خالد زيادة يرصد ظهور المثقف في سياق التحول

حجم الخط
0

في تصديره لكتابه «الكاتب والسلطان.. من الفقيه إلى المثقف» الصادر في طبعتين أولاهما عن الدار المصرية اللبنانية، والثانية عن مكتبة الأسرة في القاهرة، يرى الكاتب خالد زيادة أن التطورات التي تشهدها الدول العربية منذ بداية عام 2011 أعادت النقاش حول دور المثقف في الأحداث والتغيرات، وفي المشاركة في رسم التطورات المتعلقة بصياغة الدساتير، والانخراط في النقاش حول الدولة الدينية والدولة المدنية. كذلك، والقول للكاتب، أبرزت الأحداث دور الأحزاب والجمعيات ذات الخلفية الإسلامية ورموزها من الدعاة، الذين اضطلعوا بفعل التغيرات العاصفة بمسؤوليات الحكم وتسلم زمام السلطة. زيادة يرى أيضاً أن هذه التطورات التي يشهدها العالم العربي لم تولد فجأة، كما أن أدوار رجل الدين والداعية والكاتب والمثقف ذات جذور في تاريخنا الاجتماعي والثقافي.
في كتابه هذا يتناول زيادة علاقة أجهزة الفقهاء وكتّاب الديوان بالسلطة، وهي علاقة ترتكز إلى أسس راسخة في التاريخ، غير أنها تتفاوت بتبدل الظروف السياسية، وتغير الدول في تاريخنا المعاصر الذي شهد انعطافات حاسمة. كما ينطلق الكتاب من سؤالين أولهما يتعلق بالموقع الذي كانت تشغله الأجهزة الفقهية في الدولة السلطانية، في ما يأتي ثانيهما من فضاء مختلف يتعلق ببروز شخصية اجتماعية جديدة متمثلة بالمثقف. هنا حاول الكاتب رصد العلاقة بين الأجهزة الفقهية والدول خلال فترات تاريخية في الحقبات الأخيرة، مؤكداً على أن السؤال المتعلق ببروز المثقف يبدو أكثر تعقيدًا، مقتنعاً بأن ولادة المثقف في البيئة العربية ترتبط بتجربة التحديث في عصر النهضة والتنظيمات، وأن وظيفته لا يمكن فهمها إلا على ضوء الوظائف التي شغلها من قبل الفقهاء وكتّاب الدواوين، مع التأكيدعلى ضرورة التمييز بين الوظيفة التي يضطلع بها الفرد أو المؤسسة والدور الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يتبدل تبعاً لتبدل الظروف وتغير الأسئلة من حقبة إلى أخرى.

مجابهة

الكاتب يذكر أيضاً أن كتّاب الدواوين تأثروا بتوترات السلطة، ونحن اليوم في العالم العربي ندخل مرحلة جديدة من التحولات التي ستستغرق سنوات عديدة، سنشهد فيها مجابهة بين المثقف الذي يحمل أفكار التحديث وبدافع من الدولة، وبين من يعتبر أنه يملك الفهم الصحيح لتعاليم الدين، مجابهة لم نشهدها على هذا النحو الصريح من قبل، ومع ذلك فإن قراءة التجربة التاريخية تتيح لنا أن نفهم على نحو أفضل الجذور التاريخية لما نشهده راهناً، وما سنشهده في المستقبل القريب. هنا يتحدث زيادة عن «اليسق العثماني»، عن حرفة الفقهاء، عن مجالس المشورة، عن كاتب السلطان، عن شريك الرأي وعن المثقف.
في الفصل الأخير، الذي جاء بعد خمسة فصول اهتمت بالأجهزة والتشكيلات التقليدية الخاصة بالفقهاء والكتّاب، يأتي ظهور المثقف في سياق التحول، الذي برز مع ظهور مشروع الدولة الحديثة في مصر، والمفاهيم التي أخذها المشروع عينه في بلاد الشام، غير أن الكاتب هدف إلى افتعال الصلات التي قد ترتسم بين هذا المثقف من جهة وكل من الفقيه والكاتب من جهة ثانية. لقد حاول زيادة في دراسته هذه أن يعيد تركيب الأجهزة وإعادة تفكيكها في الفترة ما بين مطلع القرن السادس عشر وبداية القرن التاسع عشر، مؤكداً على أن المؤرخ يهتم بإعادة كتابة التاريخ، بما يظنه أنه المواد التي صنع منها هذا التاريخ لأول مرة، كما يؤكد على أن هدف دراسته ليس تحليل خطاب المثقف في الإنسانيات والاجتماعيات، أو تحليل الخطاب الديني عند الاصطلاحي، ولم يكن غرضها أيضاً تحليل خطاب الفقيه والكاتب. هنا يكتب زيادة قائلاً إن الفروق التي تعيّن الحدود بين العلماء من جهة والكتّاب من جهة أخرى لا تقوم على نوع الوظائف المنوطة بكل فريق فحسب، بل تتبلور من خلال جهازين معرفيين، تمثل الشريعة الجهاز المعرفي والمرجعي بالنسبة للعلماء، بينما تمثل القوانين نقطة الارتكاز المرجعية لدى الكتّاب وتنظيماتهم، لاستنادهم إلى شريعة إلهية وتراث فقهي وعلمي يشكل قاعدة التدريس لكل أبناء المسلمين في الدولة، بما في ذلك الكتّاب أنفسهم، ولأن العلماء هم المعلمون الذين يبسطون سلطتهم المعنوية على المؤسسات الأخرى، بما في ذلك مؤسسة العسكر، كما كان نفوذهم يمتد إلى الشارع.

أزمة علاقة المثقف بالسلطة، لا يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لقراءة تجارب استغرقها التاريخ. هذه الأزمة المعاصرة لا تملك قدرة استرجاعية، ولا تفسر علاقة أهل العلم وأهل القلم بالسلطة الحاكمة.

دور الكتاب

هنا أيضاً يذكر الكاتب أنه على امتداد القرن السابع عشر كان الكتّاب، ومن يتصلون بحرفتهم ينتقلون من المهمات الحرفية التي تستلزم خبرات دقيقة في الخط والحساب والإنشاء، إلى تكوين وجهة نظر حول أوضاع الدولة التي يخدمونها بصفتهم مستشارين للوزراء والسلاطين، وكانت الآراء التي يعرضونها تأخذ طابع الاقتراحات والتوصيات، خاصة أنها ستتعزز بمعارف جديدة يستقونها من مصادر جديدة، غير تلك التي اعتادوا أن يستندوا إليها تقليدياً.
أما دور الكتّاب وتطور مهماتهم في القرن الثامن عشر فيمكننا أن نفهمه في ضوء بروز مجموعة من السلاطين المصلحين من أحمد الثالث حتى سليم الثالث، حيث أبدى جميع هؤلاء السلاطين ميولاً واضحة للمعنى في سياسة الإصلاح.
زيادة، مستنداً إلى أقوال آخرين، يقول إن الكاتب يبدو أشد خطورة من الحاكم نفسه، فهو يملك سلاح الكلام الذي يستطيع بواسطته أن يخلّص الأمور المستعصية والشائكة والمعضلة، وقد يصبح الكاتب عضواً لا يُستغنى عنه في مجلس شورى الحاكم عند مناقشة الأمور المصيرية، فخبرته بشؤون السكان والجماعات جعلت الحاكم يسلم أموره لكتّابه. زيادة يقول إن تجربة الكتّاب في مصر والشام كانت تتشابه وتتضارب وتكتسب طابعها النسبي، وقد طرأ التحول على حرفة الكاتب نتيجة لبعض الإجراءات التي اتخذت في عهد محمد علي.
وفي الأخير يقول الكاتب إن ما اعتبر أزمة علاقة المثقف بالسلطة، لا يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لقراءة تجارب استغرقها التاريخ. هذه الأزمة المعاصرة لا تملك قدرة استرجاعية، ولا تفسر علاقة أهل العلم وأهل القلم بالسلطة الحاكمة، التي عمد الكاتب إلى إعادتها إلى إطارها في دراسته هذه.

٭ شاعر وكاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية