فاتتني المشاركة في الوقفة التضامنية مع ضحايا معتقلات نظام الأسد التي أقيمت أمس في ساحة الشيخ ضاهر، وصلت متأخرة بسبب انشغالات خاصة، كان التجمع قد انفض، وبقيت مجموعة صغيرة من الشابات والشبان يتناقشون بحماس، وعيونهم تتقد تصميما وحيوية.. لم يعد لعن الحاضر شكلا وحيدا لرفض نظام الاستبداد، كما كان الحال خلال السنوات الأخيرة، التي هيمن فيها اليأس على اللاذقية إسوة بعموم سوريا، بل ربما أكثر.
حذاء الطاغية «الفوتوجونيك»

لم يتبق من تمثال حافظ الأسد الذي انتزع من مكانه وسط الساحة، وحطم، وجرت أشلاؤه في الشوارع، سوى الحذاء.. التقاط الصور مع هذا الحذاء النحاسي البشع أصبح هواية جديدة لأهل اللاذقية، بل يبدو أنه أضيف إلى قائمة النشاطات العائلية المحببة. فتاة تتخذ أوضاعا «جذابة» أمام عدسة صديقتها، وعائلات عدة تنتظر دورها باللقطة التذكارية، الصبية يتسلقون القاعدة ويقفون بساقين متباعدتين على فردتي الحذاء، والبنات الصغيرات يحملهن آباؤهن أو أمهاتهن. وأكاد أجزم أن نصيب التمثال من الصور التذكارية طيلة السنوات التي كان فيها رمزا لجبروت الطاغية المؤسس لم يصل إلى واحد في المئة مما حظي به حذاؤه مكسر الأطراف خلال أسبوع واحد فقط. يبدو أنه حقا حذاء «فوتوجونيك» (أي يظهر جذابا في الصور)!
الشمس قاربت على المغيب، ولم يعد الذهاب وحدي سيرا على الأقدام إلى مشروع الزراعة فكرة جذابة، على عكس الاستعانة بصديق، فكيف إذا كان الشاعر منذر مصري، الذي أصر على البقاء في اللاذقية خلال أحلك لحظات محنتها وفي وضع لا يحسد عليه، متمسكا بأمل بدا حينها انفصالا عن الواقع، إن لم نقل شبه جنون.
حي الزراعة أخضر
منذر الأسد، حافظ منذر الأسد، كمال الأسد، دريد الأسد، هؤلاء بعض آل الأسد فقط الذين كان يقطنون مشروع الزراعة والمنطقة المجاورة له، ومعهم العديد من العائلات ذات النفوذ والمقربة من السلطة (هرب آل الأسد، ومعظم المتنفذين، ولا أقول كلهم خشية أن أجافي الدقة) وهو حي حديث، حيوي ومكتظ، تسكنه أغلبية علوية وقد أكسبه قربه من الجامعة وأسباب أخرى لمحة شبابية واضحة، وفيه العديد من المقاهي والمطاعم والمتاجر والمكتبات والمقاهي الثقافية إن صح التعبير. وخلافا لما قيل في بداية سقوط النظام عن حالة الهدوء والتوجس التي سيطرت على الحي، الذي يعتبر مواليا بشكل عام، والتزام سكانه منازلهم أو مغادرتهم إلى القرى، كان الحي أمس بكامل حيويته المعتادة، الحركة طبيعية في الشارع، ولا شيء يشي بعدم ارتياح أو قلق، المقاهي مزدحمة بالرواد، والمتاجر مفتوحة ما عدا قلة قليلة، بسطات الخضار كعادتها. لاحظت غيابا كاملا لشباب الفصائل المسلحة التابعين للهيئة، رغم أنني سمعت سابقا أنهم متمركزون عادة عند دوار الزراعة. وكان عدد من الأعلام الخضراء منتشرا هنا وهناك.
يقدمون في المقهى الذي جلسنا فيه البيرة عادة، وربما مشاريب كحولية خفيفة أخرى، لكنهم أخفوها الآن. لماذا؟ مجرد إجراء وقائي، لم يسألهم أو يتعرض لهم أحد على الإطلاق، كما أخبروني. إنه تفصيل هامشي بالتأكيد مقابل المخاوف والاستحقاقات الضخمة التي تنتظر سوريا والسوريين، ولكنني أسأل من باب الرد على الإشاعات ومخاوف تقييد الحريات.
مجموعات من الفتيات والشبان، كانوا مستغرقين في الأحاديث، أخبرني جيراننا على الطاولة المجاورة أنهم متحمسون جدا للتغيير، وليس لديهم مخاوف تذكر، سعادتهم كانت واضحة على كل حال. كان العلم الأخضر يتصدر الجدار داخل المقهى.. إنها اللاذقية التي نحب، بتعدديتها وتسامحها. حركة السير أفضل في اللاذقية اليوم، التكاسي والسرافيس والباصات عادت إلى العمل، لكنها أقل من المعتاد، فقد فتحت المدارس وعاد الموظفون إلى دوائرهم ومؤسساتهم، وإن كانت نسبة المتغيبين لا تزال كبيرة. الشوارع ما زالت تنوء بتكدس القمامة، ولكيلا يكون الانطباع خاطئا، فهكذا هو حالها ما قبل سقوط النظام، ورغم الشعور المستعاد بالمواطنة ومبادرات خاصة من قبل جمعيات وأفراد، فالمشكلة ما زالت قائمة مع غياب عمال التنظيفات.. التقنين الشديد في الكهرباء والماء أيضا لا يزال مشكلة عويصة تنتظر الحل.
مسلحو الهيئة كمان وكمان
من الملاحظ في عموم المدينة قلة ظهور مسلحي الهيئة في الشوارع، فهم متمركزون وبأعداد قليلة أمام البنوك والأبنية الحكومية والمراكز المهمة، ورغم غياب الشرطة، فالفوضى أقل. والناس أكثر انضباطا، ولا توجد اختناقات مرورية أو تجاوزات. لكن الواضح أن المسلحين معجبون بشكل خاص ببضع مطاعم في اللاذقية، أولها مطعم سومر على الكورنيش الجنوبي، وإضافة إلى لطافتهم وهدوئهم، فهم وعلى خلاف عناصر الأمن والشبيحة ومسلحي النظام الساقط، حريصون على دفع كامل فاتورة طعامهم، وعادة بالعملة التركية أو الدولار. اليوم تقصدت أن أرتدي ثوبا قصيرا نسبيا، بما أن الشائعات تتحدث عن التدخل في ملابس النساء، وهناك مخاوف من فرض الحجاب. لم أجد أي ردة فعل مختلفة. رد الشاب الملثم بكل لطف على تحيتي، وحين سألته عن سبب لثامه، وأردفت أننا نحب مشاهدة وجه من شارك في تحريرنا. أماط اللثام عن وجه طفولي وسيم. ثم أعاده، قائلا، إنها عادة، لا أكثر. اقترب عيد الميلاد، واكتملت الزينة الآن. أمام كنيسة اللاتين سيدة محجبة تلتقط صورا لطفلتها مع الشجرة المزينة، أبتسم لها، فتقول لي «ميلاد مجيد، ينعاد علينا بالخير».

كاتبة من سوريا