خبير اقتصادي: معاناة العالم مع أسعار النفط المرتفعة ستمتد إلى العام المقبل

حجم الخط
0

نيويورك – د ب أ: إذا كانت سوق المال في وول ستريت تضج حاليا بالحديث عن الركود الاقتصادي المحتمل في العام المقبل، فالقصة مختلفة في سوق الطاقة. فأغلب التجار وصناع السياسة والمحللين يتوقعون نمو الطلب على الطاقة بقوة خلال العام المقبل، في حين لن تنمو الإمدادات بالوتيرة نفسها.
وفي الجلسات المغلقة يتحدث المسؤولون الغربيون بقلق عن احتمال وصول سعر خام برنت القياسي للنفط العالمي إلى 150 دولارا للبرميل خلال فترة قصيرة، مقابل نحو 120 دولارا للبرميل حاليا، في حين يتحدث البعض عن وصول السعر إلى 175 و180 دولارا للبرميل بنهاية العام الحالي، نتيجة تعافي الطلب بعد انحسار جائحة فيروس كورونا المستجد، والعقوبات الأوروبية على روسيا.
ويقول الخبير الاقتصادي خافيير بلاس في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إنه في حين تتصاعد المخاوف من ارتفاع أسعار النفط خلال الصيف الحالي، هناك عاصفة أخرى تتكون في الأفق، وهي أن صدمة أسعار النفط المرتفعة لن تنتهي بنهاية العام الحالي. فالأغلب استمرار الصدمة خلال العام المقبل.
وستعلن وكالة الطاقة الدولية الأربعاء أول توقعاتها للعرض والطلب في سوق النفط العالمية في العام المقبل، إيذانا ببدء تركيز المستثمرين على العام التالي. وبالفعل بدأ التجار يتعاملون على عقود خام برنت تسليم العام المقبل وهو ما أدى إلى ارتفاع سعر عقود تسليم كانون الأول/ديسمبر 2023 إلى 100 دولار للبرميل وهي إشارة واضحة إلى توقع استمرار نقص الإمدادات في السوق.
وفي حين ينتظر الجميع توقعات وكالة الطاقة الدولية، بدأت بالفعل شركات تجارة السلع والمواد الخام وشركات النفط والدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» والدول الغربية المستهلكة للنفط تنشر توقعاتها للعام المقبل. وهناك اتفاق على أن الطلب العالمي سيزيد خلال العام المقبل بما بين مليون و5ر2 مليون برميل يوميا. ومن المحتمل أن يزيد الطلب خلال العام الحالي بنحو 8ر1 مليون برميل يوميا حسب وكالة الطاقة الدولية. والمعروف أن أي زيادة في الطلب بأكثر من مليون برميل يوميا تعتبر كبيرة.

حكومات غربية سعت لتقليص نقص الإمدادات بضخ كميات من احتياطيات الخام الاستراتيجية في السوق

وفي المقابل، لم يتحسن كثيرا جانب العرض أو الإمدادات. فالمتعاملون في السوق يتوقعون في أفضل الأحوال استمرار إنتاج روسيا عند مستواه الحالي البالغ حوالي 10 ملايين برميل يوميا، بانخفاض نسبته 10 في المئة تقريبا منذ غزوها أوكرانيا في أواخر شباط/فبراير الماضي. وهناك محللون يتوقعون تراجع إنتاج روسيا خلال العام المقبل بما بين مليون ومليون ونصف برميل يوميا. في المقابل فإن الدول الأعضاء في تجمع أوبك بلس بدأت في العام الحالي زيادة إنتاجها وهو ما أدى إلى تلاشي فوائض الطاقة الإنتاجية لديها.
وقال محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة أوبك في الأسبوع الماضي إنه باستثناء دولتين أو ثلاث، (في إشارة إلى السعودية والإمارات) ليس لدى دول أوبك بلس فائض في الطاقة الإنتاجية يتيح لها زيادة الإنتاج استجابة لنمو الطلب.
ويقول خافيير بلاس المحلل المتخصص في الاقتصاد الدولي إن النتيجة الأقوى احتمالا هو استمرار تراجع مخزونات النفط الخام في العالم للعام الثالث على التوالي، بعد تراجع مخزونات الخام والمكررات النفطية خلال الـ 18 شهرا الماضية.
ومنذ بداية العام الحالي سعت الحكومات الغربية إلى التخفيف من حدة نقص الإمدادات بضخ كميات من الاحتياطيات الاستراتيجية للخام في السوق. وبدون اتخاذ خطوات إضافية سينتهي ضخ الاحتياطيات في كانون الثاني/يناير وهو ما يعني اختفاء إحدى أهم وسائل تحقيق التوازن في السوق.
في الوقت نفسه يعاني العالم من نقص الطاقات الإنتاجية لقطاع التكرير وهو ما يعني استمرار ارتفاع أسعار الوقود، بوتيرة أعلى من الزيادة في أسعار النفط، مقابل ارتفاع هامش أرباح شركات التكرير إلى جانب شركات إنتاج النفط الخام.
وهناك الكثير من الأسئلة التي تحيط بتوقعات سوق النفط خلال العام المقبل وأغلبها يتعلق بتحركات الحكومات. فكل تحرك يستطيع أن يقلص الطلب بما يتراوح بين 1 و5ر1 مليون برميل يوميا، سيؤدي إلى خفض كبير في سعر الخام. والسؤال الأكثر أهمية يتعلق بمدة بقاء العقوبات على روسيا. وتتصل الأسئلة الأخرى بسياسة صفر إصابات فيروس كورونا في الصين، والعقوبات الغربية على إيران وفنزويلا، وأخيرا استخدام احتياطيات النفط الخام لدى الدول العربية.
ورغم أن الحديث عن صدمة أسعار النفط يدور غالبا حول ارتفاع هذه الأسعار، هناك أيضا نقطة مهمة تتعلق بفترة بقاء هذه الأسعار المرتفعة.
فأزمة أسعار النفط السابقة كانت قصيرة نسبيا، في أواخر 2007 وأوائل 2008، عندما وصل السعر إلى 120 دولارا للبرميل في أيار/مايو 2008 ثم وصل الذروة في تموز/يوليو 2008 عندما سجل 5ر147 دولار للبرميل. لكن في أوائل أيلول/سبتمبر من العام نفسه تراجع السعر إلى 100 دولار للبرميل وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه تراجع السعر إلى 40 دولارا للبرميل.
وجاء سيناريو ارتفاع الأسعار خلال 2022/2021 نسخة كربونية من ارتفاع الأسعار في 2008/2007. لكن لا توجد مؤشرات على أن الأسعار ستنخفض كما حدث قبل 14 عاما. فالمؤشرات تقول إن الأسعار لن تظل عند مستوياتها العالية الراهنة حتى نهاية العام الحالي وتستمر في العام المقبل، وإنما أيضا سترتفع إلى مستويات أعلى.
أخيرا يقول خافير بلاس إن متوسط سعر خام برنت للعام الحالي يبلغ 103 دولارات في حين كان المتوسط عام 2008 حوالي 5ر95 دولار للبرميل. وقد ترتفع الأسعار بصورة أكبر خلال الأشهر الستة المقبلة. ليس هذا فحسب إنما لا يوجد ما يشير إلى نهاية قريبة لمسيرة الارتفاع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية