تُشَكِّلُ معضلة الجلادين والضحايا صورة حية لإرادة الشر في العالم! فكيف لشخص ما أن يصل إلى هذه الدرجة من ممارسة التوحش على إنسان مثله؟ وما هي الدواعي لتلك الظاهرة إذا كانت هناك إنسانية مشتركة بين الكل؟ وهي علامات استفهام تغيب وتحضر أمام صور مجاز العصر الحديث، والمناظر البشعة لقتل ودفن الناس أحياء، ما يدفع أي فطرة سليمة لاكتناه طينة تلك الشخصيات؟ من أي بطن ألقتهم الحياة في طريق الناس حتى يكونوا بهذه البشاعة والبلادة والجهالة؟ كيف يحيون؟ وكيف يشعرون؟ وما هي الدماء التي تجري في عروقهم لتستمرئ كل هذا الحجم من الإجرام؟
لا شك في أن بيئات تخليق مثل هذه الكائنات هي بيئات موبؤة، وصيرورة مصنوعة بإرادة حرة لتنتج التوحش وإلحاق المعاناة بالآخرين خطابا وممارسة. وتتجلي تلك الإرادة في توصيف ممدوح عدوان لها بـ»حيونة الإنسان» التي يمكن توصيفها بأنها عملية ممنهجة لخفض مستوى الأداء الانساني لأفراد مجتمع ما إلى مستوى السلوك الحيواني.
ويتوسل عدوان العلم كما الأدب والتجارب الحقيقية في محاولة لإيجاد الخيط الرفيع الذي ينظم ظاهرة توحش الإنسان، خاصة في سياقات الاستبداد ومنظومات القمع، لاسيما وأن تلك السياقات تُشرّع لنفسها استباحة الإنسان، وأن تجعل منه جثة فاقدة للوعي؛ منزوع الإرادة، نابضا بالخوف، وهي صيغة مثالية تريدها تلك المنظومات للإنسان/ الحيوان لكي تستخدمه كما تشاء وكيفا تشاء في سبيل غرائزها الشرهة للسيطرة. والحق يقال إن اسئلة عدوان تبقى من نوع الأسئلة التي تظل مفتوحة ما دام الإنسان مستمرا على هذه الأرض، ذلك الإنسان الوحيد، الذي على الرغم من إدراكه لبدايته ونهايته، وقصته المتكررة على مدار التاريخ كما استنبطها بروب (1895- 1970)، رغم ذلك ينسى أو يُنسى أو يتناسى ويكرر الأفعال نفسها، حتى أصبح النسيان السمة المميزة له، والأداة الفعالة التي تستخدمها آلات السلطة لتدع الطريق مفتوحا أمام جماح غرائزها الحيوانية المريضة المتعشطة للتشبه بالآلهة.
ويمكن القول إن تلك الظاهرة تتطور من حالة حرية قائمة على اتفاق لخير الجميع؛ إلى حالة من الاستثناء الدائم؛ تقع خارج نطاق أي اتفاق أو أي معايير إنسانية، ما يشكل انتقالا من مستوى الفاعلين على درجة المساواة نفسها لمستوى آخر من فاعل ومفعول بهم؛ ومن ثم الاتجاه نحو التراتبية والتقديس والتمييز والاستئساد وتحويل الاغتصاب بالقوة إلى حق، وممارسة إخضاع المجموع لفرد، ووأد المرجعيات سواء كانت عقدا اجتماعيا أو قانونا أو معايير عامة، واستبدالها بنقاط لغرائز المتسلط، وإجمالا حالة من السلطة المطلقة على كتل بشرية منزوعة الإرادة ومهيأة لتسخيرها للفاعل الأوحد ورغباته.
وللوصول إلى هذه النتيجة النهائية تستهدف تلك المنظومات ذاكرة الفاعلين بالنسيان لتجريدهم من إنسانيتهم وتشويههم، بهدف خفض مستوى السلوك الإنساني لمستوى الحيوان، باستخدام نسق يتوخي المراقبة الحسية لاستكشاف أي تناقض لحالة الضحايا عن الحال المراد لها أن تكون عليها، مثل التقاط نأمة لإرادة فى قول أو فعل، فعند اكتشافها لذلك تستخدم كل مصادر ووسائل الحيونة الممكنة لردها سريعا إلى شكلها المراد لها.. أجساد فارغة الإرادة مدفوعة للتفكير بطريقة محددة، قابلة للتوجيه وفقا لغرائز الطفيلي القابع في داخلها. وفي مقابل تضخيم غرائزها النهمة، ربما يمكن القول إن تلك المنظومات تمارس الحيونة على مستويين: الأول هو زيادة معدلات التآكل لذاكرة من تتحكم بهم بأدوات مثل التجهيل والإمْراض الممنهج، والتجويع والقمع بآليات العزلة والقهر والتقتيل وصدمات المنطق باللامنطق، وسلب حيواتهم بسوء استخدام الدين، والمراقبة وغيرها من الوسائل القذرة التي تندرج تحت مسمى إساءة استخدام العلوم. والمستوى الثاني هو قمع معدلات الحفظ لذاكرة إنسانيتهم، فتعد الحرية والإرادة والمعاملة الإنسانية، والتعليم الجيد، والصحة الجيدة، رفاهة محرمة واستبدالها بصيغ مشوهة، بل زرع عوامل هذا التشويه بطرق غير مباشرة تعمل بيد خفية؛ تنفطر لها قلوب تلك المنظومات من الفرحة عندما تشاهد ذروة نتاجها فتجد الضحايا تدافع عن جلاديهم، والمستعبدين عمن استعبدهم.
وعلى الرغم من أن عملية حيونة الإنسان ينْظُمها نسق ثنائي تتشكل مقدماته من نتائجه والعكس؛ فالجلاد يصنع الضحية والضحية تصنع الجلاد في التئام وتواصل مستمر؛ وتقاطع دائم في نقطة فقدان الجميع لكل كرامة الإنسان، على الرغم من كل ذلك يبقى الإنسان إنسانا غير قابل للسيطرة وغير خاضع لقوانين المادة، وتبقى فاعليته في حرية إرادته وقدرته على النقد والمساءلة، وعلى الرغم من أن تعزيز الصوت الواحد ووأد الأصوات الأخرى وخنق الاختلاف ينحدر بالجميع نحو طريق بائس ومصير مجهول، رغم ذلك يبقى الأمر بيد الإنسان، فالخضوع والتحول لحيوان وقبول تآكل ذاكرته والنسيان أو الحرية وعيش فطرته بكل معانيها والحفاظ على ذاكرة إنسانيته، هو قراره.
كاتب من فلسطين