‘خارج من غزة’ لسلمى الدباغ: اسرار العائلة وخيارات الجيل بين الموت والرحيل

حجم الخط
0

ابراهيم درويش’خارج غزة’ هي اول عمل روائي للقاصة الفلسطينية البريطانية سلمى الدباغ، صدرت في بريطانيا تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي. وهي رواية متعددة الاصوات وتدور معظم احداثها في غزة في بداية العقد الاول من القرن الحالي ـ اي في زمن الانتفاضة الثانية، ويتنقل ابطالها بين الخليج وبريطانيا ليعودوا الى غزة، وفي مركز الرواية عائلة مجاهد، عائلة جاءت مع توقيع اتفاق اوسلو ومما صار يعرف بقيادة الخارج، او جماعة تونس، اي القيادات والجنود الذي جاءوا من القيادة الفلسطينية في الخارج، بعد اوسلو عام 1993. وفي البداية فإن فهم زمنية الرواية مهم لان ما تصوره هو واقع انهيار الاحلام، وتراجع التوقعات والاحباط، والفساد وصعود القوى الاخرى التي بدأت تنافس السلطة الوطنية وتهدد سيادتها، فهذه الفترة شهدت توغلات الجيش الاسرائيلي والقصف المستمر للاحياء والبنايات السكانية والمؤسسات الطبية، كما شهدت زيادة نسبية في العمليات الانتحارية، وحتى هذا الوقت كانت الحركة مستمرة من والى القطاع وان لم تخل دائما من منغصات وسؤال وجواب لا معنى له. في الرواية بقايا او شظايا من غزة التي كانت تحلم على البحر وتحاول صناعة زمنها والتطلع للمستقبل، هناك بقايا وصور من لوحات الدعم الدولي للمؤسسات التعليمية ويافطات عن دعم مؤسسات حقوق الانسان، ومعظمها اما تداعى، خرب او بهت.

سماء غزة وبحرها محاصران، ففي السماء طائرات تلقي يوميا بحممها على غزة، وفي البحر طواريد تعبث ببحرها وشاطئها، الشريط االساحلي الوحيد الذي بقي لاهل غزة كي يرتاحوا عليه ويجلسوا على مقاهيمه. عائلة مجادهد عائلة متعلمة وسافرت في العالم وثقافتها كوزموبوليتة، فقد عاشت في بيروت وفي فرنسا وفي سويسرا ـ الاب من قيادات الخارج شغل مناصب مهمة في القيادة في الخارج وفي الداخل، قبل ان يتخذ قرارا مفاجئا ويترك غزة ويسافر للخليج ـ ابو ظبي، لماذا لا احد يعرف السبب وان كان هناك من يعرفه فقد اختار عدم البوح به. الام تعيش في شقة في عمارة من العمارات التي ظهرت في سماء غزة وحولها الاصوات والضجيج والضوضاء التي لا تنتهي، وقرب العمارة خيم لعائلات شردت من بيوتها التي دمرها القصف. في البيت صبري المقعد والذي فقد رجليه بعد ان قصف بيته حيث قتلت في الحادث زوجته لانا وابنه ناجي، اما هو فقد نجا ويعيش حياته على كرسي متحرك، حيث تقوم والدته بالعناية به. صبري مثقف وكادر سياسي كبير، ويقضي وقته وهو يراجع ابحاثه عن الانتفاضة التي عايشها عندما كان طالبا، والقضية الفلسطينية، ويأمل بالاطلاع على وثائق من الارشيف البريطاني متعلقة ببحثه. هل كان صبري يعيش مع قاتله في نفس العمارة ويسكن لاحقا في شقته مع واحد من اولاده الذي سيقول له ‘عمو’ ؟. ومع صبري يعيش التوأم رشيد وايمان. تتذكر ايمان ان شقيقها قال لها يوما وهما في سويسرا انهما مثل ‘حبة الجوز’ من الصعب ان ينفصلا. هل تفرق بينهما غزة ام هو المصير في غزة؟ رشيد ينتظر الحصول على منحة لاكمال دراسته في لندن ويراسل صديقته ليزا من حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني والتي كانت في غزة لدعم القضية الفلسطينية. ايمان ناشطة في الحركة النسوية وتعمل مدرسة، في شخصية كل من ايمان ورشيد توتر وتوزع، خاصة ايمان التي لحقت بعائلتها، وجاءت تحلم بالعمل وخدمة الوطن، ويبدو انها علقت في غزة، وتعيش صراعا بين الدور التقليدي الذي تريده لها العائلة كزوجة وربة بيت وهو ما تقاومه دائما وبين واجبها نحو بلدها. انها لا تعرف ماهية الرجال الذين تعرفهم وتحبهم على الرغم من انها لم تعانقهم ولم تلمسهم بل ولم تقل لهم كلمة حب لكن جحيم غزة يقتلهم؟ جذور الانقسام الان وبعد عقد على اوسلو لا ترى العائلة لها بلدا الا غزة فقد تكيفت نسبيا او اجبرت على البقاء مع الحياة فيها على الرغم من الهموم اليومية والمشاق التي يتسببها الوضع الاستثنائي الذي تعيشه غزة، انقطاع الكهرباء، نقص الغاز، الاغلاقات والقصف والطائرات التي تحوم وتملأ سماء غزة حيث لا تترك للناس فرصة كي يتمتعوا بنوم مريح. العائلة منقسمة، فالاب يعيش في الخليج ولم يقطع علاقته مع الام؟ مفتاح السر موجود في الارشيف االبريطاني وفي الصور هل رحل الاب وهو القيادي لانه اهين او بسبب الانقسامات والتناحرات السياسية في داخل القيادة؟ هما ايمان ورشيد مركزا الرواية تشوشهما وقلقهما وبحثهما، ايمان في علاقتها مع لجان العمل النسائي، وعلاقتها بمنار وسيف الدين، فهي من الخارج وعليها ان تلعب دورا مهما تصدقه وتعد له الخطط والدراسات، هل كانت تعد لدور اخر غير الذي اعتقدت انها تلعبه؟ تعترف لاحقا انها كانت ستقع ضحية سذاجتها او حماسها. فقط رشيد الذي يريد الخروج والهروب من روتين غزة ومشاكلها ينتظر المنحة والتأشيرة التي ستأخذه الى حيث يجد الحرية ونفسه بعيدا عن الطائرات والانقسامات وبعيدا عن ‘غلوريا’ التي زرعها في البيت، ليست امرأة، بل شجرة ماراونا، مخدرات يستخدم اوراقها بدلا من شرائها كما سيدفعه الوضع في النهاية لشرائها من تجارها. هل رشيد يعيش توزعا بين وضعه او احلامه، هل هو موزع بين الهروب الى المنفى من جديد، بريطانيا ان استطاع البقاء فيها على الرغم من قيود الهجرة الشديدة، ام الى كندا، هل سيبقى ويغمر جسده في بحر غزة وصخوره؟ هل تسأل ايمان نفسها لماذا يموت رائد الذي ستنساه، وطالبتها تغريد ‘تجويد’ التي كانت تسأل عن اخباره من خلالها؟

ولماذا تمنح جسدها لتشارلس دينام في قلب لندن، وهو حادث ننساه او يتركه السرد مفتوحا، مشتتا او ربما لم نفهم نحن مغزاه. رشيد وخليل صورتان مختلفتان بين الواقعية والحلم، وخليل الحلو هو من الخارج ووالده حمد الحلو من القيادات او المسؤولين وهو الذي سيدفع جبريل مجاهد على الرحيل، اما لكي ينحي عقبة من طريقه في القيادة او لاهانته. العصفور فالجميع يعرف سر زوجته، ‘العصفور’ الا هو، مضت عشرون عاما وهو لم يعرف ان الـ’ عملية’ لم تكن ‘عملية’ في مستشفى بل تفجير طائرات واختطافها. ظل طوال هذه المدة جاهلا، في الظلام لما فعلته زوجته باسم الثورة، وظل جاهلا انها تقف على الصف الاخر من القيادة. هكذا هي الجماعة التي جاءت من الخارج، تعمل في القيادة، اي السلطة وتعمل مع المانحين، وتحصل على المنح، وترسم حلمها. اهل غزة من عانوا وعاشوا الاحتلال وسنين العذاب، واجهوا الموت، والسجن والخراب بصدروهم، عاشوا في الخيام امام بيوتهم، هم في خلفية الرواية لا نستبطن وجودهم الا عبر رؤية اللاتين من الخارج بعد سنوات المنفى والقتال في شوارع بيروت وعمان، وبعد ارتحال في اوروبا، عائلة مجاهد دس ابناؤها في سويسرا، وعاشوا في بيروت وقبرص بعد خروج المقاومة وربما تونس التي وصلوها ربما عبر باريس، فيما كان ابناء غزة يدرسون في مدارس الوكالة ويعيشون على معوناتهم او يجبرهم العوز والحاجة ويكرهون على العمالة مع اليهود، كما في حالة ابو عمر، الذي كان يعيش في الشقة الارضية تحت شقة عائلة مجاهد، اجبر على العمالة من اجل امه، حيث اجبره شقيقه في امريكا على ‘التعاون’ من اجل والدتهما، استمتع ابو عمر بمنافع العمالة، سيارة حمراء جديدة، فيما كان صبري المقعد يراقبه ويعيش ازمته وقدره الجديد، وهو من هو الذي كان في قلب النشاط السياسي. صبري الذي درس في جامعة بالضفة الغربية ربما بيرزيت- كان ناشطا في الحركة الطلابية ومن خلالها تعرف على لانا التي كانت ناشطة مستقلة تدرس التاريخ، لانا مسيحية مولودة في القدس حيث تعرف عليها ايام النشاط الطلابي في الجامعة في الضفة الغربية- في وقت كانت فيه المنافسة بين الكتل الطلابية مقاسيا عن صعود هذا التيار او ذاك. يتزوجان على الرغم من عدم موافقة العائلتين، ويحضران الى غزة حيث ينجبان ابنهما الوحيد ناجي، من اعطى المعلومات عن صبري ومن قتل ابنه وزوجته واقعده، ابو عمر، ام عميل اخر، ان كان هذا صحيا فقد كان يعيش مع عدوه في مكان واحد، ولماذا ظل وائل في غزة بعد اعتقاله وترحيل العائلة الى الجانب الاسرائيلي يعيش العملاء في مجمعات محميين من اسيادهم. وائل سيصبح فردا من العائلة فيما بعد عندما اعتقل مسلحون والده وقالوا انه ‘ واصل’ في العمالة، على الرغم من شجب ايمان للعملية وتساؤلها عمن اعطى المسلحين الحق في اعتقال شخص. جزء من هذا التساؤل هو رحلة اكتشاف ستعاني وستنقل من اجل الاسئلة الكثيرة التي تحوم حولها دون اجوبة. وحده صبري من يعرف قاتل ابنه وزوجته ووحده من يعرف سر الانقسام في العائلة ووحده من يريد كتابة تاريخ الانتفاضة وتاريخ القضية الفلسطينية ووحده من لم يتخل عن ذاكرة زوجته صورها وملابسها وصور ابنه وذاكرته في الجامعة.

مواجهة الام في انشغالات رشيد بالمراسلة مع ليزا وانتظار رسائلها الالكترونية عن نشاط حركة التضامن مع فلسطين في المؤسسة السياسية البريطانية كان يريد هو الاخر معرفة سبب انفصال والده عن والدته، يريد مواجهة امه بالسؤال الذي يؤرقه ويؤجله دائما، لماذا سافر الوالد فجأة وانفصل عن العائلة، وفي كل مرة كان يريد مواجهتها بالسؤال يحدث امر، اما لانه لا يريد ان لا يؤثر على روتين الام المنشغلة باعداد المخلالات والخزين مستعدة للحصار الذي يحدث بصورة مستمرة او لانها منشغلة بالعناية وتطبيب شقيقه من البثور التي تصيبه من الجلوس المستمر على الكرسي المتحرك واما لانها منشغلة بقطع قصاصات الجرائد التي تحفظها، وتكون مستعدة في اي وقت لاخراج ما تريده من خبر عن مثلا مقتل ثوري في كولومبيا، لا نعرف او حتى رشيد يعرف سر هذا الاهتمام، فقط هي الام التي تعرف وربما صبري. الاخير يريد من رشيد السفر وهو الذي ساعده كي يملأ استمارة الالتحاق، حيث سيعمل مع البروفسور مايزر في لندن، ويشرف على بحثه، في بيته لاحقا سيتناقش رشيد مع البروفسور عن الهولوكوست، وعن مجازر العصابات اليهودية وعن الهجرة وقضايا اخرى. قبل سفر رشيد الى لندن كان الجميع يتحدثون عن البنت التي فجرت نفسها في عملية انتحارية من عائلة حجر، ولم تقتل الا نفسها، حيث يعاني السكان وتقصف المؤسسات الحيوية وينقطع التيار الكهربائي ويذوب الثلج في الثلاجات مما يجبر الام على طبخ كل ما سيفسد نتيجة الحرارة، خزين الحصار. هل العمليات الانتحارية عبثية ام انها صورة عن التنافس بين الفصائل المتصارعة في غزة، سؤال يجيب عليه زياد الايوبي الذي تراه ايمان في كل مكان وهو من تراه يعتقل ابو عمر مع مسلحين وهو من يلاحقها عندما خرجت من مقهى السندباد ويجبرها على التخلي عن خططها مع سيف الدين ومنار، ويحذرها، ويتصرف بنوع من السلطة ويقول لها انه ان لم تخرج من غزة فسيخرجها بالقوة حيث سيتصل بوالدها، فهو يعرف جبريل مجاهد اذن ويعرف عائلتهماـ مازن ابن منى زحلان وخالد ايوبي، كما ستكتشف ايمان لاحقا شاهد مقتل والديه امام عينيه وعانى من امة اوصلته لحافة الجنود وها هو في غزة يتحكم بمصير ايمان ويهددها ويطلب منها الخروج، ويلاحقها في لندن ليكشف لها حقيقة تصرفه بعد ان اصبح مطاردا ومهددا هو نفسه بالقتل ويتعرض في النهاية لعملية اغتيال، قبل ان تكتشف حقيقته كان عليها ان تسافر الى الخليج حيث تقابل والدها بهذا، تسافر بعد رحلة شاقة وينتظر الوالد في المطار الحديث وعالم الرأسمالية في هذه المناطق والتسوق والعمارات والزحام في الخليج عالم جديد لكن الاب ليس منقطعا عن الحياة في غزة التي يراقب وضعها ويغضب عندما يسمع عن قتال الفصائل وصعود الاخرى بسبب الفساد، حيث يقول الكل فاسد، تقابل ايمان صديقة والدها سوزي او سوزان فلسطينية من مخيمات لبنان، وهي لا تحب ان تذكر بأصلها. يرفض الاب عودة ايمان الى غزة ويرسلها الى لندن حيث تنضم الى اخيها راشد المنشغل بالدراسة، والمخدرات والسياسة، اما هي فتعيش حياة منعزلة، تتحرك بين الحمام والمطبخ والغرفة تشاهد التلفاز وتتابع اخبار الغارات والموت في غزة. ايمان في لندن تترافق اقامتها مع تظاهرة كبيرة احتجاجا على الحرب- غزو العراق- حيث تلتقي في التظاهرة مع خليل الذي جاء يبحث عن صديقه للذهاب معا الى التظاهرة.

تهمة مخدرات في النهاية يجد خليل وليزا وايمان انفسهم في محطة الشرطة يسألون عن رشيد الذي اعتقل بجريمة مخدرات، التهمة لم تكن كبيرة، فقد اعتقل رشيد بالخطأ او الصدفة حيث جاءت الشرطة بحثا عن شيء فعثرت عن شيء اخر. في لندن يكتشف رشيد انه هو الوحيد الذي لم يكن يعرف سر والدته ولم يكن فاهما معنى البريد الالكتروني المطول من صبري عن جذور الانقسام في العائلة. يعود رشيد الى غزة، ليجد نفسه امام خيارين اما الهجرة الى كندا حيث او البقاء، كان الخيار الاول الاقوى حيث كان يعد العدة للسفر، هناك احداث تدفعه لتغيير خطته، جرج الايوبي والتجاؤه الى بيت العائلة وبقاؤه حتى يتعافى من الجراح، في هذه اللحظة يختار ويلبس سترة الجريح ويخرج من البيت لصناعة قدره. رواية الدباغ تحاول ان تجمع كل سياقات الزمن والسياسة التي يتحرك فيها الابطال والاماكن وهي تحاول الدخول في ازمة ابطالتهاـ الخارج. وتعكس النزاعات الداخليةـ الحصار والغارات والتوغلات، وتقيم من خلال هذا علاقة نسبية بين الابطال، شبكة مرتبطة كما كانت في الخارج، مرتبطة بالتاريخ والمقاومة والان بالمكان.

وعبر التواريخ ورابطة القرابة بالمقاومة والنشاط تكشف الرواية او تتكشف عن اسرار وازمات وانقسامات داخل العائلة والسلطة السياسية. الرواية هي عن ازمة القادمين من الخارج، حكاياتهم وقلقهم التي صارت جزءا من الخلاف والانقسام، فهي وفي النهاية تكشف عن حجم ما وصلت اليه التطورات في غزة حيث تصرخ امرأة وهي تقول ‘لم اعد احتمل اكثر’ حيث كانت تولول الى جنب ايمان وتضرب صدرها ‘ لا استطيع الاحتمال بعد اكثر، لا اذا اصبحنا نقتل بعضنا البعض، لا بعد كل الذي مررنا به’ ، انفجار كبير لم يترك اي اثر منه، قد تكون زرعت على الكرسي الذي جلس عليه، لم يبق منه سوى اجزاء من سترته، لونها اخضر. هل كان القتيل رشيد ام زياد؟ في النهاية هذه غزة وهذا هو قدرها ام من يعيشون فيها هم من يصنعون القدر ام من يضرب الحصار عليها ويمنعها من التنفس بحرية، كثيرة هي الاسئلة التي طرحناها في هذا العرض ولكنها اسئلة الرواية والسياسة معا. لا بد من الاشارة الى ان عنوان الرواية الانكليزي يشير الى من اقلع عن ادمان المخدرات. وعلاقة رشيد مع المخدرات التي كان تساعده على الهروب من واقعه واضحة الدلالة، رواية جميلة.Out of ItSelma DabbaghBloomsbury -2011′ ناقد من اسرة ‘القدس العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية