حي «السيتي» معقل القطاع المالي في بريطانيا صامد رغم تزايد مخاطر «بريكست» دون اتفاق

حجم الخط
0

لندن – رويترز: أظهر مسح جديد أجرته رويترز أن قطاع الخدمات المالية في بريطانيا لم يمسه سوء إلى حد كبير حتى الآن من من تداعيات انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي «بريكست»، إذ لم ينتقل حتى الآن سوى ألفي وظيفة إلى خارج المملكة المتحدة حتى مع تنامي خطر «بريكست» دون اتفاق ومصحوب باضطرابات.
,كان كثير من المصرفيين والساسة تنبأوا بأن تصويت الناخبين في بريطانيا في يونيو/حزيران 2016 بالموافقة على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى نزوح مؤسسات ونقل وظائف ويوجه ضربة موجعة تهز مكانة لندن في عالم المال.
غير أن عدد الوظائف التي تقول مؤسسات مالية عاملة في بريطانيا أنها تتوقع فعليا أن تنقلها للخارج في حالة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي دون اتفاق انخفض إلى ألفين من 5766 وظيفة في المسح السابق الذي أجري في سبتمبر/أيلول.
والعدد الجديد حوالي خُمس العشرة آلاف وظيفة التي خلص إليها أول مسح أجرته رويترز في سبتمبر/أيلول 2017.
وتسير بريطانيا في الوقت الحالي في طريق قد يؤدي بها إلى الخروج من الاتحاد دون اتفاق، وذلك لأن صفقة تتيح للندن وبروكسل فترة انتقالية مدتها 21 شهرا للتفاوض على علاقة تجارية جديدة معرضة لخطر الانهيار.
إلا أن معظم المصرفيين يشعرون بالثقة أنه سيتم التوصل إلى حل وسط. وهم ينتظرون لمعرفة ما سيتم الاتفاق عليه وطبيعة العلاقة الجديدة قبل أخذ أي قرارات نهائية بشأن نقل الوظائف. وتقوم نتائج المسح على إجابات 132 من أكبر أو أغلب البنوك وشركات التأمين وشركات إدارة الأصول وشركات الاستثمار المباشر والبورصات التي تركز على النشاط الدولي. وأُجري المسح في الفترة من الثالث إلى الثامن والعشرين من ينايرlكانون الثاني الماضي.
ويعادل عدد الوظائف الذي خلص إليه المسح 0.5 في المئة من 400 ألف موظف يعملون في قطاع الخدمات المالية في لندن.
في الوقت نفسه أظهر مسح منفصل أجرته رويترز أن بنوك الاستثمار الكبرى تعتزم تعيين عدد أكبر بكثير من العاملين في لندن مقارنة بأي مدينة أخرى في أوروبا، مما يشير إلى أنها تتوقع أن تظل بريطانيا المركز الإقليمي الرئيسي في الأجل القريب على الأقل.
وقالت كاثرين مكغينس، المسؤولة السياسية الفعلية عن الهيئة البلدية التي تساعد في إدارة حي المال في لندن المعروف باسم «سيتي»، ان هذه العملية ستكون أشبه بعملية «احتراق بطيء. لن ندرك ما سيكون عليه الأثر الكامل قبل عشر سنوات على الأقل».
وأضافت «غير أن حي سيتي يتغير باستمرار وسيجد وسيلة للازدهار».
تأتي التوقعات المتفائلة لدى المصرفيين في وقت تسير فيه بريطانيا في مسار يؤدي بها إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد 52 يوما دون اتفاق في خطوة قد تتسبب في اهتزاز أسواق المال.
وأصدر مجلس العموم البريطاني الأسبوع الماضي تعليمات لرئيسة الوزراء تِريزا ماي لإعادة التفاوض على اتفاق الانفصال وهو ما تعارضه بشدة الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الأمر الذي يُرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة مناورات سياسية محفوفة بالمخاطر.
وتشير نتائج المسح إلى أن لندن، التي يوجد بها أكبر عدد من البنوك وأكبر سوق للتأمين في الاتحاد الأوروبي، ستبقى على الأرجح مركز صناعة المال العالمية في المنطقة.
وكان قرار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي هز صناعة المال في لندن التي ظلت على مدى قرون تمثل شريانا حيويا للتدفقات المالية في مختلف أنحاء العالم.
وتتمتع البنوك وشركات التأمين في بريطانيا في الوقت الحالي بإمكانية التواصل دون أي عوائق تذكر مع عملائها في أنحاء الاتحاد الأوروبي في أغلب الأنشطة المالية. غير أن أسسا كانت تعتبر بديهية منذ فترة طويلة مثل الحق في شراء المنتجات وبيعها في سوق واحدة أصبحت فجأة في حالة تغير.
وفي ظل أسوأ سيناريو يمكن تصوره للانفصال دون اتفاق، تنبأت شركة «أوليفر وايمان» الاستشارية بنقل ما يصل إلى 75 ألف وظيفة للخارج في حين أشارت بورصة لندن للأوراق المالية قبل عامين أن هذا الرقم قد يبلغ 232 ألفا. ويعد مستقبل لندن كمركز لصناعة المال في أوروبا واحدا من أهم نتائج محادثات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، لأن هذه الصناعة تشكل أكبر مصادر دخل للصادرات في بريطانيا وأكبر مصدر للدخل من ضرائب الشركات.
ومن المتوقع أن تكون بنوك الاستثمار الكبرى قد نقلت حوالي 890 وظيفة أي أقل من نصف الرقم المتوقع في نهاية الشهر المقبل حسبما بينته مقابلات مع نحو 25 مصدرا في الصناعة.
وقالت مصادر ان «بنك أوف أمريكا ميريل لينش» سينقل نحو 200 من العاملين فيه إلى باريس في نهاية فبراير/شباط الجاري. لكن البنك امتنع عن التعليق.
كما ان العديد من الشركات المالية الأخرى تحجم عن نقل العاملين إلى حين اتضاح الوضع السياسي. وقالت مصادر في بنك «غتش.إس.بي.سي» ان المصرف العملاق لم ينقل أيا من العاملين حتى الآن رغم أنه سبق أن قال علنا إنه قد ينقل ما يصل إلى ألف وظيفة إلى باريس.
وقال مصدر في «رويال بنك أوف إسكُتلند» أنه لم ينقل أي موظف رغم ما قاله من قبل عن إمكانية نقل 150 موظفا إلى أمستردام.
وتقضي شروط اتفاق الانفصال الحالي بالحفاظ على مستوى بسيط من الاتصالات بأسواق الاتحاد الأوروبي .غير أنه إذا قررت بريطانيا الانفصال في الشهر المقبل دون اتفاق تجاري فسيعني ذلك عدم وجود فترة انتقالية تخفف من حدة الاضطرابات.
وقال مسؤول تنفيذي كبير في بنك استثماري أمريكي ان البنك سيضطر ربما لمضاعفة عدد العاملين الذين ينقلهم للخارج أو يرفع العدد لثلاثة أمثاله إذا حدث الانفصال دون اتفاق تجاري.
لكنه أشار إلى ان أثر الانفصال حتى الآن أقل كثيرا من المتوقع، وأنه مصدر قلق أقل من الاقتصاد المتباطئ في الصين والاضطراب السياسي في الولايات المتحدة. وأضاف «هو مصدر إزعاج حقيقي لكنها مشكلة فنية ويمكن حلها».
وقالت 90 شركة من الشركات التي شاركت في المسح أنها ستضطر لنقل موظفين، أو تعيد هيكلة أعمالها بسبب الانفصال، رغم أن 59 شركة منها فقط ذكرت أرقاما محددة. وقالت بقية الشركات ان الانفصال لن يكون له أثر أو أنها لم تتخذ قرارا بعد فيما ستفعله أو امتنعت عن التعليق.
وللمرة الأولى منذ بدأت رويترز إجراء المسح الخاص بخطط الوظائف في صناعة المال، قال عدد يعد على أصابع اليد الواحدة من المشاركين فيه إن ثمة احتمالا ألا يحدث الانفصال بسبب غياب اتفاق على المسرح السياسي البريطاني بخصوص سبل تحقيقه.
لكن الشركات قالت إنها لن تتراجع عن قرارات نقل الوظائف إذا ما بقيت بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي. وقالت مكغينس «مسألة الخطر السياسي أصبحت قضية مهمة فعليا. وحتى إذا ما تراجعت عن الانفصال، وهو ما لا أتوقع أن يحدث، فأنا أعتقد أننا ألحقنا الضرر بصورتنا الدولية وسيتعين علينا بذل جهد كبير لإعادتها لما كانت عليه».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية