خالد جمعة: «قمر غريب فوق صانع النايات»

حجم الخط
0

قبل هذه المجموعة، «قمر غريب فوق صانع النايات»، كان الشاعر الفلسطيني خالد جمعة قد أصدر 9 مجموعات شعرية؛ الأولى «لا شيء يمشي في هذا المنام»، 2015، أعقبتها «كي لا تحبّك الغجرية»، «كما تتغير الخيول»، «هي عادة المدن»، «ما زلت تشبه نفسك»، «لذلك»، «نصوص لا علاقة لها بالأمر»، «هكذا يبدأ الخليفة»، و«رفح أبجدية مسافة وذاكرة». وهو كاتب قصة للأطفال وله عشرات الإصدارات في هذا النوع الأدبي، كما كتب الرواية والمسرحية والدراسة النقدية، وأشرف (مع آخرين) على جمع وتقديم الأغاني الشعبية في قطاع غزّة وأغاني الصيادين، بالنظر إلى أنه من مواليد رفح.
والشاعر يكتب قصيدة النثر عموماً، ومجموعته الأخيرة بصفة خاصة تعكس ميله إلى ما يمكن تسميته بـ«القصيدة الكتلة» التي تسير على امتداد فقرات متصلة ضمن صفحات كاملة، كما في قصيدته «سبعة تجليات لصوفيّ وحيد» التي تستهلّ المجموعة. موضوعاته تأملية وجدانية الرؤية، تغوص عميقاً في نفوس الأصوات الناطقة داخل القصائد، التي تُنوّع الضمائر بين المتكلم والمخاطب؛ ولا تعفّ عن مسحة سردية هنا، أو انزياح تاريخي هناك. وأمّا قصائده التي تأخذ صيغة السطور القصيرة/ الأبيات، فإنها إجمالاً تقارب البوح والمناشدة والإيعاز الشعوري الخفيض والخطاب العرفاني، في لغة مقتصدة المجاز ولكنها حاشدة الإيحاء في آن معاً، تستقرّ على الحسّي من دون نأي متعمّد عن الذهني.
وعن ترجمة مختارات الشاعر إلى البلغارية، كتبت مايا تسينوفا: «مجموعة محيرة، للوهلة الأولى، من الأشياء التي لا يجمعها جامع. لكنها ليست مجموعة ميكانيكية، إنما معكوسة بهوية الكاتب كي تتحول بعد ذلك إلى مادة لصنع الوطن – ذاك الوطن الذي ليس على الخارطة لكن الأهم من ذلك أنه موجود في نفوس أبنائه، وهو الأهم بما لا يقارن!».
هنا قصيدة «الحصان في مشهد أخير».
سرجُكَ مغزولٌ من جلود أحصنةٍ
عبرَ عنها الليل ولم يكلّمها
يا حصاني الوحيد
في هذي البراري التي لا تُحدّ
يا إمام الخيل
ومقدّمة الجيوش
حين تغلي الحربُ في عروق الفرسان
يا ذاكرة الانتصارات والهزائم
جلدُك مصبوغ بأصوات نايات
بجراحات قديمة
ما زلتَ تئنّ من ذكرياتها
بأغاني عاشقين جدلوا غرّتك بأحلامهم
تاريخ كامل يختبئ في سنابكك
وصهيل غير مسموع
ينزّ من لهاثك الغزير
وأنت تجلس وحيداً
تحت شجرة علّقوا عليها قليلاً من الحنطة
وتركوك لتختبر الوحدة وتقلّب الوقت
لا فرس تحكّ ضلعها بأنينك
لا مهر تعلّمه الطرقات البعيدة
والركضات التي حفرتَ بها العالم.
المشي، الخبب، الهذيب، العَدْو، التبختر
وتهديه أوسمة من فضّة خام
لا شيء يا صديقي القديم، لا شيء
مجرّد سهلٍ يتذكّر المعارك كلها
يتذكر الميتين، والقتلى
وينساكَ بين العشب
كأنك حجر.
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية