حَيْـثُ لا يَســـار

حجم الخط
3

■ حَيْــثُ لا من ينظر اليوم لِما آلَ إليه وضع اليسار العربي، سيُدْرِكُ مدى الإحباط الذي أصابَ هذا اليسار، وما عَرَفَتْه الأحزاب اليسارية من تراجُع، في رؤيتها للأشياء، وفي طبيعة تنظيماتِها، وما كان لها من امتداد في الشارع العربي. لم يُعِدْ هذا اليسار تجديدَ نفسِه، ولا تجديدَ نُخَبِه، ولا تجديد أفكاره. فهو ظلَّ يَساراً بلا أفق أيديولوجي، وبلا فكر يساري، فكل ما كان يعيش به من أفكارٍ، هو نفسُه ما بَقِيَ يعيش عليه، بنفس الرؤية وبنفس الفكر وبنفس الوعي، وكأنَّ لا شيءَ حدث، أو أنَّ الماء هو نفسه، لم يَجْرِ، ولم يتغيَّر.
لم يأخُذ هذا اليَسار وُجودَ أطْرافٍ جديدة، في المشهد السياسي العربي، بعين الاعتبار، وظلَّ يعتبر نفسَه النَّاطِقَ الوحيدَ بِلِسانِ الجماهير، أو هو من يملك حقَّ الكلام بلسان هذه الجماهير، بمختلف تلويناتها وانْتِماءاتِها الطبقية. وهذا كان بين ما ساهَم في انغلاق الأحزاب اليسارية على نفسها، وانعزالِها داخل فِكْرٍ لم يَعُد، أو لم يكُن مفتوحاً على ما كان يجري من أفكار، وما حَدَثَ من تحوُّلاتٍ وانقلابٍ في المفاهيم والأفكار.
كانت «الثورات الشعبية» التي قام بها شُبَّان عرب، لا علاقةَ لهُم باليسار، ولا بغيره من التنظيمات السياسية أو الدينية العربية، هي اللحظة الحاسِمَةَ في فَضْح انغلاق اليسار، وفي تراجعه، وما عرفَه من انْتِكاساتٍ، رغم أنَّ هذا اليسار، كان قبل هذه الثورات، عرف تراجُعاً كبيراً، ولم يعُد يُغري الشباب بالانتماء له، لأسباب عديدة، أهَمّها، إخفاقُ عددٍ من أحزاب اليسار في الوفاء بوعودها وببرامجها، حين انْتَقلَتْ من المعارضة إلى السلطة، وحتى في ما كانتْ تتحمَّلُه من مسؤوليات في المجالس والمؤسسات المُنْتَخَبَة، ناهيك عن خُفوتِ دورها في الاستقطاب والتأطير، وفي النزول للشارع، وما كان لها من دور في صفوف الطلبة والتلاميذ، وفي صفوف الطبقة العاملة، ودور المثقفين الذي تقلَّص في داخل هذه الأحزاب، وما عرفَتْه من انشقاقاتٍ وتَصَدُّعاتٍ في صفوفها ، ليس حول الأفكار والبرامج، بل حول السلطة والزَّعامَة.
هذه الإخفاقات وغيرها، كانت اللحظة الحاسمة في انْكِماش اليسار، بكل تياراته، وانقسام الأحزاب اليسارية الكبرى حول نفسها، خصوصاً حين تَخَلَّتْ هذه الأحزاب عن مُناضِليها، وعن قِيَمِها ومبادِئِها، واستعانَتْ بـ «الأعيان» وأصحاب المال، الذين لا تربطهم علاقة باليسار ولا بأحزابه، في الانتخابات البلدية والبرلمانية، وفي المناصب الوزارية، وغيرها من المهام التي لم تَعُد تحكُمُها الانتماءات الفكرية والمذهبية، بقدر ما أصبحتْ رهينةً للمال، ولِما ستعرفُه هذه الأحزاب من تَوْرِيثٍ للمناصِب والزَّعامات. فهذا النوع من «الاستثمار السياسي»، هو ما جعل من هذه الأحزاب تتحوَّل إلى «مُقاولات»، ما سيزيدُ من تعميق الهُوَّةِ بينها وبين مناضليها من جهة، وبينها وبين الفئات الواسعة من الشبان التي ستجدُ في الأصوليات الدينية البديلَ عن هذا اليسار المُتَشَظِّي والمُفَتَّت، كما ستجد في الدِّين، بمعناه السياسوي، وما يحمله من أفكار سلفية ماضوية، وما فيه من وَعْد بالجنة في مقابل النار، وغيرها من الخطابات الشعبوية التبسيطية، مَلْجَأً تأوي إليه، هروباً من هذا العراء، أو الفراغ الفكري والسياسي الذي خلَّفَه اليسار وراءَه.
ولعلَّ ما جرى في انتخابات البرلمان الأوربي بفوز اليمين المتطرف في أكثر من بلدٍ، بما في ذلك حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، الذي تتوسَّع قاعدتُه بشكل مُثير، ما يكشف مدى الخسارات التي يحصدها اليسار، ليس في العالم العربي، بل في أوربا أيضاً.
لم يَعُد اليسار يعمل بأفكار وبرامج، ولم يَعُد في اليسار مُنَظِّرِين كباراً يعملون على تجديد دِمائِه، وتوسيع أفكاره لتخرج من ماضي اليسار التقليدي، وتعمل على اخْتِلاق وابْتِداع أفكار جديدة، تُراعي مُجمل التحوُّلات التي حدثتْ في العالم، وهيمنة اقتصاد السوق، والمؤسَّسات والشركات الكبرى التي أصبحت تتحكَّم في اقتصاديات الدول، وفي سياساتها المالية، واختياراتها المذهبية، وفي طبيعة توجُّهاتها. فاليسار اليوم، وفي كثير من مواقفه وبرامجه، قدَّم تنازُلاتٍ، ولم يقترح بدائل أو حُلولاً للمعضلات الفكرية والنظرية التي أصابتْ فكره ورؤيتَه لِما يجري. وهذا ما سمح بخروج اليمين المتطرف في أوربا للواجهة، وبانتشار الأصوليات الدينية المتطرفة في العالم العربي. فالطبيعة تأبى الفراغ، كما يُقال.
لكن، ثمَّة معْطًى آخر، لا بُدَّ من استحضاره في هذا المشهد، وهو دخول الجيش أو العسكر على الخط، كبديل على الطَّرَفَيْن، أو كحَلٍّ في مُقابلِ هذا الفراغ الذي لم يمْلأْه اليسار، وفي مُقابل هذا التطرُّف الديني الذي سعى للسلطة لفرض أفكاره، وللاستفراد بالسلطة، في العالم العربي بشكل خاص.
ويمكن الاستدلال على ذلك بمصر، وبما يجري في ليبيا. فاليسار المصري لم يستثمر «الثورة»، رغم أنَّه شارك فيها، ولم يكن مُنظَّماً بما يكفي، ما جعل الإخوان يَصِلُون للسلطة، في مرحلة سابقة، وما جعل الجيش، بصورة أو بأخرى، يُبادِر لمَِلْءِ الفراغ، وللعودة للسلطة، باعتباره «المُنقد من الضَّلال».
لا أعتبر ما قام به الجيش المصري انقلاباً على الإخوان، فما حدثَ كان برغبة من الشَّعب، وبمبادرة منه، أو من غالبية الشَّعب، والجيش تدخَّل لِفَضِّ الاشتباك لصالح هذا المدّ الشعبي الكبير، الذي رفض استمرار الإخوان في الحُكْم، كما قَلَبَ الطاولة من قبل على مبارك. لكن الجيش، بما له من تجربة وخبرة، وبما يتوفَّر عليه من معطيات، وما يملكه من شبكات استخباراتية واسعة، عرف كيف يصنع أسطورَتَه الجديدة، وكيف يُرَوِّج لها، ويعمل على تسويقها إعلامياً، وكان يعرف أنَّ السَّاحَةَ السياسية، بحكم عوامل تاريخية وسياسية كثيرة ومُتراكمة، فارغة، وليس هناك بديل حقيقيّ، وحتى إنْ وُجِدَ، فهو لن يُمَثِّلَ إلاَّ نسبة ضئيلةً من الشعب، ممن رَغِبُوا في الانتقال بالدولة المصرية من حُكم العسكر، إلاَّ الحكم المدنيّ، أو الدولة المدنية بالأحرى.
فاليسار المصري، كان مُشَتَّتاً، والحملة الانتخابية لمرشَّح اليسار أو الثورة، أبانت عن تَخَبُّط في الرؤية وفي الخطاب، رغم أنَّ الجيش نفسَه ليست له رؤية واضحة، ولا مقاربة لِما ينبغي فِعْلُه، واقتراحُه من حلول لمجموع المعضلات التي يتخبَّط فيها هذا البلد، سوى المقاربة الأمنية، التي تُؤهِّلُه، بحكم طبيعته، ليكون قادراً على توظيف كل إمكاناته لمواجهة التطرُّف والعُنْف والإرهاب.
فلقاء السيسي بالمثقفين والفنانيين والإعلاميين، وما صدر عن بعض هؤلاء من مواقف حماسية، وتأييد للسيسي، الذي بدا في هذه اللقاءات كرئيسٍ وليس كمرشَّح مُفْتَرض للرئاسة، يضعُنا أمام حقيقة العقل العربي، باعتباره عقلاً، مهما كان مستوى تكوينه، لا يعيش خارج الأسطورة، وأنَّه عقل لم يخرج من سلطة الزعامات والقيادات، لأنَّه ببساطة، عقل لم يتشَرَّب الوعي الديمقراطي، كما يجب، ولم يَتَربَّ على السلوك الديمقراطي، وعلى سلطة القانون، وسلطة المؤسَّسات، بدل هيمنة الزعامات والأفراد.
بقدر ما بدتْ الانتخابات المصرية استفتاءً على مُرَشَّح واحدٍ، بقدر ما بدا لي، من خلال هذه الانتخابات، الدَّوْر الباهِت والشَّاحِب لليسار العربي، الذي كان بين الأسباب التي ساهمت في إعادة العسكر للحُكْم والسلطة، كما ساهمتْ في انتشار الأصوليات الدينية، أو من يَتستَّرون وراء الدِّين، لِما تركَهُ هذا اليسار وراءه من فراغ، وبما عَرفَه من تَشَرْدُم وتفرقة وانهيارٍ، انعكس على حياتنا الفكرية والمذهبية، وانعكس على المدرسة والجامعة، وعلى التكوين الثقافي والفكري للمواطن العربي، وعلى الخطاب السياسي نفسه، الذي أصبح اليوم، مُبْتَذَلاً، سخيفاً، خالياً من المعنى. أو أنَّ السياسةَ أصبحت مهنةَ من لا مِهْنَةَ له، مثلُها في ذلك مثل الدِّين، أو التَّدَيُّن، بالمعنى الذي يجعلُه ادِّعاءً لا إيماناً.

٭ كاتب مغربي

صــلاح بوســريف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية