خارطة طريق الفشل.. تعليق على السباق الانتخابي في مصر

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل لا أستطيع أن أكتم دهشتي العميقة إزاء تفاؤل الكثير من المعلقين على الزفة الانتخابية التي تسبق ولا شك ستستمر لتصاحب الانتخابات الرئاسية المصرية، فهم جد مبهورون سعداء بما يبدو من تعدديةٍ ظاهرية في المرشحين ومن جو التنافس الجديد على مجتمعاتنا كونه من المفترض أن يسفر عن رئيس ٍ منتخبٍ فعلياً… أما المناظرة بين عمرو موسى وأبي الفتوح فقد أصابت البعض بحالةٍ من الهياج والانتشاء أوشك معها على الذبحة الصدرية من فرط الانفعال! كيف لا وهم يرون نمطاً من الحوار جديداً تماماً على مجتمعاتنا مقتبساً من دول الغرب ذات السابقة الديمقراطية الانتخابية التي ربما تراها الأغلبية مضرب المثل والقدوة في هذا المجال… و لعل لسان حال هؤلاء المنتمين إلى شعبٍ ديدنهالرضا بقليله، (سواءً منهم من يشعر بسعادةٍ وتفاؤلٍ حقيقين ومن يفتعلهما لأغراضٍ أخبث) أن ثمة تطوراً نسبياً في العملية السياسية في مصر غير مسبوقٍ وأن الصبر لن يفتح الفرج فقط وإنما سيوصلنا – بإذن الله تعالى- إلى بر الأمان؛ ولن يفوت أنصار هذا الرأي وذوو هذا المزاج أن يذكروننا بأن إشكاليات ما يزيد على الثلاثة عقود لن تحُل بين عشيةٍ وضحاها إلخ… لكنني أتشبث حتى آخر رمق بحقي في الاختلاف مع وجهة النظر تلك ولا أرى في مجريات الأمور سوى ما يبعث على القلق والخوف مما ستحمله الشهور والأعوام المقبلة… ولا يرجع ذلك إلى حرصٍ مبدئي أو مزاجٍ متأصل على تقمص دور الغراب الذي لا يجيد ولا يهوى سوى النواح وإنما لأني أري في الواقع وعملية التحول السياسي المزعومة نقائص وشروخاً تنذر بالفشل والصراعات العميقة دونما حسمٍ سريع… بدايةً هناك الظروف التي تُجرى فيها الانتخابات، وهي دون أدنى استثناء غير مواتية بتاتاً لانتخاباتٍ نزيهة ولا تمهد الطريق سوى للخيبة للأسباب التالية: هناك أولاً المادة الثامنة والعشرين سيئة السمعة من الإعلان الدستوري المشؤوم والتي تمنح حصانةً وعصمةً للجنة العليا للانتخابات وهي بتكوينها وطبيعة وضعها الملتبس وتصرفاتها ليست فوق مستوى الشبهات بأي حالٍ من الأحوال، سيما وأن انحيازها المبرمج لبعض المرشحين دون بعضهم الآخر ينزع عنها أية مصداقية ويؤكد تبعيتها لجهاتٍ وأطرافٍ تأمر وتدير عن بعد… مما يقودنا إلى ثاني النقاط وربما أكثرها خطورةً والتي تتمثل في كون منظومة أمن مبارك مازالت قائمةً على حالها؛ غاية ما هنالك أن الحراك الثوري أجبر النظام على التضحية بمشاهير السلطة وأعلامها (فيما عدا القلة من أمثال شفيق..) ومن بينهم قيادات منظومة الأمن لمواجهة وضعٍ مفاجئٍ متفجرٍ لا عهد لهم به، وربما غيرت هذه المنظومة من أسلوب عملها وطرق بطشها فتوارت قليلاً في حركةٍ تكتيكيةٍ تلائم الظرف إلا أن ذلك لا يعني أن طبيعة مهامها أو دورها تغيرت، فهي كما عهدناها أبدا لم تتخل عن محاولات اختراق التنظيمات والتجمعات السياسية، القديم منها والمستجد، بهدف تخريبها وتفكيكها؛ اي أنها مستمرةٌ في تجريف التربة السياسية المنهكة المفقرة أصلاً في محاولةٍ لامتصاص صدمة الحراك الثوري وتفريغه لاحقاً من أي محتوىً بناء… و ليس أنصع على ذلك برهاناً من أن أحداً من متوسطي الضباط وكل من هو دون القيادات الشهيرة لم يصدر عليه أي حكمٍ قاسي، بل والأنكى والأعظم دلالةً من ذلك أن أحكام البراءة على قاتلي الثوار ما تني تصدر تباعاً أسبوعاً تلو الآخر مشكلةً الوجه الآخر لتسارع السباق الرئاسي… باختصار، ما نراه ونعيشه في مصر هو ثورةٌ مغدورة، ثورةٌ لم تكتمل… ليس فقط لكونها لم تعد صياغة المجتمع وهيكلته ولم تضرب مراكز القوى الاحتكارية والقائمة بدور الوسيط لرأس المال الأجنبي ولم تنتصف للمهمشين والمسلوبين الذين قامت من اجلهم وبهم ولا فقط لغياب أية بوادر توحي بوشوك وقوع ذلك التغيير الثوري العميق الذي ننشد وإنما لأن النظام الذي ثارت عليه مازال قائماً يعبث بمقدرات الناس ويشيع الفرقة والفساد السياسي ويلوث مياه المستقبل… إنني لا أرى أية قيـــمة لعمليةٍ انتخابيةٍ تزعم أنها تتوج ثورةً شعبية دون تصفية ومحاكمة النظام الذي قامت ضده تلك الثورة واجتثاثه تماماً بما يمثل من المصالح والطبقات.

أما إذا انتقلنا إلى ‘المرشحين’ الرئاسيين نجد أنه باستثناء مرشحين أو ثلاثة ممن عارضوا النظام فيما قبل فإن الباقين اصبحوا ثوريين بعد الثورة… وليت الأمر يقف عند ذلك الحد بل إن المرشحين الأرجح كفةً حتى الآن والأوفر حصداً للأصوات في الخارج لا يخرجون عن كونهم إما رموزاً من عهد مبارك أو إخوانيين حاليين أو سابقين، ولا أعتقد أن بي حاجةً للتذكير بأن الإخوان المسلمين كانوا آخر من انضم إلى الثورة وأن أياديهم البيضاء على الثورة لا تعد ولا تحصى من خلال صفقاتهم مع المجلس العسكري التي وفرت له شرعيةً وغطاءً مكنتاه من الاستفراد والتنكيل بما لا يحصى من الناشطين… غير أن هناك قاسماً مشتركاً آخر شديد الأهمية بين عمرو موسى وشفيق وأبي الفتوح ومرسي والعوا.. فالكل يشتركون في كونهم على أقصى يمين المشهد السياسي ويفتقرون إلى أية رؤية اجتماعية علمية صوب إعادة الحقوق والتوزيع العادل للثورة… ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على الدور المخرب للإعلام المشبوه المحسوب على قوىً بعينها ومن ورائه منظومة الأمن والاستخبار واستطلاعات رأيٍ أكثر شُبهةً وإغراضاً جعلت تروج لحكمة وثورية وخبرة هؤلاء المرشحين بعينهم دون سواهم مما أثر على الرأي العام وأشاع بين الجمهور ميلاً وقابليةً لانتخاب أحد هؤلاء الذين سيبقون الوضع على ما هو عليه. خلاصة كل ذلك أن المصريين يستعدون أو على الأقل يستعد بعضهم ويتابع البعض الآخر بدرجاتٍ متفاوتة من الاهتمام وقائع انتخاباتٍ رئاسية هُرعت إليها الغالبية الساحقة دون القضاء على النظام السابق او حسم تلال القضايا العالقة، فهي تجرى دون أن أي قصاصٍ لقتلة الثوار ودون دستور ينظم الحياة السياسية لتأتي برئيسٍ شرفي يقبل به النظام كيما يضفي عليه هالةً من الديمقراطية الزائفة، ومن المحسوم سلفاً أن هذا الرئيس لن يتعدى دوره التشريفات وإجراء بضعة تغييرات شكلية وتافهة لكي يستمر ترقيع الدساتير والقوانين و التردي على ما هو عليه وتتفرغ منظومة الأمن لتضميد جراح النظام أولاً ومن ثم لإتمام عملية اغتيال الثورة وتصفية حساباتها مع الثوار… لكل ما سبق فأنا غير متفائل وعلى يقين من كون هذه الانتخابات لن تأتي بالاستقرار وإنما هي تعد الساحة لمزيدٍ من العنف والصراع ربما لم تعرف لهما مصر مثيلاً في تاريخها الحديث..’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية