حين يكون النقد الفني كذبة: طواويس الكلام تضيع طريقها في متاهة الفن

حجم الخط
0

فاروق يوسف

فيما أنا أكتب عن الرسم، غالبا ما أتساءل: ما الذي أنا في صدد فعله؟ بالتأكيد لن يكون الاعلان عن شغفي بالرسم نافعا. لمن؟ لن يأخذني الغرور فأقول: للرسامين الذين أكتب عن رسومهم. سي تومبلي على سبيل المثال ميت منذ أكثر من سنة. في حياته لم يقرأ سطرا مما كتبته عنه بالعربية. الكثير منهم موتى. اولئك الرسامون الذين كتبت عن رسومهم. أما الأحياء فانا في شك من أن فرحهم بما كتبتُ سيدوم طويلا. ما أنا متأكد منه أن الرسم حين يكون مسألة شخصية، يصبح هدف الشغف به مجرد خرقة سائبة، ما من معنى للتلويح بها. ما من أحد لينقذ. كل ما يهمني: أن أكون موجودا في ذلك الشغف، مثلما أنا موجود في شهوة الحياة. ما يجعل الرسم ممتعا أكثر انني بعد كل هذا الزمن الذي قضيته وأنا أتأمل الرسوم صرت على يقين من أن أية محاولة لنمذجته (اقصد الرسم)، قولبته، استنباط قوانين شكلية له، حصره في مناطق نفوذ بعينها، رسم خرائط للطرق التي يمر بها، تجهيزه بدفاعات معدة سلفا هي نوع من تتويج للغباء. الرسم في حقيقته فعل عبثي لا تُرجى منه إلا اقامة عالم وهمي مجاور لعالمنا. حتى وهو يستعير من عالمنا مقتنياته فان الرسم لا يصلح للحكم إلا على جمالية مفترَضة، بالمعنى الذي يجعل من أحكامه مادة للخلاص البصري والتنصل من أية مسؤولية عما نراه واقعيا. لا يصلح ما يظهره الرسم من الشجرة مقياسا للحكم على جمال تلك الشجرة. شجرة موندريان انحازت الى الرسم وما من أمل في اعادتها إلى الطبيعة.

واقع الرسم هو خياله. أنا أكتب إذاً عن خيال ذلك الواقع.

بعيدا عن الكتابات التاريخية، هناك من يرى في ما يُكتب عن الرسم نقدا فنيا. سأكون صريحا لأعترف أنني لا أفهم ذلك المصطلح. أقصد (نقد فني). هل المقصود به تقييم العمل الفني والحكم عليه سلبا أو أيجابا؟ من أين تنبعث وجهة النظر التي تضع الوقائع الفنية في أماكنها المناسبة؟ وهنا ينبغي أن نتساءل عن تلك الأماكن لمناسبة، تُرى كيف يمكننا أن نكون على يقين من أننا قد اهتدينا فعلا إليها؟ قبل الرسام ومعه وبعده. ولكن ألهذه المهمة من معنى؟ يخيل إلي أن (الناقد)، وهو مفهوم مجازي بالنسبة لي على الأقل، أشبه برجل تنحصر وظيفته في عزل الفاكهة التالفة وابعادها عن سلال الفواكه. في هذه الحالة تكون عيون الرسامين مصوبة إلى يدي ذلك العارف، الخبير، صاحب الأنف العبقري والعينين اللماحتين. يا لبؤسي، وأنا اؤدي وظيفة، يمكن أن يقوم بها أي انسان آخر. كان وهما إذن، حين اعتقدت أنني قد غادرت صرح الخدمة العامة حين تفرغت للكتابة منذ أكثر من عشرين سنة. اللعنة، شيء من هذا يحدث كل لحظة. هناك من يوهم الآخرين بان لديه القدرة على تمييز العمل الرديء من العمل الجيد، ويسمي ما يقوم به نقدا فنيا، ويتميز عن الآخرين، الذين ينظرون إلى عمله ببلاهة واحترام، بأنه ناقد. النقد الفني كذبة. صدقوني. في كل ما نفعل نحن نروي حكاياتنا الشخصية. الفاشل من بيننا هو من يبدو محايدا، موضوعيا ومنفعلا بما لم ير. غير انه لن يكون منصفا، لا مع نفسه ولا مع الكتابة ولا مع الآخرين ولا مع نتاجهم الفني. الكاتب الذي يصف ويمدح (يهجو أحيانا) ويعبر عن نشوته وولعه وتأثره هو في الحقيقة ليس ناقدا، حسب التصنيف الأدبي. هو رجل قرر أن يكون ملحقا بالعمل الفني، أن يتبع خطى الفنان، يبحث في مآثره (وأيضا عن عثراته في بعض الأحيان). لن يكون ما يكتبه سوى فقرة تسعى إلى أن تندس في كتاب الفنان. وهي الفقرة التي لا يحتاج إليها الفنان دائما. يستعملها الفنان على حياء ثم يدسها في أرشيفه الورقي وينساها. من المؤكد أن ما نستعيره من الفنان أساسي في فهمنا لما يقوم به. غير أن تلك الاستعارات لا تعني بالضرورة أننا نسير معه على الطريق عينها. للفنان متاهته، وهي كون شاسع، دروبها تتشكل في استمرار. كل خط، كل مساحة لونية، كل شكل هو درب جديد يضيف إلى تلك المتاهة معجزة جديدة من معجزات الضياع. لذلك فان المشي وراء الفنان واقتفاء أثره قد لا يعني سوى أمر واحد: المجازفة في عدم العثور عليه وأيضا مغادرة أنفسنا. يمكننا أن نمسك بالفنان جيدا، لكن في حالة واحدة: حين يموت أو حين يكف نهائيا عن الرسم. حتى هذه الحالة ليست مسلمة. هناك من الفنانين مَن لا يزال عصيا على الاستلقاء على طاولة التشريح النهائي: فيلاسكز، فنسنت، بيكاسو، شاكر حسن آل سعيد، تورنر، تومبلي، جياكومتي وتشليدا. هناك آخرون طبعا. ولكن هل تشكل مسألة القبض على الفنان حدثا ضروريا؟ أعتقد أنها كذلك على المستوى التاريخي. هناك نزعة مريضة لأسلبة الفنان، نزع تجربته من اطارها الحيوي وتنميطها، باعتبارها درجة من درجات السلم الذي يرتقيه التطور الفني. لا معنى لمفردة من نوع (التطور) في الفن. فحساسية الفن لا تقيم في تطوره، بمعنى مضيه إلى الأمام، بل في تغيره، في مزاجه المتقلب، في قدرته على أن يؤاخي بين تناقضاته غير المتوقعة. وحتى السلم الذي سبق لي وأن ذكرته فإنه كيان وهمي لا وجود له. لقد اخترع غير المعنيين بالأمر درجات ذلك السلم وصاروا يمشون عليها صعودا. ‘إلى أين؟’ ربما سيصرخ الفنانون بغضب وإشفاق. ربما علينا والحالة هذه أن نتوج القارىء ملكا للعبة كلها.

حين أكتب عن الفن، فأنا بالتأكيد أكتب للقارىء الذي اتمنى أن أنصت إلى أنفاسه وهي تتقاطع مع كلماتي. مثله سأكون في تلك اللحظة من غير صفة مسبقة. سنكون عابرين التقيا في عربة القطار، وسمح أحدهما للآخر بالعبور قبله، ليكتشفا بعد ثوان انهما يجلسان في مقعدين متقابلين تفصل بينهما منضدة خشبية، نسي أحد ما عليها كتابا، اكتفى أحدهما بالنظر إليه فيما قام الآخر بحمله ومن ثم الانهماك بقراءته، من غير أن يعرف أن مؤلف ذلك الكتاب هو الرجل الذي يجلس أمامه.

علاقتي بالفن هي أشبه بعلاقتي بذلك القارىء.

علاقة جوهرية، غير أنها لا تدعي معرفة الغيب. يبقى الجوهر نوعا من الغواية المرجأة. قليل من العذاب ضروري لكي تتسم تلك العلاقة بقدر من الانصاف. في كثير من الأحيان يعذبني سؤال من نوع: هل كنتُ محقا في ما قلت؟ لا من أجل الفنان الذي أكتب عنه، بل من أجل القارىء الذي اكتب له. غالبا ما تكون الكتابة مادة للتضليل والغش والمناورة. الكذب يحيطنا من كل الجهات. النفاق يرافقنا من صياح الديكة إلى أن تتثاءب زهرة عباد الشمس. نحن مولعون في اختراع المكائد لأنفسنا قبل الآخرين. بالنسبة للكثيرين فإن الحق، وهو قيمة تجريدية غامضة لا علاقة له بالحقيقة. ولان الحقيقة حمالة أوجه، بل وأيضا ماكنة شريرة لانتاج الجمل الاعتراضية، فقد صار الكثيرون يعمدون إلى استعمال اسلوب القص واللصق. كولاج بلاغي من شأنه أن يقول كل شيء من غير أن يقول شيئا بعينه. كثرة نقاد الفن من قلتهم. تعبيرشعبي يختصر ما أنتهينا إليه ثقافتنا من حالة مزرية هي مزيج من الانحطاط الفني والمباهاة السوقية والمتاجرة بالتاريخ وتكريس الذائقة الشعبية في أسوأ صورها والخضوع لشروط المال الثقافي واملاءات وكالات الثقافة العالمية. شيء أشبه بحفل جنائزي مبتذل بسبب اصرار المشاركين فيه على التصريح بانهم مازالوا في صحة جيدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية