خاطرة ثورية: استدعاء الحلم لفك تشابكات الواقع

حجم الخط
0

د. محمد بريك

هذا زمان الحيرة بلا ريب؛ ليست حيرة الرؤية والتفسير والحدس والترقب ربما، ولكن حيرة الفؤاد والفعل. هل طبيعي أن الأحلام التي تضرب دهورا في مخيلاتنا وتمتزج مع بواعث النضال والمراغمة فينا.. تبدو غريبة المذاق ولا تقدم لنا وسائد نضع عليها مشقات سير طويل حين نصل إليها؟ هذه المفارقة بين الحلم والمعاينة والحدس والمكاشفة وحد الطريق وما ينطوي فيه من مفاوز أبعد وحدود لا نهاية لها.. هي الحاضر المقيم في حياتنا الدنيا. من ناحية فإن ما نعيشه من آمال ووقائع وأمنيات وتجارب وتصورات ومحسوسات يغلب عليها طابع عدم اليقين لطبيعة هذه الحياة نفسها ومناط التكليف فيها؛ فلا يكون اليقين إلا توالدا من ارتباط بالحقيقة المطلقة التي يكشفها الله سبحانه لخلقه في الآخرة. حتى أولئك الذين يمن عليهم بفيوض الوصل والكشف في الدنيا، وأنسوا ببعض وصلات اليقين فإنه يبقى (علم يقين) أو كشفا قلبيا وليس (عين اليقين) في الآخرة. والسبب الثاني ـ هو بقاء حالة الالتجاء للخالق ـ عز وجل ـ مصاحبة لحال المؤمن ومهيئة لتفويض دائم وأخذ بالأسباب تكليفا من دون تعلق بها.

هذا المعنى أعيشه ـ وربما يعيشه غيري ـ منذ بدايات (الثورة) المصرية، وإن لم تحز بجدارة توصيف (الثورة) ومضامينه التغييرية والبنائية الكاملة أو الحقيقية. حلم الثورة كان بلاشك أهم ما تمركز في الفؤاد منذ أن وعى واضطجع فيه سنين ولم يتسع لغيره من أحلام لابد وأن تشي بها ـ وتفرضها ـ مراحل عمر ينتقل من حال لآخر؛ أحلام الطفولة ومداعبات الهوى والمراهقة وبحث الشباب الدؤوب عن حياة الاستقرار والرفاهة. ربما لم يكن هذا الحلم في بدايته متصلا بتأسيسات منهجية حول التثوير وطرائقه وآفاقه، أو حائزا على تأصيلاته وحدوده ومسالكه واستراتيجياته؛ ولكنه كان فكرة حادة برفض واقع بغيض تعيشه أمتنا وترى خصمها المباشر في (فرعونيتها الحاكمة ـ قارونيتها الكانزة ـ كهانتها المستغفِلة ـ وشعبها المستكين الظهر ذلول)، وحنين دائم لحالها القديم الذي تحيله ماكينة الحلم وضعا ملائكيا فريدا. وحالة الثورة – كما حال الثائر- شديدة الارتباط بطبيعة الطفولة الحالمة التي لا ترى تمييزات معقدة ما بين درجات الأبيض والأسود، ولا ترى سبيلا للتوفيق بينهما، وتؤمن بأن الحل يكمن في هدم نظام وإقامة آخر ـ بهذه البساطة! يكفي أن تصل بحلمك إلى حد بعينه ـ مهما بعد وتعقد ـ فيقفز إليه الواقع (أو صورته) فورا. كان إيماني ـ بلاشك- أن انبعاث هذه الأمة ومشروعها وتحررها وسيادتها تبدأ من مصر، وألا سبيل لتغيير مصر إلا بتغيير نظامها الحاكم بشكل حاسم وكلي. وفي ضوء هذا وأثرا عنه، كانت فلتات اللسان في الطفولة للأقران والمحاولات البدائية لتسطير بعض ما يجيش به الفؤاد على الورق (شعرا)، وانجذابات نحو النهج التغييري الإسلامي في أول المراهقة وهوس بمدوناته وبأروع ما قدمه تاريخه من نماذج آسرة… كالإمام الحسين وذي النفس الزكية وصولا إلى سيد قطب على وجه الخصوص.

صحيحٌ – أن استغراقا حدث في مسارات التربية والإصلاح والتعامل الهادئ مع المجتمع، ولكن الفكرة والحلم الثوريين كانا البوصلة النضالية، والعامل المحفز إن حل وهن أو فتور، ومستند المحاججة وعريضة الاتهام للمسار الحركي الإسلامي العام، حين زاغ عن مسار التغيير وجفل عن استحقاقاته. وصحيحٌ كذلك – أن انفتاحا على تأسيسات الأصول والفقه والفكر والسياسة حدث مبكرا ولكنه كان مُمَنهِجا للفكرة والحلم الثوريين وليس مقيدا – فضلا أن يكون مجففا – لمعينهما. وصحيحٌ أن سجن الدراسة والمهنة (الطب) المفروض، الذي هو أبعد ما يكون عن الحالة الثورية المصاحبة كان قاسيا على تشوفات النظر الفائر، ولكن ما يلبث الأسير أن يكسر من جدار هذا السجن لوحا بأكمله يتنسم منه أهازيج النضال الحارّ التي احتجبت عنه أدهرا، وهذا من فضله – جل شأنه، ثم تأتي (الثورة) وقد تعلّق بها فؤاده أدهرا، وبشّر بها لسانه القارض في كل ما يكتب، وصاغت مدخلاتها ومساراتها تنظيراتُه، وجزمت بها معادلاته الاستراتيجية الناشئة.

يوم 25 كانون الثاني/يناير كان يوما حافلا لم تحتمله الأوتار المشدودة ولا العروق النافضة فأخذ الجسد يرتعش حتى المساء، وإن حالت بين الجسد وبين الميدان مفاوز. وجزمتُ حينها أن جدار الذهول والقهر والخوف والاعتياد على شعبنا قد تم كسره، وهذا لا رجوع عنه. والنظام المستبد لا يقهر شعبه بالقوة المباشرة فحسب ـ ولكن بتدشين هذا الجدار الكثيف على الذهن والوجدان الشعبيين، وتساعده في ذلك كل النخب المستأجرة والأحزاب السياسية المقتاتة على فتات موائده والحركات السياسية والإسلامية المطبعة معه والباقية في إطاره نفورا من ثمن التغيير وهيبته وتعلقا بسرابٍ للإصلاح خادع. وفي مساء 28 كانون الثاني/يناير، كان الجزم عندي برحيل مبارك من ناحية، وعدم قدرة المسيرة الثورية على إتمام مهمتها الثورية الكاملة ـ أو حتى تعرفها- من ناحية أخرى، وأن أقصى ما تصل إليه في المدى القريب هو إحداث تغيير جزئي في نظام.. لا تلبث ركائزه الباقية ملتحفة بدعم الخارج وتنسيقه أن تتضافر جهودها في إعادة إنتاج نظام جديد في مظهره وبعض جوانبه الإصلاحية التسكينية، ولكن مبقية على محدداته الجوهرية الحاكمة: بقاء مصر خاضعة للترتيب الاستراتيجي في المنطقة، والإبقاء على سياسات رأس المال العليا المجافية للعدل الاجتماعي، وأن ما سبق يلزم وضع قيد سياسي (دستوري) على سريان المعادلة الديمقراطية في الوطن. وكان واضحا عندي حينها أن الواقع المصري يحتمل على نفس مكونات الواقع القديم التي ساعدت النظام السابق على إكمال مهمته الاستراتيجية في إبقاء شعب تحت سيطرته لعقود وتكميم حسه التقدمي والنضالي: نخب قابلة للإيجار ـ أحزاب ملوثة بداء المصالح ـ حركات شائخة خائرة العزم تعيش في وهم ذاتها المتضخمة وسراب الإصلاح.

هذا على المدى القريب ـ وقد يحدث فيه ما يسوء أكثر من استخدام عابث للفكرة الإسلامية لتقرير أوضاع شائهة والتصالح معها، وفي هذا ما يضر الوطن من ناحية، ويشوش على صفاء الفكرة الإسلامية وإمكاناتها التنزيلية من ناحية أخرى ـ وهذا أخطر. ولكني في نفس الوقت أجزم أن مسار التحولات في وطننا وأمتنا عموما، يسير إلى حسم حقيقي في المدى الطويل وحتى المتوسط، وأن ما حدث من تغيير نوعي في وجدان وذهنية شعبنا ـ وإن لم تتنزل كل مفاعيله اللحظة وتحتاج زمنا تختمر فيه ـ لن يكون عنه رجوع بعون الله. وأجزم ـ بإذن الله ـ أن مخططات الخصوم وأوهام العابثين والمرتعشين هي مفلسة آخر الأمر. ومرد جزمي في ما سبق مزيج من برد يقيني (وإن لم يصر عينا!) وخلاصة يجود بها نظر استراتيجي أعتقد صوابيته (وإن لم أُسَلّم به). طلب مني البعض أن أكتب تصورا استراتيجيا منمقا لما حدث وما يمكن أن يحدث، وأن أحاول أن أشق بقلمي دوامات الفوضى العارمة التي تعصف بالوطن الآن، في محاولة لوضع رؤية مرتبة. ربما أفعل هذا ـ وقد أكون فعلت من قبل ـ ولكني شعرت بأن جلال اللحظة الممتدة منذ 25 كانون الثاني/يناير، وتجربتي الإنساني الطويلة معها وقبل حتى أن تأتي بعقدين أو أكثر.. يدفعانني لأخرج من طور الحسابات الاستراتيجية الصارمة، بل حتى لو حاولت إعمال هذه الحسابات ـ وبعون الله سأفعل، فما كما أسلفت في أول الحديث ـ تبقى الاستراتيجية وصياغة الخطط والتصورات وإعمال الأذهان والأبدان واجبات تكليفية وضرورات إنسانية، ولكن الوضع في مصر الآن أوسع من هذا ويردنا إلى مساحات تفويضية نحتاج إليها من حين لآخر ـ إن لم يكن في كل حين، ويذكرنا بجوانب إنسانية عميقة الأثر في تكويننا قد تجعلها صرامة الاستراتيجية تخفت بعض الشيء.

وكنت أحكي لصديق – أن موجات الأحداث والمسارات التي تسير فيها أمتنا ومكوناتها هي أعقد كثيرا من أي تدبيرات استراتيجية – فردية أو جماعية – وأنها انعكاس لمعادلات ربانية صرفية وصيرورات هائلة لتحولات المسار التاريخي لأمتنا. وفي مثل هذه الحالة – صحيح أننا نأخذ بالأسباب ونعمل كل ما نملكه من تفكير وجهد، ولكن في نفس الوقت تكون الحالة القدرية مسيطرة علينا اكثر من المعتاد.’ باحث في الدراسات الاستراتيجية – جامعة ريدينج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية