نواكشوط ـ «القدس العربي»: صدمة كبيرة أصابت الموريتانيين أمس بعد أن كشف تقرير لخبراء موريتانيين متخصصين ومقيمين في المهجر، عن نتائج تحليلات أجروها ما بين شهري مارس/أذار وأبريل/نيسان الماضيين، وأكدت تلوث عينات كثيرة من الشاي الأخضر، المشروب السحري الأول في موريتانيا.
وأجرى الخبراء هذه الدراسة بعد مخاوف أثارها قبل أشهر، حديث عن وجود ملوثات في علامات تجارية من الشاي الأخضر المستورد من الصين، مستهلكة في جمهورية مالي المجاورة وفي موريتانيا.
وأكد الخبراء في تقريرهم “أن التحليلات المخبرية للشاي أجريت في مختبر “فيتو كونترول” (Phytocontrol) بمدينة “نيم” في فرنسا، وهو مختبر معتمد من طرف اللجنة الفرنسية للاعتماد ومتخصص في تحليل المواد الغذائية”.
وأوضح التقرير أن التحاليل المخبرية أجريت على عينات من عشر علامات تجارية للشاي الأخضر الصيني المستهلك في موريتانيا من أصل ثلاث وعشرين عينة، حيث وقع اختيار هذه العلامات، على أساس معيارين” أولهما اختيار خمس علامات مستهلكة بشكل كبير، والثاني اختيار عشوائي لخمس أخرى.
وأكدت نتائج التحاليل “العثور على ستة وعشرين مبيداً في صلب العينات العشر التي أخضعت للتحليل، منها ثماني عينات تتجاوز معدلات تلوثها الحد الأقصى المسموح به مما يستوجب إيقاف توريدها إلى الأسواق الموريتانية، وفقاً لمعايير السلامة الأوروبية”.
وكشفت التحاليل عن “وجود ثلاث مبيدات هي (كروربريفوس وسيهالوترين وتولفينبيراد) في عشر عينات وذلك بمعدلات تتراوح ما بين 200 و11000% من الحد الأقصى المسموح به”.
وأضافت الدراسة “أن هذه المبيدات المكتشفة تتكون أساساً من مبيدات حشرية تستخدم للنقل والتخزين”.
وخلصت الدراسة إلى أن “المبيدات التي اكتشفت والتي توجد بمعدل يفوق الحد الأقصى المسموح به، تعد خطراً على الصحة العمومية حيث تحدث مضار مزمنة، فهي إما مسرطنة أو محتملة للسرطنة، وإما مسببة لاضطرابات في الغدد أو مضرة بالجينات أو الأعصاب”.
وأوصت بتعزيز “الرقابة على استيراد الشاي، خصوصاً عند وصوله إلى موريتانيا، والمطالبة بتقديم بيان تحاليل مسلَّم من طرف السلطات المخولة عند كل استيراد جديد، يتحمل المستورد تكاليفه”.
كما أوصت بإنشاء “هيئة رقابة قوية مكلفة بمتابعة الأغذية ورقابة جودتها، علاوة على “توعية الرأي العام حول المخاطر التي يتعرض لها المستهلك وبإجراءات من شأنها تقليل المخاطر”.
وأوصت الدراسة كذلك “باتخاذ الإجراء المناسب المتمثل في تعليق الواردات وسحب المنتجات من السوق مع منع بيعها، وسحب الكميات التي تم بيعها ولم تستخدم من طرف المستهلكين”.
وعلاوة على الصدمة التي عبر عنها الموريتانيون من مرتادي شبكات التواصل، أكد منتدى المستهلك الموريتاني “أن التقرير الذي صدر عن منتدى الخبراء الموريتانيين في المهجر، حول تلوث الشاي، تقرير صادم جداً ويتطلب إجراءات جديدة، وعلى وزارتي الصحة التجارة أن تتحملا المسؤولية في مراقبة كميات الشاي المستوردة حماية للمواطنين”.
وقد دخل الشاي الأخضر إلى ربوع موريتانيا قادماً من مزارع الصين في القرن التاسع عشر عبر دول المشرق العربي، ثم عبر المغرب.
ونقل مؤرخ موريتانيا المختار بن حامد، عن الباحث الفرنسي المهتم بالشأن الموريتاني ألبير لريش، أن أول دخول للشاي إلى موريتانيا كان على يد تاجر يسمى عبد المعطي السباعي، في حدود 1858-1875 وكان عن طريق المغرب.
وتتجاوز كلمة الشاي أو “أتاي” كما يسمى محلياً، في مدلولها الحقيقي حدود مشروب يومي بذاته، لتُحيل إلى عالم رحب من القيم الاجتماعية والثقافية، مرتبط بالإمتاع والمؤانسة والضيافة”.
ويتم إعداد الشاي الموريتاني قديماً بطريقة خاصة، تقوم على غلْي الماء على فحم متقد، ثم وضع الشاي الأخضر في كأس صغيرة، وإراقة الماء الساخن عليه لتنظيفه أولاً (وهي خطوة تسمى التشلال)، ثم صبّه في الإبريق وإراقة الماء الحار عليه حسب عدد الندماء، برويّة وتمهّل هذه المرة، ثم تحليته بالسكر وصبّه بين الكؤوس والإبريق مرات عديدة حتى يمتزج السكر بالشاي (الورقة)، ثم توزيعه على الندماء بعد ذلك. وللموريتانيين قديماً طقوس محددة تمثل قوانين للشاي يجب التقيّد بها عند إعداده، ويمكن التعبير عنها اختصاراً بـ “الجيمات” الثلاثة، وتعني “الجمر” و”الجماعة” و”الجرّ”. فلا شاي دون نار يُغلى عليها أصلاً، ولا شاي مكتمل الأركان معنوياً دون وجود ندماء في المستوى ذاته عقلاً ومعرفة وعمراً، فضلاً عن “الجرّ” الذي يقصد به التمهّل والتؤدة في الإعداد، حتى يطول الأنس والإمتاع وينقضي ما أمكن من الوقت، لأن المجلس ليس “للشرب” فقط، بقدر ما هو لحظات للدردشة والسمر وتناشد الأشعار والمفاكهة بين الأصدقاء.
وانتقل الشاي الموريتاني عبر الزمن من كونه مشروباً يومياً عادياً، إلى مصافّ الموائد التي تقدم للضيوف إمعاناً في إكرامهم وتقديرهم والإعلاء من شأنهم، فمثلاً يمكن أن تقدّمه للضيف مع قليل مما تيسّر من الطعام، دون أن تتّهم بالتقصير في حقه أو عدم إكرامه، لكن كثرة المأكل وتنوعه لا يمكن أن تقوم مقام الشاي بحال، وهذا ما قد يفسّر مركزية الشاي في ثقافة الموريتانيين.
و”الأتاي” مع ذلك يساهم في تقوية الأواصر داخل الأسرة الواحدة؛ فإليه تهفو نفوس الموريتانيين عموماً؛ ذلك أن له مواعيد يومية محددة، أصبحت بمثابة ملتقى يجمع كل من فرّقتهم دروب الحياة في موعد لا يخلفه معظم الموريتانيين؛ وفي مجلسه تُحكى الأشعار العربية والشعبية، ويحلو لقاء الأصدقاء والخلان، وعلى أنغامه تُتعاطى السياسة، وبه أيضاً يقتل البطّالون من الشباب معظم أوقاتهم الطويلة.