خالد علوان الشويلي يبحث عن الماضي في بقايا مكان

في رواية «بقايا بيت العطفان» 2012 للروائي خالد علوان الشويلي تنعطف الأحداث والذكريات والتداعيات باتجاه مدينة الطفولة (الزبير القديمة) بحثا عن شواخصها وعلاقاتها الأليفة وأسواقها الفسيحة، إنها رحلة بحث في الذاكرة، تبدأ من الحاضر تجاه الماضي البعيد بعد أن تقوض كل جميل وأليف في الواقع المعيش، ومنذ البداية يؤكد السارد /الشخصية الرئيسة في الرواية أنها غربة «في مدينة الطفولة والصبا» وهو «تائه غريب في المدينة التي أحب».
تبدأ رحلة البحث عن بقايا الماضي في مدينة الطفولة، من داخل الذات المتمردة الرافضة لواقع المدينة الجديد، من خلال الذاكرة أولا لاصطياد بقايا البهجة البعيدة في دروب ودهاليز الذاكرة المتحفزة، ثم من خلال تقريب بقايا شواخص المدينة وتكبيرها كالأبنية المندرسة، أو التي هدمتها أيد لا علاقة لها بذلك الماضي، وما يحفز الذاكرة أيضا بقايا شخصيات تشير إلى ذلك الماضي من خلال الزي، أو بعض الرموز الخاصة بالمشي الذي يشي بالاعتداد بالنفس «إنها امرأة ليس فيها ما يميزها في ازدحام النساء بالأسوا،ق سوى الاعتداد الجلي والثقة بالنفس رغم سمات الفاقة التي تظهر عليها بوضوح». والذاكرة تستدعي ذلك الماضي وتبحث عن معالم مدينة متآلفة ومتحابة، بسبب أن هذا التغيير والتدمير قد تحقق بقصد مسبق من قبل قوى كبرى بداية تسعينيات القرن العشرين، تحت طائلة أصوات جماعية تنشد الخراب لبلده «سنرجع العراق إلى عصر الكهوف، سنحطم كل معالم الحياة، ستكون المصانع والجسور ومحطات توليد الطاقة محض حطام محترق».
إن التداعي نحو الماضي، تحكمه عوامل خارجة عن إرادة الذات، ولذا تبدو المقاطع الخاصة بهذه التداعيات مبررة فنيا، وهي تداعيات تغلب عليها نبرة غاضبة تحتشد فيها الجمل الاستنكارية «يا زمن الموجعات هذه بقايا بيت قاسم الزهير الذي وقف سدا صلدا في وجه لصوص الصحراء، والذي ينسب البعض إليه نشوء الموال الزهيري» ليجد نفسه «تائها غريبا في المدينة التي أحب» بعد أن عاد من أمريكا مستنكرا الأصوات التي تتوعد وطنه بالدمار والقتل. لكنه وبعد أن يعود يجد كل شيء مخربا، ويجد أن أحلامه بحياة ممتلئة بحب الآخرين قد أصبحت مستحيلة.
يبدو الفصل الأول من الرواية خطابا مكتملا بما يحتويه من تفاصيل مكثفة عن غربة الشخصية الرئيسية في أمريكا، وعلاقته بريتا ميلر الألمانية – الأمريكية كفارس أحلامها الأسمر، ليجد نفسه هناك محاصرا بالغربة والنداءات الحادة الغاضبة ضد وطنه، فيقرر العودة ليقع بعد ذلك في غربة أشد وقعا على نفسه في وطنه، يتضح ذلك بمشاهد دالة على ضياع مدينته وانخراط أهلها بحياة تشبه الحياة في أمريكا، الهدف منها الكسب الحرام وسحق الآخر الضعيف والاحتماء بالذات باعتبارها أساس الحياة الجديدة، وكل ذلك عاشه وخبره في الغرب.
والفصل الأول ببنيته المغلقة والتفاصيل المكثفة فيه يكاد يكون وحدة مستقلة لا تحتاج إلى إضافات كثيرة، سوى ظهور طيف امرأة كأرصاد يفتح أفقا يجنب الرواية الانغلاق على أفق الحصار فقط باستحداث صفحات أخرى على لسان شخصية بدرية بنت الشيخ عبد الله العطفان أحد رموز المدينة المضيئة، كما يرد على لسان الشخصية الرئيسية في الرواية (حامد) أو من خلال شخصية بدرية التي تكمل حركة السرد بالاتجاه الذي يفتح أفقا آخر أساسه الحياة الآفلة للعائلة الغنية وبقايا البيت العتيد بيت العطفان.

تقنية التناوب في السرد بين الشخصيتين الرئيسيتين ، أضفى على سير الأحداث حيوية، تمثلت بحكايات متنوعة يسردها السارد العليم، أو السارد المصاحب للشخصيتين، وهي تكشف الأزمة المستحكمة التي نسجتها الأيدي الأجنبية .

إن تقنية التناوب في السرد بين الشخصيتين الرئيسيتين حامد وبدرية، أضفى على سير الأحداث حيوية، تمثلت بحكايات متنوعة يسردها السارد العليم، أو السارد المصاحب للشخصيتين، وهي تكشف الأزمة المستحكمة التي نسجتها الأيدي الأجنبية باتجاه تخريب العلاقات الأليفة في هذه المدينة الصحراوية. ويبدو أن زمن كتابة الرواية في منتصف تسعينيات القرن العشرين، أسهم في تمحور معظم أحداثها على حالة الحصار الذي اشتد على العراق في تلك الفترة، وامتد ليصبح أساسا لحركة السرد في الرواية، وبذلك أصبحت حركة السرد مقيدة بأفق أحداث الحصار في تلك الفترة، إضافة إلى الحوار المكرر عن الحصار وقسوته التي وردت على لسان شخوصها الثانويين كأصداء غاضبة عن الحصار في معظم فصول الرواية، الأمر الذي أسهم في غلق أفقها على أحداث تلك الفترة، وجعل إمكانية قراءتها وفق آفاق ومعطيات النتاج الجديد للرواية العراقية صعبا، بسبب بعد المسافة الزمنية بين زمن الكتابة وزمن النشر، وما أفرزته الأحداث الجديدة بعد الاحتلال من تغيرات نوعية وكمية تبدو معه أحداث الحصار أحداثا خافتة، بل منسية.. وبهذا المعنى فإن الروائي خالد علوان ظل مخلصا للماضي في شكليه المجسدين في الرواية: ماضي الحصار نسبة إلى زمن نشر الرواية، وماضي مدينة الزبير التي اندرست معالمها مع دخول القوى الأجنبية إلى العراق. غير أن الانحراف التدريجي في سير الأحداث الروائية باتجاه بيت الشيخ عبد الله العطفان، والحكاية التي استطالت وأخذت حيزا كبيرا بين بدرية وحامد، قد وضعت الرواية في مفترق طريق، حين تم الابتعاد عن اللهجة الخطابية الغاضبة في تجسيد الحدث بالاتجاه نحو الهدف الذاتي المعلن للشخصية العائدة من الغربة المجسد في احتواء شخصية بدرية كتعويض عن الماضي الفقير لشخصية حامد، وتعزيزه بالمجد الآفل لبيت العطفان، مرة بالادعاء بترميم بناء بيت العطفان كرمز من رموز المدينة، ومرة بتأجيج رغبته الشخصية وملذاته الخاصة في إسقاط بدرية بنت العطفان بين ذراعيه، ليكون هدفا وحيدا لرحلته في ترميم ماضي المدينة المزعوم. وفي الفصول التي تجسد هذه العلاقة غير المتكافئة، بين حامد وبدرية، ينجح الروائي في بناء شخصية بدرية الإشكالية التي تحمل إرث الماضي بسلوكها اليومي المتزن ورفضها لكل مظهر مخالف لما تعلمته في بيت أبيها، لتصبح أنموذجا متطرفا للمرأة العراقية الصامدة بوجه التحولات والهزات الطارئة، وهي بهذا السلوك تجسد نموذجا جمعيا للمرأة العراقية، في الأزمان العصيبة التي مرت على العراق الحديث، حين ترفض حتى هواجسها ورغبتها في تعويض حياتها الجافة مع زوج عاطل، بحياة جديدة حافلة بالمسرات مع الرجل الثري العائد من أمريكا، وتمثل الصفحات الأخيرة من الفصل الأخير من الرواية في محاولتها بعث الحياة في جسد زوجها المتهالك، حين «صممت كعادتها في كل أمسية ان تزرع البهجة للزوج المتعب في حدود المتيسر من الإمكانات الضئيلة، استحضرت مهارة غائبة في التجميل وأسدلت الشعر الغزير على الكتفين والقفا، فتقلصت المسافات المكشوفة من أعلى الرقبة والصدر»، وخلال هذه الصفحات تتضح قدرة الروائي خالد علوان الفنية في إضاءة هواجس النفس الإنسانية المحاصرة بالموت والفناء، بإحياء نبرة التمرد الذاتي العنيفة ضد الموت بلحظات إنسانية غاية في الجمال والحيوية والإنسانية العذبة، حين تندفع الأنثى برغبة عارمة لزرع الحياة في جسد الزوج الميت بالاتحاد بين الجسدين، لعل ذلك يبعث الحياة في ذلك الجسد الهامد «الاستسلام يوقف مسار الحياة ولا بد من صنع البهجة بالممكن، رغم صمت الجدران. وأدارت مؤشر المذياع بحثا عن أغنية مناسبة فهي تكره صمت الجدران وتكره في الوقت ذاته الكلام المكرر الذي يضخ المزيد من الكآبة».
ونستطيع أن نؤكد إن الروائي خالد علوان قد تألق وسما على أحداث الواقع الكابوسي الذي صورته الرواية، تجاه تمجيد الحياة والشوق العارم لها، من خلال هذا الفصل الذي أنقذ الرواية من حركتها الرتيبة وتساؤلات شخوصها المكررة، واستطاع أن يعلو على تلك الأحداث بشخصية بدرية المؤثرة في سلوكها وعفتها وجمالها الروحي والجسدي، وقد أكد القاص محمد خضير، ذلك حين وصف الفصل الأخير من الرواية بأنه وحدة سردية متميزة، ونهاية مبتكرة لم يجد مثيلا لها في الرواية العراقية.
لقد أخلصت الرواية للزمن الذي كتبت فيه، واكتفت بأسئلة أخلاقية ورحلة معاكسة من الغرب إلى الوطن ليس فيها أسبابا فنية مقنعة ولتصبح تساؤلات وجودية عميقة، تساؤلات تتخطى الواقع الذي أنتجها تجاه آفاق مفتوحة على المقبل من الأيام السوداء التي كرستها الحروب، نستثني من ذلك الأسئلة المصيرية التي وردت ضمن ذاكرة وحيرة وسلوك شخصية بدرية التي أضفت على حركة السرد حيوية وحياة، وهي صفة روائية تحسب له .

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية