خبير قانوني سوري يدعو لاعتماد اتفاقيات منع الإبادة لتطبيق العدالة الانتقالية

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: دعا الخبير القانوني والحقوقي السوري، هيثم نوري، الحكومة المؤقتة المرتقبة ومجلسها التشريعي المزمع تشكيله، اعتماد اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها، إضافة إلى اعتماد اتفاقية «منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» والموقعة عليها جميعها من قبل الدولة السورية، كقانون وتشريع جنائي وطني».
وأوضح في لقاء له مع «القدس العربي» أن «الثورة وانتفاضة الشعب السوري بوجه النظام البائد، شهدت أشد الجرائم الوحشية التي ارتكبت بحَقّ الإنسانية، من قتل وتهجير جماعي واعتقالات دون محاكمات وتعذيب واغتصاب وخطف وسرقة ونهب ومصادرة جائرة للممتلكات ومآس وكوارث إنسانية جماعية»، موضحاً أن هذه الجرائم «لا نجدُ لها توصيفاً جرمياً دقيقاً ضمن الأفعال الجرمية التي عاقب عليها قانون العقوبات العام السوري النافذ».

نقص في التشريع

وبين أن «التشريعات الجنائية الداخلية العربية ومن ضمنها السورية، لم تُعرف الجرائم ضد الإنسانية التي نص عليها القانون الدولي، باعتبار أنَّ تلك الجرائم لم تكن بحال من الأحوال محلاً للاتفاق قبل صدور وثيقة نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في تموز/ يوليو 1998 وامتنعت عن التصويت عليه في حينه غالبية الدول العربية، ثم وقَّعت وانضمت لاحقاً إليها الأردن وجُزر القمر وجيبوتي وتونس».
واعتبر أن «فقدان التعريف القانوني الواضح والصريح المتعلق بارتكاب أفعال الجرائم ضد الإنسانية دفع العديد من رجال القانون للاجتهاد في موضوع العدالة الانتقالية المتعلق بمحاسبة كل من يثبت ارتكابه لتلك الفظاعات إبان الثورة السورية أفراداً كانوا أم جماعات».
وقال: طالب الفريقٌ الأول بإنشاء ما يسمى بـ«المحاكم الثورية» وحسب رأيه، فإن «الشرعية الثورية».
وقال: «تجاربنا كرجال قانون في «المحاكم الثورية» تؤكد فشل تلك المحاكم في تأمين أدنى متطلبات العدالة.
وبين أن «أصحاب الاجتهاد الثاني يريدون إصدار تشريع خاص يتناول تلك الجرائم والعقوبات المقررة وأصول المحاكمة، وأرى أن هؤلاء لم يتخلص من منهجية النظام البائد حين أصدر قانون «مكافحة الإرهاب» وقانون «إنشاء محاكم الإرهاب» في سبيل الابتعاد عن قواعد القانون العام التي هي في الأصل القواعد العامة للعدالة والتي يتحتم على سوريا الوليدة التمسك بها».
واعتبر أنه «ما كانت «الشرعية الثورية» لتكون دون «الشِرعة الدولية» التي ناصرت الشعب السوري في ثورتهِ ضد النظام البائد فسحبت من تحته بساط المشروعية منذ القرار الأول الصادر عن مجلس الأمن الدولي برقم 2042 لعام 2012 مروراً بغيره من القرارات ذات الصلة لغاية صدور القرار 2254 لعام 2015».
واعتبر أنه «لا يمكن «للعدالة الانتقالية» أن تنطلق في سوريا من دون أن تراعي المعايير الدولية التي توافقت عليها «الشِرعة الدولية» بخصوص سوريا الوليدة، ومنها ما نصت عليه الفقرة (ب) من البند الثامن من البيان الختامي الصادر عن مجموعة العمل من أجل سوريا بتاريخ 30 حزيران/ يونيو 2012 والمشار إليه كمُرفق ثان مرتبط كجزء لا يتجزأ من قرار مجلس الأمن الخاص بسوريا ذي الرقم 2118 لعام 2013، حيث تضمن ذلك البند «المبادئ والخطوط التوجيهية المتفق عليها للقيام بعملية انتقالية بقيادة سوريّة»، وتشكل بما تضمنته بحد ذاتها من مبادئ متعددة «إعلاناً دستورياً» جاهزاً ومفصلاً على قياس الشعب السوري، ولن يكون عليه أي خلاف من أي سوري»، متمنياً من جميع السوريين المعنيين في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة العودةَ إليه كي لا يُتعِبوا أنفسهم بالتفكير وإعادة «اختراع العجلة».
ومتسائلاً عن آلية تحقق العدالة الانتقالية الناجزة في ظل غياب التوصيف القانوني للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في التشريعات السورية، قال: «علينا العودةَ إلى الاتفاقيات الدولية، وهنا لا بد من التوضيح بأن إسقاط النظام البائد لا يعني بأي شكل من الأشكال سقوط الشخصية الاعتبارية للدولة السورية ككيان دولي مؤسس لمنظمة الأمم المتحدة وما يترتب على ذلك من معاهدات واتفاقيات سبق أن وقَّع عليها ذلك الكيان الاعتباري الدولي».
وتابع: «إذا كانت القوانين العادية نافذة، وكانت شخصية الدولة الاعتبارية مستمرة، فذلك يعني أن الاتفاقيات الدولية هي بدورها نافذة ومستمرة رغم تعدد الأشكال المختلفة للتنظيم السياسي لتلك الدولة، ما لم تعلن الحكومة الفعلية «الثورية» صراحة انسحابها من تلك الاتفاقيات».
وأضاف: «إن كافة المعاهدات الدولية التي سبقَ أن وقَّعها الكيان الاعتباري للدولة السورية منذ نشأته نافذة بل وملزمة للحكومة «الثورية» الحالية و«الانتقالية» المزمع الإعلان عنها قريباً ومن ضمنها اتفاقيات جنيف الأربع الصادرة في العام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول التي وقَّعت عليها وانضمت إليها سوريا في حينه»، موضحاً أن هذه الاتفاقيات هي اتفاقية جنيف بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان، واتفاقية جنيف بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى بالقوات المسلحة في البحار، واتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، واتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، بالإضافة إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها المؤرخة في 9 كانون الأول 1948، واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1984 التي انضمت إليها سوريا واعتمدتها بموجب المرسوم التشريعي رقم 39 لعام 2004.
وذكر أن بنود اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، فيها كافة توصيفات الأفعال الجرمية التي من شأنها أن تشكل جرائم ضد الإنسانية في زمن الحرب، وفي مقدمة البروتوكول الأول الإضافي للاتفاقية نجد أن الدول المتعاقدة ملتزمة بتطبيق أحكام اتفاقيات جنيف إضافة لأحكام ذلك الملحق «في جميع الظروف» وعلى «الأشخاص كافة» بغض النظر عن «طبيعة النزاع المسلح» أو «سبب ذلك النزاع».
وبعد تأكيده أن الدولة السورية بشخصيتها الاعتبارية الدولية كانت قد سبق لها وأن انضمت إلى الاتفاقيات السابقة، اقترح ولضرورات العدالة الانتقالية أن «تُصدر الحكومة المؤقتة المرتقبة ومجلسها التشريعي المزمع تشكيله قرارها القاضي باعتماد اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها كقانون وتشريع جنائي وطني وأحد التشريعات الجنائية الوطنية الواجبة للعمل والإنفاذ ووضع العقوبات اللازمة لكل فعل من الأفعال التي تضمنتها تلك الاتفاقيات، وعلى أن تخضع تلك الأفعال التي منعتها وحرَّمتها تلك الاتفاقيات في محاكماتها الجنائية، للأصول والإجراءات المقررة للمحاكمات العادلة الواردة ضمن قواعد القانون العام «أصول المحاكمات الجزائية».
وشدد على أن «ما ينطبقُ على الاتفاقيات السابقة ينطبق على اتفاقية «منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» التي وقّعت عليها سوريا عام 1955، موضحاً أن «الإبادة الجماعية وفق هذه الاتفاقية تعني الأفعال المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، من قبيل قتل أعضاء من الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، وإخضاع الجماعة عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، ونقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى».

تشريع جنائي وطني

وبين أن «هذه الأفعال المذكورة ارتُكبت إبان الثورة السورية إلا أننا لا نجدُ لها ذلك التوصيف القانوني الدقيق والتفصيلي ضمن تشريعاتنا الجنائية الوطنية. واقترح أن تصدر الحكومة المؤقتة المرتقبة ومجلسها التشريعي المزمع تشكيله قرارها القاضي باعتماد اتفاقية «منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» كقانون وتشريع جنائي وطني وأحد التشريعات الجنائية الوطنية الواجبة للعمل والإنفاذ ووضع العقوبات اللازمة لكل فعل من الأفعال التي تضمنتها الاتفاقيات، وعلى أن تكون المحاكمات، طبقاً لما نص عليه دستور الدولة، عادلة وتتحقق فيها ضمانات الدفاع وسلوك سبل الطعن المقررة في الأحكام أصولاً».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية