«حي في العماء» لرشيد يحياوي: تخييل الذات وتأويل محكي القصة الفلسفية

مغامرة حي الجديدة

تطالعنا من أول العمل متوالياتٌ حكائيةٌ ذات طبيعة عجائبية، من خلالها يُخيل السارد بضمير الغائب وجود شخص يُدْعى حي (وهو تحريف كنائي للقب المؤلف يحياوي، وربما حاجته إلى الانفصال عن ذاته وإيهام القارئ بشخص آخر خيالي) منقطعا عن الواقعي في جزيرة متخيلة؛ إذ التبس بوضعية مفارقة وغريبة وأصبح ينتج تجربة بديلة تستمد مادتها السردية من مجموع الاستيهامات التي يتلفظها/ يتماهى معها في علاقته بالطبيعة التي حوله، وبالتالي يبني فضاء تخييليا تتدفق علاماته وملفوظاته النصية، التي تتسم بالانحراف والتشظي واللاتحديد.
ترتكز «حبكة» القصة على وجود حي وتحول أقنعته باعتباره ذاتا مُتخيلة ومتحررة من الالتزامات المشروطة (الواقعية، الصدق، الثبات..) لكنها مع ذلك تحترم الانسجام المنطقي الخاص بها، فيما هي تُشيد شكل حضورها في العالم الطبيعي تستدعيه وتعيش فيه. فالأحداث تجري في جزيرة تحفل بكل أسباب الخضرة والجمال والتنوع البيئي، ونائية ومطلسمة ولا يوجد فيها من البشر سوى حي، كأنه منذور لمهمة فيها، وإن كانت هذه الجزيرة «مسكونة» من قبل بدليل وجود كهف تغشى سقوفه رسومٌ ونقوشٌ ملونة، بل أطلال بيوت لسُكانٍ مروا منها، وبيوت مغبرة دُفنت تحتها أوانٍ من الفخار مكسورة؛ هل هي للإنس، أم للجن والغيلان؟ قبل أن يكتشف في عرض الجبل مجموعة من الجماجم البشرية.
يقضي حي أغلب وقته مع حصان خرافي أبيض، يبادله الخطاب ويجادله فيه، ويُسهل عليه قطع المسافات الطوال في الجزيرة، وأحيانا مع كلب أسود، ضارٍ وضخم، ومثير للشك والريبة والخوف يدعوه (شمروخ)؛ ولكل منهما كنايته التي يرمز إليها، بين الكهف وبيته الذي أقامه من جذوع وألواح الشجر، أو بين فضاء علوي تمثله الجزيرة بأدغالها وجبالها وصحاراها، وفضاء سفلي تمثله مدينة متخيلة في أعماق البحر، وهو يظهر متأملا، قلقا، شاردا، مٌقلبا للأسئلة الأنطولوجية، وباحثا عن معرفتها باستدلالاته الشخصية، وشديد المخالطة للحيوانات حتى تَعرّف على لغة بعضها وعلى عاداتها وسلوكها. وقد ظل ما وراء الجبل المضبب منطقة غامضة بالنسبة له، ومثار أسئلة دائمة شغلته عن نفسه بالتفكير: «أنت تستعين بنا نحن الحيوان لترى نفسك من خلالنا؟ قال الكلب بسخرية».

قرر حي خوض المغامرة الكبرى؛ مغامرة «سلخ الجلد» ليعرف ما يخفيه جبل الضباب، ويزيح «ضباب العماء» فسار أياما «عجيبة» كانت تعترضه خلالها صعوباتٌ ومخاطرُ جمةٌ وتساؤلاتٌ وألغازٌ مُحيرةٌ في عرض الجبل، وهو يمر بكهوف كثيرة ومخيفة، ويرتقي أدراجا صخرية، ويثيره منظر الذئاب مقطوعة الرؤوس، وآخر لجماجم بشرية لا عدد لها مزروعة في ممر سالك، حتى بلغ البحر، ثُم واصل طريقه بمحاذاته، إلى أن لاح له في الصحراء مرتفع (حصن الوصايا) فانعطف نحوه. يلتقي حي في الحصن بامرأةٍ خرافيةٍ بالغة الحسن والفتنة، فغمرته اللذة وأخذه شبقها الطهراني. ويلتقي بالرجل الغريب الذي حذره من أن يشرب من ماء العين، حتى لا يترك مثله خلوته في الجبل ويتبع امرأة مَجْهولة، لكن الغريب لم يكن سوى حي نفسه بعد أن دخل البحر وصار محض خرافة.
وهو يسلك طرق البحر المُجوفة والمتداخلة، باحثا عن منفذ منه، أخذ حي بمعية الحصان يقرأ في (حكاية الرقعة) أسابيع كاملة، «فكان كلما طوى أعلى الرقعة، وجد أسفلها يمتد». ويكتشف السارد أن جُل الأحداث الواردة في الرقعة تنطبق على ما عاشه، وبعضها يرد ذكره لأول مرة، إذ تتصل بخبر حي وسبب مجيئه وخروجه من مملكة أبيه وغيره، بل إن حيا يتعجب من تعرفه على وقائع عاشها بالفعل، وأخرى لا يتذكرها، أو لم يعشها، وهي كلها مُدونةٌ في الرقعة وليست محدود بمكان وزمان: «تأمل الأحداث وأدرك أن الرقعة لم تدونْ أحداثه التي مضت فقط، بل تُدون ما ينتظره من أحداث». تنتهي سيرة حي بسقوطه في العماء؛ «هوى عميقا جدا في الحركة وفي الخبر» كأن الرقعة حين دونتْ حكايته جردتْهُ من «أوهام الفتنة».

الواقعي والخيالي

هكذا نجد أنفسنا – على حين غرة – أمام شخص آخر بإحالات مرجعية وصفات محسوسة محددة، بعد أن خرج من ليل الخرافة؛ فهو «هش القلب، ملامح وجهه حيوية ونشيطة. شعر طويل ولحية كثة كمن يشبه مخرجي السينما أو فناني التشكيل» وبدا لا يلوي على شيء من أفكاره القديمة كما لو أنه تعرض لغسيل دماغ. أما الزمن الذي يتحرك فيه فهو ممتد وغير خطي على الإطلاق، بحيث يحيل على أدوات حضارتنا المعاصرة ومسمياتها الواقعية (الصراع الطبقي، الباترونا، شاحنات العسكر العملاقة، أفراد البعثات الأوروبية، علب السجائر المهربة، نظرية الكوارث..) ويرجع القهقرى إلى عصر طارق بن زياد ويغار من فتحه بلاد الأندلس، ويتيه في شوارع بغداد أيام العباسيين ويخرج منها لَيْلا، ثُم يرحل إلى المغرب على بغلة شهباء في طريقه إلى الأندلس ليفتح بقية أوروبا، غير أنه يواجه في الطريق مخاطر وأهوالاً شتى لم يجِدْ وسيلة للهروب منها إلا بقراءة فصول من كتاب «المثنوي» لمولانا جلال الدين الرومي، حتى يبلغ الحدود بين الجزائر والمغرب ليجد في انتظاره استنطاقا مُطولا من قبل المحققين التي تمحورت أسئلتهم حول حياته في الجزيرة وأهدافه من القدوم للمغرب الأقصى ونواياه المبيتة، ولم تُجْدِ حيلهم شيئا مع حي الذي ظلتْ أفكاره شاردة وغير قادر على التركيز، «إلى أن طلع الصباح وخلد الجميع لنوم عميق».
لقد انتهى ليل الخرافة، وهوى حي في العماء حيث تغيم الحدود بين الخيالي والواقعي، ولم يعد سوى مجرد حلقة من سلسلة ضياع المعنى، ومجرد خبر تافه في قناة تحمل اسمه، يتحلق حولها زبائن حانة العجزة ويتعلقون بها رغم كثرة أعطابها المفاجئة، وهُمْ من العجز والسكر الطافح والتعلل بالأماني يدخلون في خرافة أخرى لتاريخ آخر. وهذا ما ينقل فضاء السيرة من واقع حي الغريب الذي يواجه تدهور القيم بهذياناته واستيهاماته ولغته العجيبة والساخرة لفهم الذات والعالم، إلى جيل بأكمله يعيش حالة اللافعل والترقب والانتظار، وانعدام البوصلة في حياة مضطربة خالية من المعنى: «وبما أن جلّ الناس ينتظرون ويترقبون ولا يقومون سوى بالانتظار والترقب، فسيجعلون من هذه الصورة شعارا لهم».

ينفي حي الحاضر في حواره مع الحصان أن يكون هو حي بن يقظان، حتى إذا حمل الاسم نفسه؛ لأن «الاسم هو غير المسمى» لكن قد يكون واحدا من أقاربه القدامى. كما لا يعرف ابن طفيل واضع قصته، ويرجع أن أباه كان طفلا صغيرا.

تأويل المحكي

يستعيد المحكي قصة الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل المعروفة بـ(حي بن يقظان) أو بالأحرى يعيد تأويل معناها في حاضر السرد، بقدر ما يبحث السارد من خلالها عن شكل أصلي لما يتلفظه ويمنحه سلطة تمثيلية جديدة، كأن يستدعي مقاطع من الرسالة الأصل؛ حينا يوظفها ضمن تقنية السيناريو والتقطيع السينمائي لغرض التهكم والسخرية من حي في نسخته الجديدة، بأدوات الحضارة المادية، واستشكال وجوده الغريب في الجزيرة، ورده إلى عبارة «يُحكى أنه» وحيناً آخر يصلها بمصير حي ووضعه الأنطولوجي ككل لترهين شكوك سؤاله الفلسفي وعمائه وسرابية بحثه: «حي يحاول أن يتذكر أزمنته القديمة المتهاوية. وكلما أوشك أن يبني نسقا معرفيا خانته القدرة على التذكر فانْهَد النسق..».
ينفي حي الحاضر في حواره مع الحصان أن يكون هو حي بن يقظان، حتى إذا حمل الاسم نفسه؛ لأن «الاسم هو غير المسمى» لكن قد يكون واحدا من أقاربه القدامى. كما لا يعرف ابن طفيل واضع قصته، ويرجع أن أباه كان طفلا صغيرا. إنه لا يؤمن بالزمن الخطي، ولا يدعي العلم بالتاريخ، ويتحرر من سلطة الصورة التي هو عليها في الظاهر، بقدر ما هو يتشبثُ بالتخيل بلا فواصل بين الأزمنة الثلاثة؛ وهذا التخيل موضوعه هو المنفلت مما هو عليه، والذي لا يُدْرك بالعين وحدها في ما يقيم بين المسافات الفارغة والثقوب، بل كذلك بالعقل والتخيل. إن هذا الخطاب الميتاسردي الذي يتقصده السارد من الحوار بين حي والحصان، أو لاحقا بين شاغور وإسحاق، مع ما في هذا أو ذاك من نبرة تهكمية وهذيانات لغوية، إنما يرسم حدود التخييل النصي، وسعي الذات المستحيل إلى المعرفة، ويؤشكل العلاقة بينها وبين العالم: «ومررتُ بذاتي أكثر من مرة، عندما انتبهتُ لذاتي وأدركتُ أن المعرفة لا يمكن أن تحيط بالعالم، وجدتُ أن التأويل ملغزٌ والسيرة تفيض، وظهرت لي بياضاتٌ لم أجد مسلكا لملئها، وأنا غير مسؤول عن وجودها في حكايتي أصلا».

فالخطاب الخيالي داخل المحكي يقوم أساسا على الازدواج المضاعف؛ على تخييل قصة حي بشكل يستتبع توطدَ طريقة خاصة في سرد أحداثها المليئة بالأخبار العجيبة والوقائع النصية، التي لا رابط بينها تحت تأثير «الفائض اللغوي» ثُم على تخييل الخطاب الذي يتضمن القصة ويصبغها بوضعية خيالية وعجائبية ومناقبية، تستدعي صورا ومشاهد من عوالم ومرجعيات متباعدة (أسطورية، مناقبية، حديثة) وتعطي لحاضر السرد امتدادا طبيعيا ولسيرة حي شكلا تخييليا، فتظل الوضعية رهن عملية توليد مستمرة، وهكذا يبدو التركيز على محكي التخييل أكثر بروزا من محكي القصة نفسه.
يتعرض الميثاق السيرذاتي في سياق هذا التبلبل النوعي، لتحريف مقصود؛ بحيث لا نعثر على تطابق مرجعي بين الأطراف الثلاثة: السارد والشخصية والمؤلف. فالسارد يحكي بضمير الغائب، ويُضمّن ما يحكيه لهجة مناقبية تهكمية تجرد الملفوظ من أثره الواقعي، كأنه ـ وهو ينظر إليه من خارج – يتحدث عن شخص آخر مقارق له وليس إلا ضَرْبا من الخيال. ويبدو في كثير من المرات وهو يتدخل في كلام حي، ويكشف للقارئ عن صراعها وعدم المطابقة بينهما، ويُظهر عدم معرفته ببعض الوقائع في (سيناريو فاشل تماما) أو يناقضها بنفسه (من أدراك؟/ وكيف عرفت؟/ ها قد فهمت..). بل إنه يتلون بحسب طبيعة الوقائع وتطورها؛ فهو حينا، ساردٌ فضولي (أنا شخصيا لا أرى…) ولامرئي (قد أكون قربه، أو أرقبه من بعيد، أو مختبئا خلف… المهم أني أراه وإن كان هو لا يراني في مخبئي) وهو حينا آخر، ساردٌ داخل حكائي، مُتعدد (لماذا لا تتدخل ذاتي الأخرى..) ومُتحول (وحين اتضحت لي الرؤية ألفيت نفسي في ذاتي الأخرى) وقد يعبر في بعض الحوارات الثنائية الموازية عن انشطار ذات حي إلى أكثر من صوت ورغبة داخلية.
إنها سيرة متخيلة لحي/ يحياوي، تسعى عبر منطق السرد بوجوهه المتعددة وألاعيبه اللغوية، إلى اختبار الوجود الفردي للكائن وإحساسه بالعزلة وتحمل التأمل المُمِض في سياق البحث عن النفس، لتتجاوزه إلى تجسيد فكرة الهجرة من الأوطان غير المأمونة والممزقة التي تُمثلها بغداد الدمار، أو حدود التفرقة والعداء بين المغرب والجزائر، بحثا عن فردوس مفقود (أوروبا) باعتبارها يوتوبيا قاسية يتأبى الجسر أن ينفتح أمامها بسلام، وكناية عن ضياع الذات والمعنى والتاريخ.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية