القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: شاعر هذا الحوار، مصري مقيم بالمملكة السعودية، ولم يسبق لي أن تعرفت عليه في سالف الأيام . تعرفت قبل أيام قليلة على شعره، عبر نسخة إلكترونية من ديوانه ‘اللاعب’ الذي صدر عن دار ‘الغاوون’ وتم توزيعه كهدية مع العدد 47 من المجلة بمناسبة مرور أربع سنوات على صدورها. ثم قرأت ديوانه الثاني ‘نمر يبتسم’، غير أنني لم أطالع ديوانه الأول ‘ميجابولس’ الصادر في نهاية التسعينيات. كتبت لخالد السنديوني بعد مطالعتي لديوانه ‘اللاعب’، أقول له : لا أعرف حقا كيف أشكرك على تلك المتعة النادرة العزيزة التي أدخلني فيها ديوانك الفريد الرائع ‘اللاعب’، بل لكم أشعر بجرم أنني لم أتعرف على شعرك قبل الآن، أي جرائم نخلفها وراءنا كل يوم ونحن نتغاضى عن شاعر موهوب وشعر طيب، لنتركه في النهاية يذهب مع الغبار، الشعر الطيب ياعزيزي لايذهب أبدا مع الغبار . فكرة الديوان فريدة وعجيبة وناجزة، وباعتباري ريفيا مثلك فقد عشت تجربتك كاملة في سني المبكرة، عندما كنت لاعب كرة قدم في الفريق القومي ‘لقرية العدوة ‘، كل النماذج التي كتبت عنها .. كأنها كل أصدقائي في هذه السن المبكرة، لكم طفرت دموعي من إنسانية معالجاتك الشعرية، ولكم ضحكت بصوت عال وأنا أقرأ عن نماذجك الفذة. إنه الشعر ياعزيزي وليس كرة القدم، هذا الذي جعلك تتحدى بهذه الجرأة، التي أحببتها، رجلا في حجم أرشيبالد مكليش .هذا ماكتبته للشاعر المصري الذي ينتمي تقريبا لجيلي الشعري فهو من مواليد 1966، وطلبت منه على إثر ذلك إجراء هذا الحوار، حيث يسرد الأسباب التي باعدت بينه وبين الوجود في المشهد القاهري، ظروف تعليمه وتخرجه، مناخات الريف المصري كما عاينها في قريته ، موقفه الجمالي من قصيدة النثر وتاريخنا الشعري، موقفه من المؤسسة الرسمية التي يصفها بأنها مؤسسة طاردة، وكذلك تكويناته الأولي .. وهنا نص الحوار : * حدثني في البداية عن طريقك الى ديوان ‘اللاعب’، وغرابة عوالمه التي تبدو نقيضة لمفهومنا المستقر عن الشعر؟ * ذات مرة بينما كنت أتصفح أحد المواقع الإلكترونية الشهيرة قرأت مقولة للشاعر أرشيبالد ماكليش تقول: ‘كرة القدم والشعر لايجتمعان ‘ لم أستطع أن أصدق بل وجدتني أكتب الرد سريعاً في جملة واحدة: ‘كرة القدم والشعر شىء واحد ‘ثم توالت على خيالي تلك اللحظات المفعمة بالحياة والجمال بالنشوة والاثارة وقررت أن أكتب ديوانا كاملاً يرد على مقولة ماكليش وقيدت نفسي باستلهام الجو الواقعي للعبة دون التهويم الخيالي لكي ينبع الشعر من وقائع اللعب نفسها دون شىء آخر وتحديدا من السحر الذي تتركه مباريات كرة قدم الشوارع في مخيلة اللاعبين ويبقى معهم إلى الابد وارتباط ذلك بثقافتهم الريفية الشوارعية .وقد تحمست دار الغاوون التي يشرف عليها الشاعر المتميز ماهر شرف الدين للديوان وتم طباعة عدة الاف منه كهدية مع العدد رقم 47 من مجلة الغاوون بمناسبة مرور أربعة اعوام على انشائها، لكنني أعتقد أن ظهور الكتاب في خضم الثورة المصرية لم يجعله يلقى الاهتمام الكافي .* كيف استمرت حياتك الشعرية بل كيف بدأت وكيف ترى دور المؤسسة الثقافية؟* استمرت حياتي الشعرية بعيداً عن المؤسسة الثقافية التي تنحصر علاقتي بها في ندوة اقيمت منذ سنوات بأتيليه القاهرة الذي، حتى الان، لا أعرف إن كان ينتمي الى المؤسسة الثقافية الرسمية، وعدة قصائد نشرتها في مجلة الشعر فيما عدا ذلك فإن هذه المؤسسة لا أعتقد ان بينها علاقة وبين الاسماء التي تصنع الحاضر الشعري المصري المعاصر على قلة عددهم فهي لا ترعاهم بأي طريق والمؤسسة مغلقة على عدد من الشعراء ذوي النفوذ لذا أعتقد انها مؤسسة بائسة إلى حد كبير فهي لا تنتج شعراء (اي تقدمهم للقراء وترعاهـم) ولاهي تستهلـك (تعرض وتنشر إبداعاتهم) فهي مؤسسة ينتفع بها عدد من المنتفعين ولم تصلها ثورة الخامس والعشرين من يناير من قريب أو بعيد ولا تستطيع كشاعر أن تعرف ما الذي يؤهلك للاقتراب ويرشحك لكي تحظى برعاية هكذا مؤسسة وأتوقع أن تنحدر هذه المؤسسة اكثر وأكثر أبان حكم تيار الاسلام السياسي الحالي .* كيف ترى حياتك، لاسيما وأنت تعيش خارج مصر، وكيف ترى المشهد الشعري في عمومه ؟* أنا في منتصف العقد الرابع منهمك في غربتي أحس تماما كما تحس سمكة تعيش بطريقة ما خارج الماء، لدي أربعة أطفال يشغلني مستقبلهم كثيرا ولا يعزيني شيء في غربتي غير لحظات اسرقها من وقت العمل أكمل فيها مشروعي الشعري، أنشر قصيدة هنا وقصيدة هناك وأعد لديواني الرابع. رئتاي لا تزالان ممتلئتين بغبار الملاعب وذكريات لا تنسى، حياتي الحقيقية هي اللحظات التي أنتج فيها شعراً . مستفزاً ضد المراهقة الشعرية، أعرف ختم الموهبة لدى من يملكها من أول وهلة ، أتابع ما يكتب في قصيدة النثر المصرية والعربية والمترجم من اللغات الأخرى، لدينا في مصر والمنطقة العربية عدد من المبدعين الذين يخلصون لقصيدة النثر وينتجون شعراً مميزاً ويستحقون التقدير وهم مهمشون لصالح جماعات المنتفعين بالشعر والأدب القريبين من السلطة بطريقة أو بأخرى، صحيح أن هذا الشعر منفصل عن قاعدة القراء وهذا طبيعي وليس عيباً في المتلقي الذي يحتاج إلى تدريب خاص وحساسية تمكنه من التقاط جماليات هذا النوع من الكتابة ولتمييز محب الجمال الحقيقي عن غيره .* كيف بدأت النشر وكيف كان طريقك إليه ؟ *أدين للنشر الإلكتروني بالتعريف بي، فالنشر عبر الانترنت هو ثورة حقيقية فالمواد مجانية ومتاحة لكل من يهتم بالشعر سواء كان مبدعا أو ناقدا أو قارئا وهي، على مالها من عيوب، تتمثل في أنها مفتوحة لطيف كبير من المواهب حتى الضعيف منها إلا أنها قدمت الفرصة لكثيرين لايملكون وسيلة لنشر قصائدهم أمام عدد كبير من القراء في المجلات والدوريات أو طباعة دواوين كاملة تعرف بهم .* حدثني عن مقامك في القاهرة، كيف أقمت وكيف غادرت ؟ * كبرت أزمتي في القاهرة، أنا القروي شكلا وموضوعاً، تآمر على الفشل والغربة، لم أحقق نجاحاً يذكر في عملي ولا في الشعر، ذهني اختل تماماً كنت أطوف شوارع وسط البلد دون هدف واضح ودون أمل، كنت فقط منجذباً نحو الشعر بلا سبب وإلى الأماكن التي يجلس فيها الشعراء. ترددت لسنوات على مقهى البستان وأتيليه القاهرة كما يفعل غيري من الشعراء المبتدئين دون أن يعرفني أحد أو أتعرف على أحد، في شبه عزلة مركبة رغم ذلك كنت أقول لنفسي وأنا متعب وأعاني من الآرهاق والإكتئاب أنا انتمي إلى هنا .سنوات مضت وأنا أعتبر نفسي شاعراً ، كل ماكنت أفعله أن أكتب قصائد وأمزقها، في تلك الفترة تعرفت بالفنان هشام نوار والنحات الشهير أدم حنين أثناء العمل بمشروع ترميم تمثال ابو الهول، هناك قضينا أوقات طويلة نتحدث عن الفن والشعر، في تلك الفترة كتبت كتابي الاول ‘ميجابوليس’ وهو بالتأكيد عن المدينة، وصلت الاوراق إلى الفنان التشكيلي خالد حافظ ثم إلى مي التلمساني ووليد الخشاب وقد تكفلا بإعطاء نسخة إلى دار شرقيات كترشيح منهما لطباعة الديوان وبالتأكيد ولفترة طويلة حالت الإمكانات المادية دون طباعة هذا الديوان .عملت بعد ذلك لسنوات في شركة بترول وحفر آبار المياه وتجولت في صحاري مصر كلها تقريبا في حياة خشنة لاتناسب طبيعتي لكنها شعرية بامتياز ثم سافرت للعمل في السعودية مع تأكدي من عدم قدرتي على تحمل الغربة عن مصر لكنني أعتقد أنه كان قراراً يائسا أشبه بالأنتحار . مع توفر بعض المال كان أول مافعلته هو طباعة تجربتي الأولى ‘ميجابوليس’ وصلني الكتاب في مكة وغمرني إحساس بالسعادة كما يحدث مع أي شاعر يطبع كتابه الأول إلى هذا الحد لم أكن أعتبر نفسي قد حققت أي نجاح يذكر فأي شاعر مع توفر بعض المال يستطيع أن يطبع كتابا واثنين إلا أنها كانت الخطوة المادية الأولى في طريق الكتابة .* كيف وصل بك الطريق الى قصيدة النثر .. الى الشعر عموما ،وماهي قصة ديوانك اللاعب ؟ * أذكر أول مرة قرأت ترجمة إشراقات رامبو في كتاب صغير أصفر قديم فجرفتني موجة من الأحاسيس وعرفت أن تساؤلاتي عن العالم والحياة لن يشفي غليلها إلا الشعر وكانت صدمة لمن يكره الشعر أن وقع في حبه ‘ حب الشعر.. الشعر كما أحس به و كما أريده’.ببطء تتفتح وردة الشعر في غلالات متوحدة مع النفس، تتدرب الحواس على فن لاتعرف عنه شيئا، لكنها تصر وتجتهد، يبدو الشاعر وحيداً في هذا العالم يخوض هذا النوع من الجهاد القاسي والشريف والمؤلم معاً، ذلك الذي لايخلع عليه شرفا ولايزيده مهابة ولايدر عليه مالا، يتكوم الشاعر في شرنقة الإخلاص لأعوام يبدو أنه لايفعل شيئا، بل ربما يتلقى التوبيخ من نفسه ومن المجتمع .أؤمن أنه على الشاعر أن يضع لنفسه معايير خاصة نحو انتاج ما يريد، وفي حالتي فقد حسمت أولا قصتي مع الشعر العمودي في أن زمنه قد انتهى، وثانيا صبرت على القصيدة فإما أن تنتج ما أريد أو تنتهي المحاولة إلى لا شيء أو تصبح بمفهوم يشبه تقنيات الفنانين التشكيليين جزءاً من عمل آخر.أحببت الجيولوجيا وليس علم الجيولوجيا – بدوافع شعرية جمالية بحتة وليس بدوافع حبي للعلم فأنا متفوق في الدراسة ماذا عساي سأكون إلا عالما ! فالتحقت بكلية العلوم هذا بالتحديد مايعرف بألـ ‘الضياع ‘ وهو عادة ما يصحب الشاعر طويلا في حياته .ضياع لم يكن يقطعه إلا لحظات مبهجة تلك اللحظات التي كنت أمارس فيها كرة القدم . أما اللاعب فهو أخي ياسر. عشقنا معاً كرة القدم عشقا لايفارق الخيال وصل بنا الامر أن نظمنا مباريات في فجر شهر رمضان تبدأ في الظلام وتنتهي ونحن على وشك الانهيار من قوة الشمس والعطش ثم بعد ذلك نعاني في كيفية الدخول إلى المنزل ليس من الباب الرئيسي بالطبع الذي يحرسه جدي حامد رحمه الله بل من باب الحديقة الخلفي دون أن يرانا أحد.تحدث الناس عن موهبتي الكروية لكن ممارستي الفعلية توقفت بسبب التحاقي بكلية العلوم ثم سفري للقاهرة للعمل. أما هو فقد تم تصعيده إلى الفريق الاول وأخذت حياته الرياضية شكلا احترافيا وأعطى نفسه كلها لكرة القدم بشكل كان يصيبني بالحيرة أحياناً والإعجاب أحيانا لقد رأيت إخلاصا وحبا عجيبين .الروح المركبة في الشاعر تجاهد طويلا في الخيال وتسافر عبر الواقع حتى تعرف هويتها وهي تدفع ثمنا غاليا من أجل ذلك، وما أن تعرف هويتها حتى تتحول إلى البحث عن السر الكامن في الكلمات وتعرف أنها هي الوسيلة الوحيدة لفك شيفرة العالم واالتعبير عن الذات .مفاجأة حياتي الشعرية هو الإصرار على كتابة الشعر رغم الخسارة الفادحة التي يمثلها على المستوى الشخصي والإجتماعي ثم المفاجأة الثانية توحد الروح الشاعرة مع روح اللاعب فيكون ديوان يعتمد على الواقعية الشعرية لكرة القدم (ديوان اسمه اللاعب).* حدثني عن لحظات التكوين الأولي وكيف قيضتها .. وعلاقتك بالمكان وتجلياته؟ * في شتاء 1966 ولدت لأب أخصائي إجتماعي أفنى عمره في خدمة الفقراء وأم حياتها وحنانها وحكمتها صنعا اسطورة تؤثر عميقا في وجداني .ذاكرتي مسكونة بالمشاهد الكلاسيكية للريف المصري، الأطفال في مداخل البيوت الطينية، أبراج الحمام فوق البيوت، عودة الفلاحين برفقة البهائم بعد يوم عمل شاق، السهر في ليالي الحصاد، طالما كنت أرى الماء وهو متوقف بين اعواد البرسيم والآن علي أن اسير بعيدا خارج القرية حتى أرى ذلك المشهد مرة أخرى كأنه يبتعد في المكان كما يبتعد في الزمان، صوت صرصار الغيط في الليل، صوت كروان يعبر في السماء، يهز الكون برقة الشجن، ضجر الظهيرة والعواصف الصغيرة تكنس الشوارع، مراقبة الشمس من فوق سطح المنزل وهي تغرب وراء النخيل ، صوت القطار يأتي من بعيد ماراً نحو الاسكندرية حيث البحر الذي فتنت به منذ أول مرة رأيته، صوت نقر على طبل يطرد الخفافيش عن شجرة الجميز، شجرة مازالت كما هي منذ مئات السنين ومات أصحابها جيلا وراء جيل.لكنه في قلب الذاكرة لم يكن هناك ماهو أروع من تلبية نداء كرة القدم وقت الظهيرة .أرى أنه من الطبيعي أن يكره الشاعر المحفوظات (الشعر الذي يفرض علينا في المدرسة)، الشاعر بطبيعته يكره ما يفرض عليه، طالما كنت أسخر من إيقاعات قصائد كتاب النصوص كنت أنا وأخي نؤلف قصائد جاهلية قبل النوم بعد تخليصها من الابجدية ومن المعنى فيتبقى فقط القالب المضحك.qadqpt