خدعة الإصلاح في الأردن

حجم الخط
0

إبراهيم أبو عوادإن هستيريا الإصلاح الزائف التي تتفشى في الأردن تشبه إلى حد بعيد موضة الأزياء التي تسبب ضجة وقتية ثم تذهب أدراج الرياح بلا تأثير حقيقي، لأن كلام الليل يمحوه النهار، وما تأتي به الرياح تأخذه الزوابع. والمشكلة الجذرية في النظام السياسي الأردني أن القرارات الحساسة تأتي كردود أفعال وإجراءات ارتجالية بدون تخطيط. وهذه أزمة عربية بامتياز. فالفكر السياسي عند الأنظمة العربية المتهاوية يعتمد على أسلوب الفزعة العشائرية والجعجعة بلا طحن، وهذا يجعل الإصلاح شعاراً براقاً للاستهلاك المحلي وتلميع صورة النظام، وامتصاص السخط الشعبي، والقفز فوق ثورات المنطقة الضاغطة على بنية النظام السياسي.

والدلائل المشيرة إلى عدم جدية النظام السياسي في قضية الإصلاح تتجلى في أمور متعددة من أبرزها: اختيار رئيس وزراء ذي خلفية عسكرية (الدكتور معروف البخيت)، ولا يتمتع بأية كفاءة في الإدارة التنموية، ولم يُعرَف عنه أنه مفكر سياسي أو واضع سياسات إستراتيجية، ولا تاريخ له على المستوى العسكري أو المدني. وهذا أدى إلى فوضى عارمة في أركان الحكومة وتخبط في وضع السياسات والعجز عن تطبيقها. كما أن القبضة الأمنية البوليسية عادت لتضرب من جديد (وعادت حليمة إلى عادتها القديمة)، فلم يقف الأمر عند مجزرة ميدان جمال عبد الناصر، بل تعداها لتقديم شباب (24 آذار) إلى المحاكمة. وهذا يشير إلى غياب ثقافة الحوار، وتغلغل الأداء البوليسي القمعي في أوصال الدولة الأردنية. ومن أخطر القضايا التي تنسف فكرة الإصلاح من أساسها هي عدم إعادة النظر في الدستور. فالدستورُ الحالي يُركِّز الصلاحيات في يد الملك ويجعل الشعب مجرد متفرج على الأحداث، لذلك يشعر المواطنون بأن وجودهم كعدمه، وأنهم أحجار شطرنج على رقعة دولة لا تعترف بهم، وهكذا تكرسَ المنفى في قلب الوطن، فصار المواطن غريباً ورقماً هامشياً بلا وزن. ولا يخفى أن التنمية الحقيقية تدور رحاها حول الإنسان، فاذا فقد هذا الانسان ثقته بنفسه، وحُشر في الزاوية نتيجة إجراءات الدولة البوليسية، فعندئذ يختفي الولاء والانتماء، ويصبح المجتمع كالشقة المفروشة، يتم قضاء بعض الوقت فيها، ثم يأتي الرحيل بلا أدنى إحساس بالانتماء.

وفي هذا المنحى تبرز إشكالية من نوع خاص، وهي غياب رأس الهرم السياسي. فالملكُ صار جزءاً من نظام وليس رأس النظام. وهذه العملية لها تداعيات خطيرة تؤدي إلى تحكم الحاشية بمسار الأمور، وتوريط الملك في إرهاب الحكومة البوليسية التي تختبئ خلف مؤسسة العرش. فالحكوماتُ الأردنية المتعاقبة التي تفتعل الأزمات، وتخترع الحركات الصبيانية المتهورة إنما تشطب صورة الأردن، وتجعل من الملك ظلاً للأزمات، وذا موقف مهزوز ضعيف. وأركانُ النظام السياسي الفاسد يسعون للمحافظة على مصالحهم الشخصية وتثبيت وجودهم ونفوذهم على حساب بلادهم وشعبهم، وبالتالي فهم أكثر المتضررين من عمليات التغيير والإصلاح، الأمر الذي يدفعهم إلى محاربة كل الخطوات الإصلاحية. كما أنهم لا يتمتعون بالأفق الفكري والسياسي لإحداث نهضة مجتمعية، وفاقد الشيء لا يعطيه. وإذا كان النظام السياسي الأردني طيلة تسعين سنة (منذ تأسيس إمارة شرق الأردن 1921) لم يشهد نهضة إصلاحية حقيقية، وإنما كانت المشكلات تُعالج بدفنها وترحيلها إلى القادمين الجدد، فهل ستأتي المعجزة في هذا الوقت في ظل الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟’ كاتب من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية