«ماذا لو يتعطل الموت فجأة ونصير مجرد كائنات خالدة؟ سؤال خطير. أوتعلم لماذا؟ لأنه سيجعل الخلود معضلة». هكذا يخاطب بطل الرواية «زهير أدهم» صاحب رواية «الغابة النرويجية» و«كافكا على الشاطئ» في رسالة تحمل حزنا عميقا على وفاة الوالد ولوما ظاهرا يلقيه كاتب الرساله إلى هاروكي موراكامي.
يبدأ كل شيء داخل مصحة للأمراض العقلية، إذ يجد زهير أدهم نفسه أمام طبيب نفسي يحاول اكتشاف المستور وإخراجه من قوقعته التي فرضها عليه الحزن، من خلال التحليل النفسي في المصحة. وسيترك الطبيب بدهائه المجال لبطلنا ليسرد علينا أوهامه عن قتله للروائي المشهور هاروكي موراكامي. تبدأ القصة بصدمة عنيفة يتلقاها أدهم زهيرعقب وفاة والده المفاجئة. وستأخذ الأمور مجرى آخر عندما يلتقي بطلنا بصديقه الروائي ميمون، هذه الشخصية غريبة الأطوار التي تبدو في النص مرآة للبطل زهير أدهم، فأتساءل إن كانا الشخص نفسه، بما أن بطلنا يعاني من اضطراب عقلي، ويدعم ذلك كل من الروابط المشتركة التي تجمعهما. فكلاهما ناشط سياسي وكاتب في الوقت نفسه، وكلاهما فقد شخصا عزيزا بسبب لعنة موراكامي. ولكن هذه الرؤية، سواء كانت حقيقية أم هلوسة فإنها ستوقظ في نفس بطلنا زهير أدهم عدة تساؤلات منها، ما الذي كان يفعله والده في الغابة، وهو يحمل رواية «الغابة النرويجية» قبل موته. فينبهه ميمون بقوله «هل تؤمن بوجود كتب ملعونة؟» ثم يأتي في موضع آخر يحاول إقناعه بوجود لعنة ما في كتاب «الغابة النرويجية» فيخبره بأنها «لعنة تسللت من الكتاب (الغابة النرويجية لتقبض روح والدك»، وعمل زهير أدهم على تصديقها مواصلا رحلة البحث في أعماق الغابة.
وتعد الغابة هنا مكانا رمزيا لأعماق النفس، كما هي الحالة مع الكهف والحفرة. إذ يؤكد البطل ذلك مرارا ”كنا نسير في دروب تلك الغابة العميقة جدا. قال لي موراكامي، أن تلك الغابة هي أعماقي. هل تصدق؟ كنا نتجول داخلي». ولكن بحثا عن ماذا؟ هل هي الحقيقة؟ أم البحث عن شيء لا وجود له وهو والده الذي لم يعد حيا. هل هي رغبة للهروب من الواقع؟ أم رغبة في اكتشاف الذات؟
تعد هذه الرواية بمثابة محاولة لفهم الحياة من خلال تجربة الموت التي تعد أهم تجربة مرت بها البشرية، ولكنها تجربة لم تعطنا الكثير من الأجوبة.
وتستمر رحلة البطل في الغابة للوصول إلى الحقيقة، فيجد كهفا هناك استعمله الإرهاب في زمن العشرية السوداء، ولكنه سيقوده هذه المرة إلى عالم آخر، إذ سيلتقي هناك بموراكامي وهنا يجدر بنا العودة إلى الحديث عن الرمز في الرواية. فقد لعب دورا مهما في تحديد مستوى الأحداث وطريقة فهمها. إذ يجد موراكامي رفقة فتاة ترتدي فستانا أزرق تطارد الفراشات وتحمل سمات البراءة، ولكنها تمثل الموت في الأخير. أليس الموت شيئا قاسيا يجدر به أن يحمل أقذع الصفات. ولكن نظرة الروائي للموت تختلف تماما، إذ يظهر من خلال الوصف الدقيق للفتاة أنها مرحة وبريئة تماما.
ولكن ما وراء تلك البراءة لغز لا يمكن اكتشافه. أليس الموت أيضا راحة من عذاب الحياة، هل الموت هنا يرمز إلى بوابة نحو الجنة والخلود الأبدي الذي يحلم به المؤمنون. هل أراد الكاتب أن يعوض عن حزنه باعتقاده أن هناك عالما مثاليا بعد الموت، إذ نرى الابتسامة في وجه الوالد بعد لقائه بولده أدهم في الكهف.
سيحقق البطل رغبته في قتل موراكامي انتقاما لأبيه، برميه في حفرة سحيقة لا قرار لها. ولكن أين توجد تلك الحفرة؟ فيعترض أدهم سؤال الطبيب حتى قبل أن يطرحه. بقوله ”لا تسألني مرة أخرى أين توجد تلك الحفرة؟ إنها في مكان داخلي. في داخل كل واحد منا يخفي مقبرة مليئة بجثث قتلاه» يأتي الموت بعد ذلك في هيئة فتاة ليقوده إلى والده أخيرا، ولكن بشرط أن يقدم قربانا بقطع معصمه، وعندما يفعل ذلك ستسقط لعنة موراكامي ويظهر والده أمامه، ولكن والده سينصحه بالخروج من الغابة لينقذه من دوامته الداخلية.
ليخرج إلى الواقع، حيث هناك الحياة الحقيقية التي يعيشها الناس العاديون. سيفقد أدهم زهير وعيه أخيرا وعندما يستيقظ يجد أن معصمه مربوط لمنع النزيف.
ولكنه سينهي ما تبقى له من أيام داخل مصحة عقلية. لم يتعاف البطل من الصدمة التي أحدثها الموت بداخله فقد صدق حين قال: «المــوت يحدث في داخلنا هذا الزلزال الكبير، بمجرد أن يضرب في أعماقنا نكتشف أننا لم نعد كما كنا».
تعد هذه الرواية بمثابة محاولة لفهم الحياة من خلال تجربة الموت التي تعد أهم تجربة مرت بها البشرية، ولكنها تجربة لم تعطنا الكثير من الأجوبة. ويظل السؤال مطروحا، ما الموت؟ وما جدوى الحياة إن كنا سنتركها في الأخير؟ هل هناك عالم آخر؟ كل هذه الأسئلة ستتبادر إلى ذهن القارئ الذي لن تقوده الرواية في النهاية سوى إلى البحث عن كتاب آخر ليفك به لعنة الحياة.
٭ كاتب وروائي جزائري