يستمر الحي في كونه مكانا مركزيا في تثوير الحالة النضالية في المدينة المقدسة كلها التي تشهد تناميا في أماكن وبؤر الاشتباك.
استشرست قوات الشرطة الإسرائيلية، منتصف الأسبوع الماضي، في هجومها على أهالي حي الشيخ جراح والمتضامنين معهم، فما كان من الممرضة المقدسية نهى عطية إلا أن تمارس عملها في بيتها الذي يقع على مدخل الحي وبعد الحاجز الذي أقامته الشرطة الإسرائيلية مباشرة لمنع دخول الفلسطينيين، ولتسهيل عملية دخول المستوطنين وحمايتهم.
في تلك الليلة الصعبة أسعفت الممرضة عطية أكثر من 20 فلسطينيا، جل الإصابات كانت بالغاز والرضوض والكسور. عطية الممرضة وصاحبة منزل مهدد بالإخلاء رغم كونها تعيش فيه منذ عام 1988 (أي قبل 33 عاما) تؤكد أن «الرهان الإسرائيلي اليوم على استنفاد قوانا. يفعلون كل شيء معتقدين أن نفس الفلسطيني قصير».
لذا تستمر الإجراءات الاحتلالية بالتضييق والاعتداءات المدروسة معتقدين فتور الهمة والتراخي والتوقف عن مقاومة الإجراءات الإسرائيلية بحق الحي بكامله بحسب عطية.
وتستخدم قوات الشرطة الإسرائيلية الرصاص المطاطي والقنابل الغازية والصوتية والمياه العادمة وغاز الفلفل والاعتقالات وإجراءات المنع والإبعاد..الخ. لكن المفارقة أنه رغم التضييق وسياسات الاعتقال والمنع والحجز والترهيب إلا أن صمود أهالي الحي وطول نفسهم يتضاعف، حيث لا تتوقف حملات التضامن مع الحي وأهله، وهي العملية أو الحالة النضالية التي لم تتوقف منذ أكثر من شهرين.
وحسب نشطاء فإن الحي يستمر في كونه مكانا مركزيا في تثوير الحالة النضالية في المدينة المقدسة كلها التي تشهد تناميا في أماكن وبؤر الاشتباك، فهناك حراك استعادة جثامين الشهداء في بلدة أبو ديس، وهناك حراك القرى المهجرة في قرية لفتا (غرب وشمال غرب مدينة القدس) التي احتلت عام 1948 وهناك نضال المقدسيين في حي بطن الهوي في بلدة سلوان الذي يتهدد مجموعة كبير من بيوته التهجير والإخلاء أيضا.
والنتيجة مفادها أن حي الشيخ جراح لا يقاوم منفردا إنما تشهد المدينة مجموعة كبيرة من الحالات النضالية التي تساند بعضها البعض، لدرجة أنه يندر أن تجد بلدة مقدسية أو حيا لا يشهد حالة رفض ومقاومة مع الاحتلال.
نهى عطية، صاحبة منزل مهدد بالإخلاء أسوة بـ 28 منزلا آخر تؤكد أن الأهالي أصبحوا يشعرون بالاختناق بفعل المعاناة اليومية والاستفزازات من المستوطنين بحراسة القوات الشرطية، «أصبحنا لا ننام ليلا، الشرطة حولت الحي إلى سجن، لا راحة بال ولا مقومات الحياة البسيطة، فيما تراهن سلطات الاحتلال على استنفاد قوانا وتراجع عزيمتنا، ولهذا نرى أن المماطلة وتمديد النظر في قضية الحي من شهر إلى أخر».
ومددت محكمة العدل الإسرائيلية تاريخ النظر في الدعوى المقدمة من العائلات بعد أن وافقت على طلب أفيخاي ماندلبليت، المدعي العام الإسرائيلي، لتأجيل جلسة كان مقررا فيها للنظر في عمليات الإخلاء حيث سيحدد الموعد الجديد خلال ثلاثين يوما من تاريخ التأجيل. وهي سياسة ينظر إليها الفلسطينيون على أنها فعل لكسب الوقت.
وكانت الأمم المتحدة قد دعت إلى الإنهاء الفوري لكافة عمليات الإخلاء القسري بحق الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة وحذرت من أنها قد «ترقى لجرائم حرب».
تؤكد عطية على وعي الفلسطينيين بتلك السياسات، وتقول: «نحن أصحاب القضية، إنها بيوتنا وسنبقى ندافع عنها، ولن ترهبنا قنابل الصوت والغاز والاعتداءات على الأطفال وإطلاق الغاز بالطائرات الصغيرة».
وما زال حي الشيخ جراح قبلة للمتضامنين والنشطاء، وبالمقابل ما زال الاحتلال يستخدم كل ما في جعبته من أجل كسر إرادة الحي الذي أشعل كل فلسطين التاريخية. صحيح ذهب الناس وأهل الحي إلى مشاغلهم اليومية لكن المساء يتحول بالحي رغم الإجراءات الإسرائيلية إلى مكانا يعج بالحياة التي تعلن مقاومتها للإجراءات الاستيطانية.
وبحسب الشاب مراد عطية فإن الاحتلال يرى أن الحي كان سببا في الهبة الشعبية في عموم فلسطين، لذلك يسعى المحتل إلى «تربيته/ تأديبه من خلل القمع والترهيب واقتحام البيوت وإخراج المتضامنين منها وتهديد أصحابها بالاعتقال».
ويشير إلى أن الشرطة الإسرائيلية تطارد كلمات على الجدران تقول: «اهلا بكم في حي الشيخ جراح الصامد» كما يطارد الطائرات الورقية، وخريطة فلسطين، فيما يجلب المستوطنين ويقوم بحمايتهم، ويقوم بتثبيت مجموعة كبيرة من كاميرات المراقبة تضاف إلى الكاميرات الموجودة أصلا».
ويؤكد أنه يمارس القمع لكبح جماح المتضامنين مع الحي وأهله، وفي سبيل ذلك سيحدث التصعيد، والفلسطيني لن بكل تأكيد.
ويرى عطيه أن ذهاب المواطنين إلى أشغالهم اليومية في ضوء طول فترة النضال لا يعني أن يبقى الحي خاليا من المواطنين، حيث يتحول الحي مساء إلى مكان للسهر والتضامن حتى الساعة الثانية فجرا.
وكان بوستا نشره دكتور الإعلام محمد أبو الرب في جامعة بيرزيت، لطالبة الإعلام منى الكرد قد أثار الإعجاب وسلط الضوء على معاناة أهالي الحي وتحديدا عائلة الكرد.
حيث ذكر البوست/ المنشور أن منى الكرد التي غالبا ما لا تغادر الحي قد زارت الجامعة من أجل انهاء إجراءات تخرجها ومعاينة واستلام روب التخرج وأخذ الصورة التذكارية لها، فيما كانت منى في هذه الأثناء، وهي التي تحولت فلسطينيا إلى ما يشبه «أيقونة الحي» تنظر إلى هاتفها طوال الوقت ليكتشف دكتورها انها عندما تغادر منزلها تتحول إلى متابعة المنزل عبر بث الكاميرات من محيطه خوفا من مهاجمة المستوطنين لعائلتها في غيابها.
رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر هدمي قال في حديث خاص مع «القدس العربي» غن حي الشيخ جراح سيكون بمثابة بؤرة تفجير الأوضاع في القدس وخارجها، فالحي بشكل خاص ومجمل الأحياء والبلدات في القدس ستلعب دور المفجر في كل فلسطين التاريخية.
ويؤكد الهدمي ان التضامن ما زال موجودا رغم أن قوات الشرطة وضعت حاجزين على مدخلي الحي الشمالي والجنوبي، ومنعت دخول من هم من غير سكان الحي، ومع ذلك يتسلل الفلسطينيون بطرقهم المختلفة ويصلون الحي ويعلنون دعمهم ونضالهم اليومي.
وأكد الهدمي ان إسرائيل لا تنظر للحي بصفته مساحة جغرافية صغيرة بل تراه مكانا فيما لو نجحت فيه فإنها ستنجح في كل الأحياء المستهدفة في القدس، وبالتالي إن نجح الفلسطينيون في نضالهم في الحي فإنه سيكون نموذجا يحتذى في كل فلسطين وليس مدينة القدس فقط.
ويرى الهدمي أن سلوك الاحتلال يتمثل في المراوغة والمماطلة في المجال القانوني ومضاعفة ممارسات الشرطة بحق المواطنين حيث التقييد والقمع والاعتقال، والمعركة هي بمثابة «عض أصابع» ومن يصرخ أولا إن جاز التعبير، ونحن بكل تأكيد لن نقبل أن نهزم في هذه المعركة.
ويشرح الهدمي انه مؤخرا استقدمت قوات الاحتلال مستوطنين يطلق عليهم «فتيان التلال» وهم جماعة إرهابية تمارس عمليات اعتداء وقتل ضد الفلسطينيين في كل مناطق الضفة الغربية، وأصبح الأهالي يخافون أن تحدث بحق عائلاتهم ما حصل مع عائلة دوابشة في مدينة نابلس. (إشارة إلى قيام مستوطنين بحرق عائلة دوابشة في قرية دوما وقد توفي الرضيع علي وعمره 18 شهراً وأصيب والداه وأخاه).
ويؤكد الهدمي نضال الحي جراح أصبح قضية دولية وقضية تطهير عرقي، وهي مسألة أصبحت محل اهتمام القانون الدولي كونها تتعلق بمدينة تحت الاحتلال وبالتالي هي من اختصاص محكمة الجنايات الدولية ومهما صعد الاحتلال فإن المواطنين سيواجهون ذلك فالحي برميل بارود متفجر.
وجاء في تقرير منظمة العفو الدولية «أمنستي» إن الشرطة الإسرائيلية نفذت سلسلة من الانتهاكات ضد الفلسطينيين داخل القدس المحتلة في أيار/مايو الماضي، حيث نفذت حملات اعتقال تمييزية واسعة واستخدمت قوة غير قانونية ضد متظاهرين سلميين رافقها تعذيب وسوء معاملة خلال عمليات الاعتقال خلال فترة التصعيد الأخير. ورسم التقرير صورة دامغة للتمييز والقوة المفرطة الوحشية التي تمارسها الشرطة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
وكانت شرطة الاحتلال قد منعت منتصف الأسبوع الماضي وفدًا مشتركًا من مدينتي يافا والقدس من زيارة الحي كان يرأسه عضو الكنيست الفلسطيني سامي أبو شحادة حيث قامت الشرطة المتمركزة عند مدخل الحي بمنع الوفد بشكل نهائي من الدخول والتضامن مع سكانه بحجة أن المكان مغلق بأمر من قائد شرطة مدينة القدس، وهي ذات الحجة التي تسوقها شرطة الاحتلال لتبرير منع وفود المتضامين من القدوم للحي.
وما بين إجبار قوات الاحتلال الشبان المتواجدين في الحي على الخروج ورد فعل الشبان الذي يكون من خلال التواجد تارة وإطلاق المفرقعات على الجنود وإطلاق القنابل الحارقة، تستمر معركة النفس الطويل بالنسبة لسكان الحي والمتضامنين معهم، فيما يرد الاحتلال بإجراءات أشد وعقوبات أكثر عنفا، ليستمر الحي مكانا متفجرا طوال الوقت.
إنها معركة طويلة ينظر إليها الفلسطيني بصفتها معركة تتجاوز خسارة 28 منزلًا يقطنها 500 فلسطيني لصالح جمعيات استيطانية بل هي استمرار لمشروع كبير لتهويد المدينة المقدسة وتعظيم السيطرة عليها.