خبط غربي في الظلام الخوارجي

أخذت تتردد في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الغربية، وخصوصا الأنغلوساكسونية منها، مقولة سياسية خطيرة تبدو في ظاهرها مبنية على استدلال منطقي. ولكنها تصب فورا في مصلحة تأبيد الاحتلال الإسرائيلي، أو على الأقل تكريس التصور الإسرائيلي لتسوية الصراع.
تعتبر هذه المقولة، التي ظهرت في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بأشكال متفرقة ولكنها اكتسبت زخما متناميا في الفترة الأخيرة، أن الدبلوماسية الدولية كانت مخطئة على طول الخط طيلة نصف قرن أو أكثر لأنها انطلقت من مسلمة وحيدة، هي أن القضية المركزية في الشرق الأوسط هي قضية الصراع العربي الإسرائيلي وأن تسوية هذا الصراع لا بد أن تكون أولوية الأولويات لأن ضمان الأمن لإسرائيل وتلبية الطموح العربي لاستقلال فلسطين يوفران مفتاح الاستقرار الواقي من مختلف المخاطر، بل وحتى إمكانية الازدهار المحقق للمزيد من المصالح.
تزعم المقولة الجديدة أن هذا خطأ جسيم ينبغي على الدبلوماسية الغربية أن تسارع إلى تصحيحه بناء على معطيات الواقع الملموس. وأبرز ما يثبته الواقع، على نحو متواتر منذ حوالي عقد ونصف، هو أن الإجرام الذي تناوبت وتساوقت وتنافست على اقترافه وترويجه وتمجيده جماعات يمتد طيفها من القاعدة إلى داعش، مرورا ببوكو حرام، يدور حول قضايا تقل أو تكثر، وتتشابه أو تختلف، إلا أن تحرير فلسطين ليس في عدادها على الإطلاق. بل إن مجرد لفظة فلسطين نادرا ما ترد في خطاب هذه الجماعات. ويكفي للتأكد من ذلك النظر إلى ما لا يزال جيش «دولة الخلافة» منشغلا به منذ أسابيع من مكارم ومآثر وبطولات ضد المدنيين المسالمين العزل والنساء والأطفال الأبرياء بينما كان شعب غزة (أي عضو من جسد «الأمة» العزيزة على هذه الجماعات) يتعرض يوميا للتقتيل والتشريد والقصف الهمجي. ولم يخطر ببال خليفة المسلمين وجيشه المجاهد المصابر الفاتح لما أغلق من ديار الحرب لضمها لديار الإسلام العامرة بالعدل والإحسان أن يعبر، ولو بمجرد القول الذي لا يكلف شيئا، عن التضامن أو التعاطف مع أبناء «الأمة» من الفلسطينيين. وهذا أبلغ دليل، حسب مروجي المقولة الجديدة، على أن الصراع العربي الإسرائيلي ليس قضية الشرق الأوسط المركزية، وأن حل الصراع، بتلبية طموحات الشعب الفلسطيني الوطنية، لن يحقق الاستقرار الضامن للمصالح الغربية.
وبما أنه قد تبين الآن بالأدلة القاطعة المتجددة، حسب مروجي المقولة، أن الصراع العربي الإسرائيلي ليس مصدر معضلات الشرق الأوسط وليس السبب الجذري للإرهاب الدولي، فلم يعد من المعقول أن يستمر الجهد المبذول أمريكيا في محاولة حله ولم يعد من المعقول أن تستمر الدبلوماسية الغربية في التعامي عن حقيقة أن السبب الأصلي لاستمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ولتفاقم الأخطار الناجمة عن ذلك، إنما هو الانقسامات الداخلية في صلب المجتمعات العربية (أما السبب الفرعي فهو استمرار الحرب الباردة بين السعودية وإيران).
مقولة تبدو مبنية على استدلال منطقي. ولكنها تصب فورا، سواء قصد المروجون أم لم يقصدوا، في مصلحة تأبيد السرديات الإسرائيلية. وقد كان شارون أول من انقض على الغنيمة الدعائية النفيسة التي يوفرها الإرهاب الظلامي العدمي المتخيل نفسه إسلاميا عندما أعلن يوم 13 أيلول (سبتمبر) 2001 أن لكل من أمريكا وإسرائيل بن لادنها: أمريكا لها أسامة، وإسرائيل لها عرفات. ورغم انعدام العلاقة مبدأ ومنطقا وواقعا، ورغم انعدام النسبة والمناسبة، فإن نتانياهو قد استغل مسلسلات إجرام الخوارج الجدد في العراق ليعلن في مناسبتين مختلفتين أن «حماس هي داعش وداعش هي حماس». وما إن ذبح الصحافي الأمريكي جيمس فولي حتى اغتنم نتانياهو الفرصة المشهدية التي وفرتها حماس من الغد بالإعدام العلني للمتعاونين مع الاحتلال، ليغرد على تويتر: «حماس هي داعش. داعش هي حماس. كلاهما عدو للسلام. كلاهما عدو لجميع الدول المتحضرة».
هنالك الآن خبط شديد في المواقف الغربية من التطورات في العالم العربي، وخاصة في سوريا والعراق. خبط غربي في ظلام هذا الزمن الخوارجي الحالك. ولكن تأييد بعض الأنظمة العربية للعدوان الإسرائيلي على غزة – على أساس أن الإسلام السياسي (الإخوان وحماس تحديدا) هو عدوها الوحيد – يرجح احتمال أن يأخذ الغرب، في المدى المنظور، بخيار الحلول الإسرائيلية: أي منع حل الدولتين ومنع حل الدولة الواحدة على حد سواء، مع تفتيت المشرق إلى دويلات انعزالية موزعة بين الزبائن من «ملوك الطوائف».كاتب من تونس

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية