خادم الحرمين يدعم المرأة أثناء مسلسل عن مصاصة دماء.. والمجالي أمر مدير التلفزيون بتعيين جميع ركاب الباص!

حجم الخط
0

بسام البدارينحوار مكرر على الشاشات بين إنسان بشري ومصاصة دماء يتخلله عرض من الأول للثانية بان تعتقه لوجه الله تعالى مقابل إحضار بقرة من المزرعة المجاورة لتوغل المصاصة نصف البشرية بدمها.. مباشرة بعد هذا المشهد على محطة إم بي سي الثانية التي تعرض مجموعة متنوعة من أفلام ومسلسلات مص الدم، وتحديدا في اللحظة التي ترفض فيها المصاصة الأنيقة عرض البقرة ينقطع الإرسال فجأة ويظهر على الشاشة ذلك الخط الأفقي الذي يبلغك ضمنيا كمشاهد بترك المشهد الحالي والإستراحة قليلا على طريقة رزان المغربي (فاصل ونواصل). سايكولوجيا وبدنيا تستعد أثناء التلقي لخيارات محددة سلفا تختزنها الذاكرة وهي نبأ عاجل.. فاصل دعائي لنوع من الأحذية مثلا من طراز ذلك الذي تقرأ عند عرضه أسفل الشاشة (متوفر في الأسواق المصرية).. والخيار الثالث حصريا نبذة عن عرض قادم لفيلم رعب او أكشن.

لكن ما فعلته إم بي سي الثانية معي مختلف تماما مساء الإثنين الماضي وتحديدا في منتصف الليل فبعد لقطة التفاوض على البقرة بين مصاصة الدماء الحلوة التي سأتبرع تلقائيا لها بكمية هائلة من دمي لو طلبتها بأي شكل وبين الشاب الضحية وهو مزارع مسكين.. بعد اللقطة توقف البث وعرض لي المشهد الأفقي إياه وبدأت أستعد لرؤية الفاصل حتى أواصل.

عندها أصابتني الدهشة فإذا بخادم الحرمين الشريفين يطل بكامل وقاره على الشاشة بعدما تسلطت الكاميرا على وجهه وشاربه المصبوغ بكثافة باللون الأسود ليبلغني كمواطن عربي ويبلغ العالم بعدي بما يلي وبدون أي مقدمات دعائية من أي نوع: المرأة هي أختي.. هي أمي.. هي زوجتي.. هي إبنتي… ثم يختم جلالته: نحن خلقنا من المرأة… هكذا وخلال 11 ثانية فقط حضر العاهل السعودي على الشاشة ثم عدنا لمشهد مص الدماء ليتبين بان المصاصة المدهشة الجميلة رفضت عرض البقرة وبدأت بتناول وجبتها بدون تقزز.

وبصراحة للوهلة الأولى لا يعرف المرء عن ماذا ولا لماذا يوجه أبو متعب هذه الرسالة الموجعة لكل خصوم المرأة وحقوقها في المملكة السعيدة والعالم العربي؟

شعرت لوهلة بأن المشهد مرتب ومقصود في إطار عبقرية فضائيات النفط وقدرت لاحقا بأن المال السعودي الضخم المصروف على محطات فضائية تجتاح عالمنا قد لا يكفي لتجنب خطأ مهني وفني بسيط – إذا كان خطأ أصلا- حيث من غير المعقول لا مهنيا ولا فنيا ولا سياسيا أن يوجه خادم الحرمين الشريفين رسالته المؤثرة حول المرأة تماما بعد مشهد (مص الدم) إياه ومن قبل إمرأة تمص الدماء وليس رجلا؟… هل يعقل هذا الأداء الذي يرقى إلى مستوى التحفة؟

لكن قد أكون أنا المتفلسف وبالتالي المخطئ في رصد مؤشرات العبقرية في هذا التسلل بالبث فتوجيه خطبة ملكية إيجابية قصيرة لصالح حقوق المرأة الأخت والبنت والزوجة والأم بين مشهدين متتابعين تزرع خلالهما إمرأة شابة وجميلة أنيابها في رقبة مزارع شاب ومسكين قد يكون بحد ذاته رسالة سياسية بإمتياز تقول ضمنيا للمواطن السعودي: إحذر منح المرأة حقوقها.. في النهاية ستغني على جثتك مع كاظم الساهر تلك الأغنية المدهشة التي تقول: واغربتاه.. زرعتي كفك تجتثين أوردتي وتسحقين بلا رفق مسراتي.

وعليه يحتم علي ضميري المهني أن أسأل الزملاء في مجموعة إم بي سي العملاقة قبل الحكم على الأمور: هل قصدتم فعلا أن تظهر رسالة الملك عن المرأة تماما أثناء مشهد مص الدماء إياه فجر يوم الثلاثاء الماضي؟.. طبعا في حالة التشكيك يمكن للزملاء العودة للتسجيلات للتوثق من الرواية أولا ثم الإجابة.

حماقات وعثراتلكن حماقات الفضائيات عموما لا تقف عند أي حدود عندما يتعلق الأمر باجتثاثها بقصد أو بدونه لحالتك الذهنية كمتلق مستسلم لما يعرض عليك من بضاعة او عندما تقدم لك فضائية ما دليلا بالبرهان على ان الطاقم الذي يعمل فيها تم تعيينه إما (بالواسطة) فقط ولأسباب إجتماعية وعشائرية وإما على مقياس أمني مخابراتي لا علاقة له بالمهنة او حتى عندما يتعلق الأمر بمطبات طريفة يتعرض لها المراسلون على الهواء مباشرة.

وليس من باب التسلية فقط سأهتم بعرض بعض الأمثلة فأحد الأصدقاء أقسم لي بأن فضائية الحكومة الأردنية كانت تعرض برنامجا عن صناعة الصابون بالتزامن مع الجلسة الأخيرة للتعديلات الدستورية وآخر شاهد بعينيه برنامجا متخصصا عن إنتاج البيض المحلي يوم سقوط الرئيس حسني مبارك.

وليس سرا انه يوم أحداث دوار الداخلية حيث تم تطهيره من دعاة الإصلاح ومنع تحويله إلى نسخة محلية من ميدان التحرير.. ذلك اليوم إندفع تلفزيون الحكومة لعرض سلسلة لا متناهية من الأغاني الوطنية والعسكرية وكان القوم قد حرروا للتو المسجد الأقصى ويستعدون لتحرير لواء الإسكندرون.

وليس سرا أن فضائية السعودية الحكومية مثلا سهرت مع محمد عبده فقط فيما كانت طائرة رئيس تونس المخلوع زين العابدين بن علي تحلق فوق أجواء الرياض وتستعد للهبوط وأن فضائية البحرين كانت تعرض أغنية (مرسول الحب) للفنان العظيم عبد الوهاب الدوكالي ليلة تحرير دوار المنامة الرئيسي من جواسيس إيران الذين تزيد نسبتهم للصدفة المحضة عن 80 % من الشعب الشقيق.

وبكل وضوح لم يتسع حيز البث لفضائية قطر الحكومية وطوال الحرب الأهلية في ليبيا إلا لتقارير مكررة عن حملات الدعم القطرية (الإنسانية) للشعب الليبي الشقيق دون ان تستمع لخبر او تشاهد تقريرا عن الحدث نفسه أما الجزيرة فأصبحت متخصصة في نقلك بين الحين والأخر بين زواريب القتل والدمار والدم والكوارث والإنتفاضات وحراكات الشعوب والحروب الأهلية دون ولو خبر واحد يسر البال أو الخاطر.

وتستمر متوالية الإستغباء التلفزيوني على نحو مضجر ففي اليوم الذي سقط فيه 57 شهيدا سوريا دفعة واحدة كانت فضائية نظام بشار وحتى تثبت ديمقراطية الشرعية والنظام تواصل عرض حلقات قديمة من مسلسل (أبو جانتي) سائق التاكسي الشهير الذي يتضمن ملاحظات نقدية إجتماعية ساخرة للأوضاع في سورية على قاعدة التنفيس وبشكل يدين فقط ممارسات المواطن والمجتمع وليس الدولة والحكومات.

وهي نفس لعبة النظام السعودي في الإستنساخ المكرر والمؤلم والأزلي لسلسلة (طاش ما طاش) التي ستحطم قريبا الرقم القياسي في الإنتاج التلفزيوني المخصص للتفريغ النفسي ولإظهار ديمقراطية النظام ونظرته الثاقبة ومستوى الحريات فقط لأنه يسمح لفنان كوميدي محترم يحرك جفنيه ورأسه وأذنيه بطريقة مضحكة بتصوير لقطات ساخرة في شوارع جدة حتى نثبت للعالم كسعوديين أننا نتمتع بسعة الصدر وحريات التعبير الدرامي نكاية بالمشروع الصهيوني الأمريكي الإمبريالي الأوروبي الرجعي المتعطش دوما لمؤامرة واحدة ودائمة ويتيمة هي إستهداف الريادة السعودية والدور القومي الإنساني للمملكة السعيدة.

والمؤدون في طاش ما طاش للعدالة والإنصاف دمهم خفيف وفيهم مسحة من الإبداع لكن كمشاهد عربي بت قلقا من إهتمام الأنظمة القمعية في عالمنا العربي بإنتاج سلسلة من الدراما التنفيسية كبديل وحيد عن الإصلاح ومكافحة الفساد والديمقراطية وصناديق الإنتخاب.

تعيين جميع الركابوعلى ذكر صناديق الإقتراع لابد من زف نبأ سار للأردنيين تحديدا فمحطة آي تي في المقموعة والتي كانت اول محطة أرضية فضائية خاصة تستعد مجددا للإنطلاق في إطار صفقة مسكوت عنها لم تتضح معالمها بعد.

وهي صفقة نرحب بها بكل الأحوال مهما كانت بدلا من تحول المحطة إلى مجمع صفيح معروض للبيع كخردة كما حصل فعلا بعدما توقفت المحطة عام 2007 فجأة عن البث لإن كاميرا متصيدة تابعة لها نجحت في رصد صناديق إقتراع أثناء الإنتخابات البلدية السابقة تم القاؤها من شاحنات حكومية على الشارع العام حيث كانت مهمة الشاحنات إيصال الصناديق إلى لجنة الفرز ومن الواضح ان عبقريا ما في السلطة ألقى الصناديق الحقيقية على قارعة الطريق ثم استبدلها بأخرى لزوم النزاهة والشفافية فاصطادت آي تي في وقتها اللقطة وعرضتها في البث التجريبي ثم كان ما كان وقبرت المحطة في المهد وبكى القوم على اللحد.

لكن اليوم ثمة محاولة حيوية ويقال انها (مدعومة) كالعادة لتحويل اللحد مجددا إلى محطة تلفزيون تبض بالنشاط والحيوية كبديل يمثل القطاع الخاص ما دام كادر تلفزيون الحكومة الذي يتجاوز 2500 موظفا عمليا لا يعمل معظمهم مشغول بتسريب بيانات ومعلومات ضد الإدارة والمدراء والنكايات البيروقراطية الصغيرة.

وفي السياق ثمة نكتة على شكل واقعة حقيقية يتداولها القوم في عمان عن مسألة التعيينات في إدارة التلفزيون تقول: رئيس الوزراء الأسبق عبد السلام المجالي عندما قاد حكومته الثانية أرسل حافلة من طراز كوستر تضم 50 مواطنا إلى مقر التلفزيون ثم إتصل هاتفيا بالمدير آنذاك وأعطاه التوجيه التالي: أرسلت لك باصا متوسطا عليك تعيين جميع الركاب في المؤسسة.. وقبل ان يرمش جفن المدير عالجه الرئيس بالتوجيه الثاني: لا تنس أيضا السائق.

لكن بالمقابل يظهر نشطاء النقابات المهنية في عمان بان مآسي الأخرين خصوصا مراسلي الفضائيات يمكن ان تصلح كبضاعة تصلح للترويج او تساعد خطباء المنابر فالأخوة إستضافوا في عمان قبل أيام مراسل الجزيرة سامر علاوي الذي بقي 42 يوما في السجون الصهيونية لأسباب تتعلق بتغطياته وتقاريره سابقا قبل الإفراج عنه بلقطات دعائية ظهر فيها يعانق والدته ثم يمشي ببطء مع المايكروفون والكاميرا ويتبادل الحديث مع جيفارا البديري.. لاحقا إستضاف محترفو المعارضة الزميل الأسير سابقا في لقاء خاص أعتقد شخصيا أن هدفه الوحيد الباطني يتمثل في ظهور صورة البعض على شاشة الجزيرة ولو بشكل عابر.. الله من وراء القصد.

مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية