حين يصبح العناق هدفًا عسكريًا: أطفال غزة في مرمى الخوارزميات القاتلة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: في الصباحات الغزّية التي باتت تشبه الليل، حيث لا ضوء إلا حرائق القصف، وحيث يُولد الفجر من أنين البيوت، استيقظت الطفلة أفنان أبو صفية ذات الستة أعوام على صوت انفجار هزّ حيّهم المتواضع في دير البلح. كانت قد نامت إلى جوار والدها في تلك الليلة، بعد أن عاد إلى المنزل سرًا بعد أيام من التخفي القسري، هربًا من استهداف بات يترصّد الرجال حين عودتهم إلى عائلاتهم. لكن الأب، الذي ظن أنه حمى طفلته بحضنه، لم يعلم أن هناك آلة ما، في مكان ما، كانت تنتظر عودته بدقة رياضية.
حين أفاقت أفنان بعد ساعات، كانت في مستشفى الشفاء، يلف جسدها شريط من الشاش الأبيض، وتغيب ذاكرتها عن لحظة القصف، لكنها تكرر سؤالًا واحدًا للممرضة، بعينين جافتين من الدموع: “أين أبي؟”. سؤال تحوّل إلى لازمة تتردّد على ألسنة عشرات الأطفال في غزة ممن فقدوا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم، ليس بسبب استهداف عسكري اعتيادي، بل لأن خوارزمية ما حدّدت لحظة وجودهم معًا في البيت، فأرسلت صاروخًا لم يمهل أحدًا.
أفنان ليست حالة فردية، بل هي نموذج من بين مئات القصص التي تتكرر في القطاع المحاصر منذ أكثر من عام ونصف، حيث بات الذكاء الاصطناعي أحد أركان الحرب، لا على الجبهات، بل داخل البيوت.
تقول والدة أفنان لـ”القدس العربي”، بصوت مبحوح: “قال لي الطبيب إنهم وجدوه ممزق الجسد بجانب ليان. لم يبقَ من عائلتي شيء. حتى الصور تحولت إلى رماد”.
في زمن لم تعد فيه الطائرات وحدها هي القاتل، بل الأكواد والأنظمة الذكية، يتكرر السؤال: كيف يمكن لخوارزمية أن تقرر من يعيش ومن يُقتل؟ وكيف تحوّل أطفال غزة من ضحايا القصف العشوائي إلى أهداف مدروسة في برنامج قصف دقيق؟
في بيت صغير وسط خانيونس، كانت الطفلة جودي النجار تحاول أن تُكمل رسمة بدأتها قبل شهر، تظهر فيها بيتهم محاطًا بأشجار الزيتون. لكن يدها ترتعش كلما حاولت أن ترسم ملامح والدها. فالأب، الذي عاد إلى البيت ليلًا بعد رحلة بحث عن طحين لعائلته، لم ينجُ من القصف الذي استهدف بيتهم مع أول ضوء للفجر.
تروي والدتها خلال حديثها لـ”القدس العربي”، عائدة من صدمة لم تُشفَ منها بعد، كيف كان كل شيء طبيعيًا: “عاد متعبًا. تناولنا بعض الفول، ثم نام مع البنات. لم أسمع إلا صوتًا مروعًا. بعده رأيت السماء من فوق فراشنا، والغبار يملأ البيت”.
جودي، التي نجت بأعجوبة، تقول لـ”القدس العربي”: “كنت نايمة بين أمي وأبوي. صحيت وأنا لحالي. كل مرة أحاول أنام، بحلم إنه صوت الصاروخ بيرجع”. وتضيف: “أنا بس كنت بدي أرسم صورة لأبوي… ليه ما خلوني؟”.
ما حدث لجودي حدث لعشرات الأطفال ممن كانوا في حضن آبائهم أو بجوارهم حين قررت أنظمة الذكاء الاصطناعي، كـ”Where’s Daddy”، أن الوقت مثالي لضربة جوية. هذه الأنظمة لا ترى الوجوه، لا تسمع الصراخ، لا تعرف الأحضان. هي فقط ترصد توقيت عودة الرجل إلى بيته، وتعتبرها لحظة مناسبة للإبادة.
في تقرير نُشر مؤخرًا، تؤكد مؤسسة Defense for Children أن نمط الاستهداف الذي يتبع لحظة عودة الأب إلى المنزل يتكرر بشكل لافت، ويكشف عن توظيفٍ ممنهج لتقنيات الذكاء الاصطناعي في اختيار أهداف بشرية مدنية، دون تدخل بشري. الطفولة في غزة، وفق هذا النمط، لم تعد محمية لا بحضانة، ولا بسرير، ولا بيدٍ تمسك بها.

قرار في 20 ثانية

حسب تقارير استقصائية، بينها تحقيق موسع نشرته مجلة +972 الإسرائيلية، فإن الوقت المستغرق بين لحظة تحديد الهدف وشنّ الغارة لا يتجاوز 20 ثانية. عشرون ثانية فقط لتحويل بيتٍ إلى قبر جماعي، بدون أي مراجعة بشرية. البرامج التي تدير هذه العمليات، كـ”Lavender” و”Where’s Daddy?” و”Habsora”، تعمل بشكل متكامل: تحلل بيانات ضخمة، تحدد أنماط السلوك، وتوصي بالاستهداف.
في كثير من الحالات، تُمنح الأوامر بشكل تلقائي، وتُستخدم قنابل تزن أكثر من 250 كيلوغرامًا، تُسقط فوق منازل في مناطق سكنية كثيفة. ما يعني أن عشرات المدنيين، معظمهم أطفال ونساء، يُقتلون تحت سقف بيت لم يغادروا حدوده يومًا.
يروي خالد زقوت، أحد الناجين من مجزرة في بيت لاهيا، كيف فقد زوجته وطفليه في لحظة.
يقول لـ”القدس العربي”: “رجعت للبيت ساعة 1 بالليل. كنت مختفيا لأنه سمعنا إن الجيش يستهدف أي رجل يرجع لبيته. نمت ساعة، صحيت على أصوات ما بتتشاف. طلعوا أولادي ماتوا، وأنا حي بس”.
هذا النمط في الاستهداف لا يحدث بالصدفة، بل وفق خوارزميات مصممة لتعظيم النتائج بأقل جهد. لكنها لا تفرق بين سرير طفل ومخبأ سلاح. بين حضن أم وانعقاد اجتماع سري. هنا، تتحوّل التقنية من وسيلة إلى جريمة، ومن أداة إلى قاتل صامت.
في مستشفى ناصر بخانيونس، جلست الطفلة حنين العسولي على كرسي متحرك، تغيب قدماها تحت الغطاء. كانت قد فقدتهما إثر قصف طال منزلهم بعد عودة والدها بدقائق. تقول والدتها، وهي تمسح دموعها: “كان لسه موصلنا الأكل. جلسوا البنات حوله، وما لحّقنا نضحك، إلا والصوت نازل من السما”.
تتحدث حنين بصوت خافت خلال حديثها لـ”القدس العربي”: “أنا ما بلعب زي قبل. رجليا راحوا، وأبوي راح. بس نفسي أرجع ألعب في حارة بيتنا”. ثم تصمت.
أما محمد بركة، الذي نجا من قصف استهدف منزل عمه في جباليا، فيروي قصة من نوع آخر. يقول لـ”القدس العربي”: “رجع عمي من مشفى الشفاء بعد ما ظل أسبوع هناك يدوّر على علاج لابنه. أول ما دخل البيت، صار القصف. مات هو ومرتو وولاده. بقيت أنا وأخوي، لأنه كنا في السوق”.
القصص كثيرة، تتشابه في الوجع، وتختلف في التفاصيل. وكلها تشير إلى نمط متكرر، لا يمكن تفسيره إلا بوجود نظام استهداف يربط لحظة عودة الأب إلى البيت، بإطلاق القذيفة. خوارزمية لا ترى العائلة، بل ترى الهدف. لا تحلل المشاعر، بل الأرقام. ولا تتردد.

هل يشكّل هذا جريمة حرب؟

القانون الدولي الإنساني واضح في هذا الشأن: استهداف المدنيين، خصوصًا الأطفال، دون تمييز، يُعد جريمة حرب. استخدام تقنيات لا تتيح التحقق البشري، ولا تراعي مبدأ التناسب بين الهدف والخسائر، يُشكّل انتهاكًا خطيرًا.
المحامي الفلسطيني المتخصص بالقانون الدولي، الدكتور تامر القاضي، يرى أن ما يحدث في غزة يتجاوز مجرد استهداف خاطئ. يقول لـ”القدس العربي”: “نحن أمام نمط ممنهج، يستخدم فيه الذكاء الاصطناعي لاختيار لحظة القتل، دون رقابة أو محاسبة. هذا يدخل ضمن ما يسمى بالجرائم ضد الإنسانية، لأن فيه استهدافًا لسكان مدنيين بشكل متكرر ومنهجي”.
المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، اعتبرت أن “جدولة القتل عبر خوارزميات إسرائيلية سابقة خطيرة في التاريخ المعاصر، تستلزم تدخلًا دوليًا عاجلًا”. وأضافت أن هذه الأنظمة لا يمكن تبريرها ضمن حق الدفاع عن النفس، لأنها تقوّض مبدأ الإنسانية ذاته.
كل هذا يفتح الباب أمام دعاوى دولية، ومسؤولية قانونية قد تُلاحق القادة العسكريين ومن طوّروا هذه الأنظمة. لكن حتى ذلك الحين، يبقى الأطفال في غزة هم الثمن.
وبينما تتسابق دول العالم لتطوير الذكاء الاصطناعي، تجرّب إسرائيل تطبيقاته في الميدان الأكثر هشاشة إنسانيًا: قطاع غزة. وفيما يُفترض أن تُستخدم هذه الأنظمة لتحسين حياة البشر، تُوظف هنا لجدولة موتهم. يُخشى أن يتحول هذا النموذج إلى قاعدة لمعارك مستقبلية، تُدار فيها الحروب بأوامر برمجية، لا مكان فيها لمشاعر أو مراجعة ضمير.
في غرفة صف بمدرسة تحوّلت إلى مأوى، تجلس الطفلة سارة سليم ترسم على الحائط وجه أبيها. تسألها المعلمة عن سبب اختيارها للرسم، فتقول لـ”القدس العربي”: “لأني خايفة أنساه”. هذه الطفلة، التي لم تبلغ العاشرة، لم تفقد فقط والدها، بل الثقة بالعالم. تقول والدتها: “سارة ما بتحكي كتير. بس لما سمعت إنه الجيش استخدم كمبيوتر لقتل أبوها، صارت تقعد بالساعات تطلع في السما، وكأنها تستنى الكمبيوتر يرجع يغير رأيه”.
في الزمن الذي تُدار فيه قرارات الموت بذكاء اصطناعي، وتُرمى القنابل بناءً على تحليل بيانات، يصبح الطفل مشروع شهيد لا لذنب ارتكبه، بل لأنه فقط كان في المكان ذاته مع أبيه. هذا النمط من الحرب ليس فقط تطورًا تقنيًا، بل انتكاسة أخلاقية في حضارة الإنسان.
أفنان، جودي، حنين، سارة، وغيرهن، لا يعرفن ماذا تعني كلمة “خوارزمية”. لكنهن يعرفن تمامًا ماذا يعني أن تخطف قنبلة كل شيء. يعرفن أن الحضانة لم تعد آمنة، وأن الليل يحمل في طيّاته قرارًا مخيفًا لا يُتخذ في غرفة عمليات، بل في معالج إلكتروني لا يرف له جفن.
وحدها الذاكرة تحفظ صورهم، ووحدها الكلمات قد تمنحهم بعض الحياة، في وجه آلة قرّرت أن تنهيها بلا رحمة.
في غزة، لا يُسأل الطفل عن ألعابه، بل عن أبيه. وفي عالم سمح لخوارزمية أن تقرر، صار السؤال الأبسط: “أين أبي؟”… هو الأشد وجعًا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية