن لا يوجد أي منطق في القرار الذي سمح بدخول سجانين جاءوا من بيوتهم إلى السجن، شريطة فحص درجة حرارتهم، وفي المقابل يمنعون المحامين من القيام بمهمتهم. خلافاً للسجانين، لا يتصل المحامون بشكل مباشر مع السجناء، ويتم أيضاً إجراء اللقاءات في ظروف مقيدة ما زالت أقل أضراراً من منعها بصورة قاطعة.
إغلاق منشآت الاعتقال أمام أي جهة، باستثناء العاملين فيها، يعني إلغاء أي جهاز للرقابة على ما يحدث داخل السجون. المحامون الذين يمثلون السجناء لتحقيق حقوقهم، هم جهاز رقابة جوهري، وهذا أمر مهم بشكل خاص في هذا الوقت، حيث الغموض يلف كل شيء، وهناك قيود تضعها السلطة التنفيذية دون تدخل السلطة التشريعية. وإلزام المحامين بتمثيل السجناء عن بعد بدون أي إمكانية للتحدث معهم بصورة منفتحة وعلى انفراد، هو استخفاف ويمس في المقام الأول حق السجناء الأمنيين بإجراءات نزيهة وتمكينهم ومن الوصول إلى المحاكم وتمثيل قانوني مناسب.
بشكل غير مفاجئ، فإن السجناء الفلسطينيين، المصنفين كأمنيين، هم أول المتضررين. وخلافاً للسجناء الأمنيين اليهود الذين بإمكان معظمهم استخدام الهواتف، في حين لا يتاح ذلك أمام السجناء الفلسطينيين. ويقتصر اتصالهم مع العالم الخارجي فقط على زيارة العائلات والمحامين. ومنذ إغلاق أبواب السجون لا يوجد للسجناء الفلسطينيين من يتحدث باسمهم. ولا يوجد لهم أي وسيلة للإبلاغ عن مشكلاتهم بشكل مباشر، حيث يمكّن من إجراء معالجة قانونية مناسبة. حالة الطوارئ لا تنهي من تلقاء نفسها متاعب السجناء اليومية، بل العكس، الضائقة تزداد إزاء المعرفة بأن علاج هذه المشكلات سيتوقف من الآن فصاعداً.
صحيح أن لوائح حالة الطوارئ تمكن من إجراء اتصال مع المحامين، لكن ذلك يبقى متاحاً فقط طالما هناك مداولات قانونية معلقة وسارية. وماذا لو تمت مهاجمة السجين في الليل ولم يعالج كما يجب؟ وإذا توقفوا عن توفير العلاج الذي يحتاجه؟ وإذا كانت والدته تحتضر وهو يريد وداعها؟ وماذا إذا كانت السجينة في الدورة الشهرية وانعدمت الوسائل الصحية في الغرفة؟ في هذه الأوضاع، من الواضح أن وظيفة المحامية هي ترجمة ضائقة السجناء إلى مداولات قضائية.
حكم على كل هؤلاء السجناء الآن بالانتظار مع مشكلاتهم والتنازل عن حقوقهم. والانشغال الكبير بانكشاف السجناء للفيروس لا يلغي واجبنا كمجتمع ومحامين في مواصلة التأكد من أن حقوق السجناء مضمونة ولو بحدها الأدنى. هذا يمكن فعله فقط إذا تمكنا نحن المحامين من الدخول إلى السجون. وليسمح لي والداي.
بقلم: عبير بكر
هآرتس 30/3/2020